2011/03/05

(5) هوى الإستبداد .. شرقي السمات

6- الإسكندر يؤله نفسه في الشرق .

الشرق بروحانيته وسحره وعطره وبخوره كانت له جاذبية ملفتة في أن يطبع عاداته وتقاليده وطقوسه في أفئدة كل من وطئت قدماه أرضه ، وكأن الموروث الشرقي القديم على تباين نحله وأهوائه قد أبي إلا أن يغرز إبره في مسام الرائح والغادي إلى ومن أرض الشرق ، ولم يكن الإسكندر المقدوني الأكبر إستثناءاً من هؤلاء وفي تفصيل ذلك يقول مؤلف كتاب الطاغية ( بأن المدن اليونانية قد وقعت قرابة القرن ونصف تحت سيطرة الطغاة فيما يسمى عادة بعصر طغاة الأغريق ، إبتداءاً من طاغية كورنثه وإنتهاءاً بطاغية أثينا ، وهي الحقبة التي ذاق المواطن فيها الكثير من الظلم والإضطهاد والمعاناة ، لكن على رغم ذلك لم يحدث أن طلب أحد الطغاة من الشعب أن يسجد له عندما يشرف واحد منهم بالمثول بين يديه .. صحيح أن المدن اليونانية تقلبت عليها الأنظمة وعرفت من بين ما عرفت النظام الملكي لكنه لم يكن بقسوة النظام الشرقي ، وتبعاً لذلك يظل من الصواب أن نقول أن المدينة اليونانية كانت جمهورية في مقابل النظام الملكي في الشرق ، ولهذا فإنه يقال عادة أنه بعد غزو الإسكندر للشرق إنهزمت المدينة اليونانية الجمهورية وإنتصر النظام الملكي ، فقد قامت دولة واسعة الأرجاء كثيرة السكان على أنقاض مقاطعات كثيرة وإنتقل مركز الثقل في العالم اليوناني نحو الشرق ، وأصبح تطور النظام اليوناني أمراً محتوماً ) .

لكن في أي إتجاه يسير هذا التطور ؟ يفصل المؤلف ذلك مبدئياً بالقول ( أن الرجل اليوناني ظل يخضع للقانون الذي يصنعه البشر ولم يخطر بباله أن يكون الحاكم إلهاً أو أنه يمثل الإله على الأرض ، ففكرة تأليه الملك أو الإمبراطور صناعة شرقية محلية فحسب ، ولهذا شهد الشرق أسوأ أنواع الطغيان بل كان النموذج الأعلى له ) أما عن كيفية التطور بعد أن إلتحم الشرق بالغرب بعد غزو الإسكندر ، فمن المفهوم بداءة أن النظام الملكي الشرقي لا يقبل بمبدأ الحرية السياسية الذي كان سائداً في المدن اليونانية لاسيما في أثينا .. فقد أصبح المواطن الآن تابعاً وحل القصر محل الجمعية الشعبية أو الجمعية الوطنية ، وكانت النتيجة أن أصبحت السلطة الملكية مطلقة وأصبح الملك هو الشريعة الحية لا يقيده شيء ولا يخضع لأي رقابة فإرادته إرادة مطلقة وظهرت عبارة تؤيد ذلك مثل ( إن ما يقره الملك هو عادل أبداً ) ، وقد نقل الإسكندر فكرة التاج من فارس حتى أصبحت مرادفة للمُلك وكذلك لفظ ( العرش ) وإستخدمه كل خلفائه من بعده ، وبعد غزو الإسكندر لفارس أطلق على نفسه ( سيد آسيا ) التي كانت تعني وقتها الإمبراطورية الفارسية ، وكان قبل ذلك قد أطلق على نفسه ( ليث فارس الهصور ) ثم تسمى بإسم الملك وهو لقب لم يستعمله إطلاقاً على العملة التي سكها في مقدونيا وقد أخذت هذه الألقاب في الظهور على بعض من العملات الأسيوية التي كان يصدرها .

بدأ الإسكندر يأخذ بعادات الشرق وثيابهم ويتزوج منهم إلى أن وصل إلى أعلى عادةعندهم ألا وهي تأليه الحاكم ، وشيئاً فشيئاً بدأ الإسكندر يعتقد أنه إلهاً حقاً وبأكثر من المعنى المجازي لهذا اللفظ ، وبمرور الوقت أزمع الإسكندر على إقتباس عادة جديدة وهي ( السجود ) التي كان يتعين بمقتضاها على جميع من يقتربون من الملك أن يؤدوها ، غير أن هذا الأمر كان يعني في نظر اليونانيين والمقدونيين عبادة حقة للإمبراطور وهو أمر لم يألفوه من قبل ، وعندما إبتدع الإسكندر عادة السجود هذه تطورت الأمور على نحو غير منتظر ، فقد عارضها المقدونيون بشدة وأظهر البعض إستيائه وغضبه بل أن أحد قواده فعل ما هو أسوأ من المعارضة ، فعندما سمع بمطلب الإسكندر إستولت عليه نوبة من الضحك ، وأخيراً إتفقوا معه على أن يُقصر هذه العادة الأسيوية على الأسيويين فحسب ، وكان الإسكندر قد أوتي قدرة فائقة على الإحساس بما هو ممكن من الأمور فأسقط السجود من حسابه نهائياً ، وهكذا نجد أن الإسكندر لم يفكر في تأليه نفسه إلا في الشرق ( موطن تأليه الحكام ) ولهذا كانت آسيا هي الأصل والمنبع للإستبداد في كل الفلسفة السياسية في أوروبا ، وكان الطغيان الشرقي هو النموذج الذي تحدث عنه المفكرون في عصر التنوير .

نظر الرومان لاحقاً إلى فكرة تقديس الشرقيين للملك في إفتتان ورهبة ، ويقال أن قيصر كان يلهو بالتأليه وأصبح مارك أنطونيو بغير خجل هو ديونسيوس ( أوزوريس ) زوج كليوباترا ( إيزيس ) ملكة مصر وأطلقا على طفليهما الشمس والقمر ، ورغم أن هناك بعض من طغاة أوربا قديماً ممن أصيبوا بجنون العظمة مثل (كاليجولا) ، (نيرون) ، (دوميتيان) فهم وحدهم الذين طالبوا بأن يُعبدوا في حياتهم وأن يُنظر إلى كل منهم بوصفه سيداً وإلهاً أي مالكاً للعبيد وإلهاً الفانين ، لكنها كانت كلها محاولات باهتة تحاكي الأصل وهو النموذج الشرقي الذي هو تأليه حقيقي للحاكم .

يتبع لاحقاً

2011/03/04

(4) هوى الإستبداد .. شرقي السمات

تأليه الحاكم في الشرق

3- الطاعة البابلية



كانت السلطة السياسية في بلاد ما بين النهرين تستند بإستمرار إلى مصدر إلهي ، فلقد هبط النظام الملكي من السماء ، والملك هو (حاكم المدينة ) ، وهو ( الكاهن الأعظم ) وهو نائب الآلهة ومندوبها ، ويفاخر الملوك بالأصل الذي ينتسبون إليه ، ولكنهم في الوقت ذاته لا يفتأون يذكرون الناس بإختيار الآلهة لهم ، وإذا ما إختار الملك إبناً ليتولى الحكم بعده حرص على أن يعرض هذا الإختيار على الآلهة لتقره ، وبعد المصادقة على الإختيار يقسم الإبن يمين الولاء والخضوع والإحترام لأبيه ، ويدخل ( المختار ) إلى بيت الوراثة ) حيث ًيدرب على مهام منصبه المقبل ، ولم يكن ملك بابل من الوجهة القانونية إلا وكيلاً لإله المدينة ومن أجل هذا كانت ُتفرض الضرائب بإسم الإله ، وكان الملك أثناء تتويجه يُقام له حفل كبير فتخلع عليه الكهنة سلطته الملكية .

يستطرد مؤلف كتاب الطاغية فيقول أن الفضيلة الكبرى في بلاد ما بين النهرين عموماً وبابل بصفة خاصة هي الطاعة التامة ، فالدولة تقوم أساساً على الطاعة والخضوع للسلطة حيث كان الفرد يقف في مركز مجموعة من الدوائر المتلاحقة تحد من حرية عمله ونشاطه حيث ُيوصي العراقي القديم بهذه العبارة ( إسمع كلمة أمك كما تسمع كلمة إلهك ، وإسمع كلمة أخيك الأكبر كما تسمع كلمة أبيك ) ، وعموماً فإن دور الملك الرسمي في بلاد ما بين النهرين أنه ممثل الآلهة على الأرض أو أنه ينوب عنها وهي - أي الآلهة - تتوقع منه أن يعامل الناس بالعدل وبلا محاباة بحيث يدافع عن الضعيف أمام القوي وأن يكون نصيراً لليتامى والأرامل ، وكان يوجه إلى الإعتبارات الأخلاقية لما تجلبه من رضا الآلهة وبركاتها وما يمنع لعناتها .

4- بلاد فارس



كان الفرس يطلقون على الإمبراطور لقب ( ملك الملوك ) وهو صاحب السلطة المطلقة في طول البلاد وعرضها ، وقلماً كان أحد من الأهالي ومنهم كبراء وأعيان يجرؤ على إنتقاد الملك أو لومه لدرجة أن كان كل ما يفعله من يرى الملك أن يقتل إبنه أمام عينيه رمياً بالسهام أن ُيثني على مهارة الملك العظيمة في الرماية ، وكان المذنبون الذين تلهب السياط أجسادهم بأمر الملك يشكرون له تفضله بأنه لم يغفل عن ذكرهم ! ، وكانت هناك عادة السجود للملك على كل من يقترب منه .

5- الصين



كان التنظيم السياسي في الصين القديمة يقوم على أساس أن الإمبراطور يستمد سلطته من السماء ، فهو يحكم وفقاً للحق الإلهي الذي يخوله سلطة مطلقة وكانت عبارة ( مقبول من السماء ) عن طريق الشعائر هي رخصة المُلك والسيادة ، وهي التي تزوده بالنفوذ السياسي القوي الذي يُلزم رعاياه بالولاء له ، فهو إبن السماء وممثل الكائن الأعلى ، ومن أجل ذلك فإن مملكته ُتسمى أحياناً ( تيان شان ) أي التي تحكمها السماء وقد ترجم الأوربيون هذه العبارة بالمملكة السماوية ، وبفضل سلطات الإمبراطور الإلهي كانت له السيطرة على الفصول ، فكان يأمر الناس أن يوفقوا بين أعمالهم وبين النظام السماوي المسيطر على العالم ، وكانت حكمته هي القانون وأحكامه هي القضاء الذي لا مرد له ، فهو المدبر لشئون الدولة ورئيس ديانتها ويختار من يخلفه على العرش ، وكان إذا ظلم الإمبراطور أو فسد حكمه خسر بحكم العادات المرعية وبإتفاق أهل الدولة ( تفويض السماء ) وأمكن خلعه دون أن ُيعد ذلك خروجاً على العادات والدين أو الأخلاق ، فقد كانت السماء ُتبدي غضبها بأن تقلب الطقس في غير أوانه أو ترسل علامات أخرى كالصواعق .

وإختصاراً فإنه لم يكن هناك أي لون من ألوان الرقابة الشعبية على الملك فهذا الأمر لا أثر ، فالملك يستشير إذا شاءت إرادته الملكية ومن حقه ألا يستشير فلا شيء يلزمه بقبول المشورة أو الإلتزام بآراء الآخرين ، فليس هناك سوى الإرادة الملكية التي هي إرادة السماء ، أما الشعب فلا وجود له ، وإذا كان الإمبراطور يتحدث إلى الشعب بإستمرار بجلال ورقة وعطف أبوي ، فإن الشعب ليس لديه عن نقسه إلا أسوأ المشاعر الذاتية ، فهو يعتقد بأنه لم يولد إلا ليجر عربة الإمبراطور ، فذلك هو قدره المحتوم ، ولا يبدو لهم الأمر مزعجاً أن يبيعوا أنفسهم كعبيد وأن يأكلوا خبز العبودية المر .

ُيتبع

2011/03/03

(3) هوى الإستبداد .. شرقي السمات

عبد الرحمن الكواكبي
( ما من مستبد سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله ، أو تعطيه مقاماً ذا علاقة بالله )

*****
تأليه الحاكم في الشرق
1- الحكم الثيوقراطي Theocracy

ظهرت في كل عصر مجموعة من أتباع هذا الدين أو ذاك تلجأ إلى تأويل بعض النصوص الدينية وتقدم إجتهادات شخصية وتفسيرات ذاتية تمكنها من الوصول إلى السلطة فتكون لها مقاليد الأمور ، وهي تستخدم في الأعم الأغلب أحط السبل كالدسائس والقتل والرشوة وإستمالة الأشخاص بالمال أو الإرهاب والنفاق والكذب على الله عز وجل ، والواقع أن هذا النوع من الحكم ينشأ عندما ينقسم المجتمع السياسي إلى قسمين أو فئتين متمايزتين ( حاكمة ومحكومة ) ، والسؤال الذي يظهر هنا ( من أين جاء هذا التمايز ؟ ) وإذا كان الحكام بشراً كالمحكومين فكيف تكون إرادتهم حرة تحدد نفسها بنفسها ، بينما إرادات المحكومين تخضع لهم وتتقيد وتتحدد وفقاً لمشيئتهم ؟ كيف نتصور إرادتين من طبيعة بشرية واحدة ليستا على درجة واحدة ، بل إحداهما تعلو على الأخرى ؟


يقول المؤلف أن أبسط وأسرع إجابة هي أنه لابد أن يكون الحكام من طبيعة غير طبيعة البشر، هكذا تصور القدماء الحاكم من طبيعة إلهية ، فهو إله على الأرض أو هو إبن الله ، ومن هنا جاء سمو إرادته ، فهي سامية لأنها إرادة إلهية عليا ، ثم تدرج الأمر بعد ذلك إلى أن الله يختار الحاكم إختياراً مباشراً ليمارس السلطة بإسمه على الأرض ، وعلى ذلك فإننا نستطيع أن نقول أن التفكير قد إتجه أولاً إلى تأسيس السلطة على أساس إلهي ، فقيل أن السلطة مصدرها الله يختار من يشاء لممارستها ، ومادام الحاكم يستمد سلطته من مصدر علوي فهو يسمو على الطبيعة البشرية وبالتالي تسمو إرادته على إرادة المحكومين إذ هو منفذ للمشيئة الإلهية ، ولقد لعبت هذه الفكرة دوراً كبيراً في التاريخ ، وقامت عليها السلطة في معظم الحضارات وأقرتها المسيحية في أول عهدها وإن حاربتها فيما بعد ثم إستند إليها الملوك في أوروبا في القرنين 16 ، 17 لتبريرسلطاتهم المطلقة وإختصاصاتهم غير المقيدة .


ويؤكد المؤلف أن هذه الفكرة قد تطورت وإتخذت ثلاث صور متتابعة هي :-

الصورة الأولى : في الأصل كان الحاكم ُيعد من طبيعة إلهية ، فهو لم يكن مختاراً من الإله بل كان هو الإله نفسه ، وقد قامت الحضارات القديمة عموماً في مصر وفارس والهند والصين على أساس هذه النظرية ، وقد ُوجدت هذه الفكرة كذلك عند الرومان الذين كانوا يقدسون الإمبراطور ويعدونه إلهاً وإن كان الشرق هو أصلها ومنبعها .

الصورة الثانية : تطورت النظرية مع ظهور المسيحية ولم يعد الحاكم إلهاً أو من طبيعة إلهية ولكنه يستمد سلطته من الله ، فالحاكم إنسان يصطفيه الله ويودعه السلطة ، وفي هذه المرحلة تسمى النظريـة بــــ ( نظرية الحق الإلهي المباشر ) لأن الحاكم يستمد سلطته من الله مباشرة دون تدخل إرادة أخرى في إختياره ومن ثم فهو يحكم بمقتضى هذا الحق الإلهي المباشر .

الصورة الثالثة : منذ العصور الوسطى وأثناء الصراع بين الكنيسة والإمبراطورقامت فكرة جديدة مقتضاها أن الله لا يختار الحاكم بطريقة مباشرة وأن السلطة وإن كان مصدرها الله، فإن إختيار الشخص الذي مارسها يكون للشعب ، فالسلطة في ذاتها من الله ولكن الله لا يتدخل مباشرة في إختيار الحاكم ، وإن كان من الممكن أن يرشد الأقراد إلى الطريق الذس يؤدي بهم إلى إختيار حاكم معين ، ومن ثم فإن الله يختار الحاكم بطريقة غير مباشرة ، ويكون الحاكم بناء على ذلك يكون قد تولى السلطة عن طريق الشعب بتوجيه من الإرادة الإلهية أو بمقتضى الحق الإلهي غير المباشر ( نظرية الحق الإلهي غير المباشر ) .

2- تأليه الحاكم في مصر القديمة


كان الملك في مصر الفرعونية إلهاً منذ بداية النظام الملكي فيها ، ولم تكن هذه الألوهية رمزية أو مجازية تشير فقط إلى سلطته المطلقة ومكانته السامية ، بل هي تعبر حرفياً عن عقيدة كانت إحدى السمات التي تميزت بها مصر الفرعونية وهي عقيدة تطورت على مر السنين ، بل هناك من النصوص ما يمجد الملك وتصفه بأنه في وقت واحد مجموعة من الآلهة وليس مجرد إلهاً بينها ، فهو (سيا) إله الإدراك ، وهو (رع) إله الشمس ، وهو (خنوم) خالق البشر ، وهو (باسنث) الآلهة الحامية ، و(سخمت) آلهة العقاب ، ومعنى ذلك أن الفهم والإدراك والحكم الأعلى وإكثار السكان والحماية والعقاب هي كلها من خواص الملك ، والملك هو كل واحد منها فالملك هو ( كل هذه الآلهة ) ، وعندما يعتلي فرعون العرش كان على الناس أن يفرحوا لأن أحد الأرباب أقيم رئيساً على كل البلاد ، ويرافق إسم الملك شارات ترمز إلى ( الحياة والصحة والقوة ) ، كما أن فرعون الذي هو الملك يتحول إلى إله بعد وفاته ، ومن هنا يستحق مناسك العبادة والتكريم الواجبة ، ذلك أنه سيصعد إلى السماء ليتحد بقرص الشمس ويندمج مع أبيه (رع)

ولهذا كله فإن الملك يتسم في مصر بالسمات التالية :-

1- شخصية إلهية مقدسة ، وبالتالي فهو أقدس من أن يخاطبه أحد مباشرة ، بل أن كل ما هو جزء من شخصية الملك كظله مثلاً مترع بالقداسة فلا يقوى البشر على الدنو منه .

2- هذه الشخصية الإلهية تتمتع بعلم إلهي فلا تخفى عليها خافية ، ويقول أحد الوزراء أن ( جلالته عليم بكل شيء ، بما حدث وبما يقع ، وليس هناك في الدنيا شيء لا يعلمه ) .

3- إن ما يتفوه به صاحب الجلالة يجب أن ينفذ ، بل لابد أن يتحقق فوراً ، ذلك أن مشيئة الملك وإرادته هي القانون ، ولها ما للعقيدة الدينية من قوة وشكيمة .. وهكذا كان لا يسع المواطن المصري العادي إلا التسليم والخضوع لأوامره ونواهيه .

4- ترتب على شخصية الملك الأسطورية نتيجة هامة مفادها أنه لم تكن هناك قواعد قانونية مكتوبة أو مفصلة ، إذ لم تكن هناك حاجة إليها مادامت كلها متمثلة في شخص الإله .

5- كان القضاة يحكمون حسب العادات والتقاليد المحلية التي يرون أنها توافق الإرادة الملكية التي يمكن أن تتغير إذا إقتضت رغبته ذلك .

6- كان الملك هو همزة الوصل الوحيدة بين الناس والآلهة ، فهو الكاهن الأكبر وهو الذي يعين الكهنة لمساعدته ، ولهذا كان من المفاهيم الأساسية أن الإرادة الملكية لا يمكن أن تهدف إلا لسعادة مصر ورخائها .

7- من مجموع ما تقدم يتبين أن فرعون في مصر هو المشرع والمنفذ وهو الذي يحكم القضاء بإسمه وهو الذي يعرف رغبات الآلهة وينفذها وكثيرا ما كان يقول في أوامره لإبنه أو وزيره ( إن الآلهة ترغب في إحقاق الحق وهي تكره أشد الكراهية الأخذ بالوجوه والتحيز ) .

ُيتبع

2011/03/02

(2) هوى الإستبداد .. شرقي السمات

الفيلسوف الفرنسي شارل مونتسكيو
( موقف الطاغية هو موقف ذلك الذي يقطع الشجرة لكي يقطف ثمرة )

السياسي والكاتب البريطاني لورد آكتون
( كل سلطة مفسدة .. والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة )

ضرورة السلطة :

يقول مؤلف كتاب الطاغية ( أن الحياة الإنسانية لا بد لها من قدر من التنظيم إن أردنا أن تحقق شيئاً ذا قيمة ، لا أن تكون مجرد عبث لا معنى له أو فوضى تقترب من حياة الحيوان ، لا يقوم نظام دون قانون ، وحيث لا يكون نظام يضل الناس السبيل ، فلا يعرفون كيف يتوجهون ولا يعرفون ما يفعلون ، والخارجون على السلطة كالقراصنة ورجال العصابات لهم قانونهم الخاص الذي لا يستطيعون العيش من دونه ... والتنظيم يحتاج إلى سلطة منظمة إذ لا يمكن تصور المجتمع السياسي بغير سلطة حاكمة تنظمه وتضع له القواعد ، فكما يقول الكاتب الإنجليزي تشيسترتون " لو أن جماعة كانت كلها قادة أبطالاً مثل هانيبال ونابليون ، فمن الأوفق ألا يحكموا جميعاً في وقت واحد " ، لذلك فإن النظام السياسي يفترض حتماً وجود سلطة تتولى إدارة الجماعة وتسير شئونها، وهكذا ينشأ المجتمع السياسي عندما يحدث فيه ما يسميه فقهاء القانون بالإختلاف أو التمايز السياسي ، أي عندما ينقسم هذا المجتمع إلى فئتين : فئة حاكمة تتولى السلطة السياسية وتصدر القرارات والأوامر ، وفئة أخرى محكومة لا يكون لها إلا الطاعة والتنفيذ ، ونظراً إلى ما للسلطة السياسية في الدولة من صفات فقد أطلق عليها الفقه الفرنسي إسم " السيادة " ، وصفة السيادة مقتضاها أن سلطة الدولة سلطة عليا لا يسود عليها شيئ ولا تخصع لأحد ، ولكن تسمو فوق الجميع وتفرض نفسها على الجميع ) .

وينقل المؤلف مثالاً عن الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في مجال التدليل على أهمية التنظيم السياسي الذي هو ضد حالة ضد الإضطراب والفوضي ، ومفاد هذا المثال أنه ( قد جرت العادة عندما يموت الملك في فارس في العصور القديمة أن ُيترك الناس خمسة أيام بغير ملك وبغير قانون بحيث تعم الفوضى والإضطراب جميع أنحاء البلاد ، وكان الهدف من وراء ذلك هو أنه بنهاية هذه الأيام الخمسة وبعد أن يصل السلب والنهب والإغتصاب إلى آخر مدى فإن من يبقى منهم على قيد الحياة بعد هذه الفوضى الطاحنة سوف يكون لديهم ولاء حقيقي وصادق للملك الجديد ، إذ تكون التجربة قد علمتهم مدى رعب الحالة التي يكون عليها المجتمع إذا غابت السلطة السياسية ) .

ويبدو أن المثال الفارسي كان له – على قدم عهده – وبشكل ما جاذبية أخاذة لدى نفر من السياسيين والقادة الأمنيين المصريين إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 فعمدوا إلى إفراغ الشارع من قوى الأمن المنوط بها أصلاً حفظ النظام وتطبيق القانون فإنتشر الهرج والمرج وبلغ الحرق والسلب والفوضى غايتها ومنتهاها ، وبات الجميع يعيش على وجل إزاء الفراغ الأمني المتعمد حتى أن بعض من الناس كان يتمنى لو يعود الأمن ولو من خلال السلطة المستبدة حتى وإن كان ذلك على حساب الأهداف التي قامت من أجلها الثورة حقناً وذلك حقناً للدماء وطلباً للسكينة والإطمئنان لهول ما رأوا من فوضى ودمار .

ويمضي المؤلف قائلاً أن ( السلطة السياسية في الماضي كانت تختلف بإختلاف الحكام ، فهم يجسدون هذه السلطة ويمارسونها على أنها إمتياز شخصي يكتسبونه بفضل مواهبهم أو أشخاصهم، ومن هنا كانت العصور القديمة لم تكن تفرق بين الحاكم والسلطة .. غير أن تأسيس السلطة والإنتقال من مرحلة السلطة الشخصية التي يتمتع بها الحاكم على أنها ملك له ومرتبطة بشخصه إلى مرحلة السلطة المجردة التي تجد مصدرها في الجماعة ، هذا الإنتقال لم يتم دفعة واحدة ، فقد كان الحاكم كل شيئ في الجماعة ، يمارس عليها سلطة مطلقة يستمدها من شخصيته أو بسبب ما له من قوة مادية أو ما يتمتع به من شجاعة هيأت له الإستيلاء على السلطة ، وإخضاع الأفراد لنفوذه الذي لا حد له ، ولكن هذا الوضع الذي ساد العصور الوسطى الأوروبية لم يكن من الممكن أن يستمر ) .

يُتبع

2011/02/28

(1) هوى الإستبداد .. شرقي السمات



مفاهيم أولية !


الشرق .. ما الشرق ؟

مهبط الرسالات ، منبت الأنبياء ، محشر الخلق .

بيت حكمة الأقدمين ، مهد الفلسفات والرياضات الروحية .

مستودع كل عقيدة شاذة ، منه تبزغ شموس الإستبداد ، ولا تأفل عنه نجوم الطغيان .

مادة خصبة وثرية لمريدي الفنون غير النبيلة ، مستقر الطغاة عبر السنين .

*****

طالعت أرفف مكتبتي بعد التجديد والترتيب والتصنيف ، فوجدت الكتاب الذي تمنيت أن أقرأ عن موضوعه سنين طوال .. كتاب ضمن سلسة كتب كنت أوصي دوماً بشرائها أثناء رحلة عملي بالخارج ، وبعدما عدت بعد قرابة الثمانية عشر عاماً وجدت كنزاً حقيقياً من شتى المعارف والعلوم والآداب ، تناولت كتاب من بين هذه الكنوز فوجدته يرسى لدي المفاهيم الأولية السابقة بل زاد عليها وبنى فوقها بسرد بالغ الحرفية والمنهجية من قبل كاتبه الأريب .. كتاب في الواقع لم تنقصه الأمانة العلمية ولا دقة المراجع العديدة التي جرى الإستناد إليها ، وقبل أن أتابع مع القارئ العزيز بعض من فصول هذا الكتاب أؤكد أن ما سيجرى سرده ليس بالضرورة ذات عبارات الكتاب ولا رأي صاحبه ، بينما سيتم التنويه عن أي عبارة مقتبسة بالنص مسبوقة بعبارة ( وقال الكاتب أو المؤلف ونحوهما ) ، ذلك أن القارئ عندما يتناول كتاباً ما قراءة ً أو بحثاً أو تمحيصاً ينبغي ألا يقف حائلاً بينه وبين عقله ونفسه ، بل عليه أن يترك لهما العنان وعليه أن يقف على الأثر الذي وقع بنفسه لا كما قد وقع بالضرورة في نفس كاتبه ، فيشهد عليه عقله ونفسه ، فللقارئ أن يتفاعل مع النص المقروء ويسكب عليه متى دعت الضرورة إلى ذلك بعض من تجاربة الذاتية ومشاهداته وخبراته وأرائه التي إكتسبها من هنا وهناك شريطة الإشارة إلى ذلك والتنبيه عليه حفظاً للنص الأصلي وإحتراماً لقلم كاتبه الأول .


أما هذا الكتاب الذي أقدم فله فهو بعنوان (الطاغية ... دراسة فلسفية لصور من الإستبداد السياسي ) من تأليف الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام – صدر في الأول من مارس 1994 ضمن سلسلة عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت .. ويقع هذا الكتاب في مقدمة قصيرة وأربعة أبواب رئيسية على النحو التالي :-

الباب الأول : في فلسفة السلطة .

الباب الثاني : صورتان للطاغية في الفلسفة اليونانية .

الباب الثالث : الطاغية يرتدي عباءة الدين .

الباب الرابع : فرار من الطاغية .

وقد إخترت قراءة هذا الكتاب في هذه الآونة تحديداً ربما لتزامنها مع تهاوي بعض من أنظمة الإستبداد والطغيان في عالمنا العربي لعل - كما قال ناشر الكتاب - العرض لنماذج من الطغيان عبر التاريخ ولبعض من النظريات الفلسفية التي تفسره من شأنه أن يقترح حلاً بسيطاً يمكننا من الإفلات من قبضته الرهيبة وهو الإيمان الحقيقي بالديمقراطية والسعي الجاد إلى تطبيقها .

ُيتبع

2010/10/24

تحضر يا .. محترم


الحضارات المرموقة ترى النور بفضل الهمم العالية لأبنائها ، والأمم الكبيرة تولد من رحم الأحداث الكبيرة ، والمجتمعات الناهضة تشب عن الطوق بنفضها غبار التاريخ والبحث عن كوة ترى من خلالها قرص الشمس ، والفرد أو الإنسان هو محور هذه الحياة ، بصلاح طويته وصلابته ينهض المجتمع فتولد الأمم فتتشكل الحضارات .

فلا تتشكل الحضارات هكذا بإنفجار كوني هائل ولا بتغير مناخي حاد ، فهذا وذاك لا يصنعان حضارة ، بل جغرافيا ، وإنما ما يصنع الحضارات حقاً هو الإنسان الذي له المقدرة على إلقاء حجر صغير في نهر فيخلق حالة جديدة من التموج وإن كانت بسيطة فتتغير على أثرها صفحة النهر.

فالحضارات في النهاية ما هي مجموعة من القيم التي إستقر عليها وجدان الناس ذلك لأنهم وجدوا فيها ما يكفي لإعلاء شأنهم روحياً ومادياً والإقرار بحقهم في العيش بكرامة والتعبير بحرية ، فضلاً عن الإعتزاز المعقول والإيجابي بتراثهم وإيمانهم في الوقت ذاته بدواعي التقدم ، مع الأخذ بأسبابه المعينة على ترسيخ هذه القيم أكثر فأكثر ، وبقدر إقتراب مجتمعاً ما من ملامسة هذه القيم فإنه ُيصنف عادة على أنه مجتمع حضاري دون نظر كبير إلى بلوغه المراتب العليا في شأن الأخذ بأسباب المدنية الحديثة .

فكونك لا تقطن أحد الأبراج السكنية العالية ذات المواصفات التقنية المتقدمة أو ما ُيسمى بالمباني الذكية ، أو كنت لا تملك حاسوباً خاصاً ، ولا تستخدم أحدث الهواتف المحمولة ، حتى وإن كانت لا تروق لك فكرة أن يكون لك بريداً إلكترونياً ، بل ولا تجد متعة في إستخدام الإنترنت ، فلا يعني أي من ذلك أنك بت إنسان غير متحضر ، إنما تحضرك يكمن حقاً في ما تملكه من قيم وأعراف وسلوكيات تحكم تصرفاتك ومسالكك بالحكمة الواجبة مع نفسك ومع من حولك ، وكونك قد بلغت في الأخذ بأسباب المدنية الحديثة شأواً بعيداً ، ونهلت من روافدها الشيء الكثير فلا يعني هذا بطريق الحتم واللزوم أنك أصبحت في عداد المتحضرين ، بل العكس تماماً قد يكون هو الصحيح ، فإستغراقك اللا واعي في الأخذ بهذه الأسباب دون وجود حكمة ظاهرة ، أو ضرورة ملحة يعد في الواقع أحد العناوين الناصعة على سطحيتك .

وحسب رأيي فإنه يوجد في الواقع لبس أو خلط بين مصطلحين ، أحدهما ُيطلق وربما ُقصد به الآخر ، وتجد ذلك جلياً عند الإشارة إلى كلمتي الحضارة والتاريخ ، فيقال مثلاً أن شعب ما ذي حضارة عميقة ، والقصد أنه صاحب تاريخ قديم أو متجذر أو موغل في القدم ، فكل ما كان قبل الآن فهو تاريخ ، أما الحضارة فهي لحظتك الأنية وهي حاضرك ، فأنت حاضر بها ومعها ولها ، وكلما تعاملت مع هذه اللحظة بقيمة عالية وهمة نشطة فلا مراء عندي في تحضرك ، فلا تنساب اللحظات من بين يديك عزيزي القارىء فتغدو وإياها تاريخاً مهملاً وفي أحسن الأحوال كتاباً ملقى على رف بمكتبة عتيقة ، فتحضرك الحقيقي داخلك ، وجمالك الحقيقي داخلك ، فدع عنك العلل والأسقام ، وحاول إستكشاف منابع الدفء وروافد الروعة التي تسكنك ربما من حيث لا تدري .

2010/10/18

وحيد بالمنزل


في وقت الوحدة تبرز التفاصيل الصغيرة ، وتشي الأركان وحتى الشقوق بكل الأسرار والخبايا ، ويعبق المكان بأبخرة الماضي القريب ، تعود المسلمات القديمة إلى طاولة البحث للتدقيق والقراءة من جديد ، وعلى أثر ذاك التداعي تتهادى الذكريات كأمواج متتالية لا يكاد يتوقف هديرها فتصيب العقل والنفس بإنفصام جزئي عن الواقع ، فتحمل أحدنا مرغماً على العودة إلى الوراء للحظات آخذة بيده لإعادة تفقد الأمكنة وإستراق السمع وإعادة رؤية المشاهد من جديد ، والمدهش أن المشاهد التي تتبدي في ناظرينا هي عين ما كان ، لا تفاصيل زائدة ولا ملفقة ، حفظتها الذاكرة كأي شريط سينمائي عتيق يعيد إستذكار والتذكير بما كان ، ومع هدوء المكان بفعل الوحدة تتسع دائرة الفراغ وتنمو بإمتياز وروعة كل أغرسة الحواس ، وكأن لها دوراً إضافياً أو إستثنائياً لا يظهر إلا في وقت الرهبة والسكون ، فالسمع بات أكثر إرهافاً ووعياً ، كما تنشط هي الأخرى العينان فتراها تدور حول الأمكنة وتتفقد الأشياء بهمة ونشاط ، فتفطن ربما للمرة الأولى إلى تداخل ورمزية ألوان السجاد وتقاسيم ومغزى الأشكال ، وتدقق في الرسومات السريالية للأطفال على كل جدران البيت فترى فيها فناً ومزجاً فريداً لا مجرد عبث وإتساخ ، في زمن الوحدة يغدو مخدعي كأي جزيرة منعزلة لم تطئها من قبل قدم إنسان ، فتموت على ضفافها كل الكلمات ، وتستحيل بدلاً عنها همهمات وتنهدات .
-

بالمنزل بت وحيداً أتسول صوت يأتيني ولو من بعيد ، فيستحيل الصوت صدىً يتردد في أرجاء المكان ، وترتسم في ناظريً على أثر ذلك صور ذات جاذبية لأشباح لطيفة شفافة تمنيت لو شاركتني وحدتي ولكنها لم تفعل حتى الآن ، رجوت قرين نفسي أن يحدثني وإستفززت فيه كل مشاعر غضبي وإحباطي لعله يستجيب ويبدد سكون المكان ويبعث من جديد موات الأشياء والجمادات المحيطة بي فإبتدرني بالصياح :-
- نعم يا قريني .. أما زالت مبتئس .
- وما لي ألا أكون ؟
- لطالما أحببت الوحدة وتغزلت في السكون والركون .. فما حل بك ؟
- لا أدري .. كأن بيً مس يحرضني على الإلتصاق وإعادة الإندماج .
- هيهات .. هيهات ، أبعد هذا العمر تريد إعادة النظر والقفز على حواجز تفننت في بناءها وتعلية أسوارها وإحكام إغلاق أبوابها ؟
- أكان ذلك كله عبثـاً إذن .. أتقصد ذلك ؟
- قد لا يكون عبثاً .. ولكن العبث كل العبث أن تلعب بك رياح الوهم فتصور لك أبنيتك وأسوارك وكأنها مدينة خربة مليئة بالأطلال مسكونة بالأشباح .
- إذن فإنك ترى أن أركن إلى ما أنا فيه فيهلهلني الفراغ والصمت .
- أفضل لك ألف مرة أن تموت في قبر بنيته بيدك من أن تموت في قصر إصطنعه غيرك .

2010/04/20

أصل وفصل


( قد أكون أفغانياً منذ خمسين عاماً ، وقد أكون مسلماً منذ ألف وأربعمائة عام ، غير أنني بشتونياً منذ ثلاثة ألاف عام ) بهذه العبارة لخص أحد المواطنين الأفغان المنتمي إلى قبائل البشتون قصة طويلة عمرها ربما يقدر بعمر نشأة الجماعات وتطور المجتمعات ، إذ إنحاز هذا المواطن بكل فخر لا إلى وطنه حيث يعيش ، ولا إلى دينه الذي يتعبد به ، وإنما إنحاز إلى عرقه القديم وأصله التليد ، فمن المبهر حقاً أن يتجاوز أحدنا حدود زمنه الراهن ، وحتى حدود زمنه البعيد نسبياً قافزاً قفزات واسعة إلى الوراء حيث الزمن الأبعد والأقدم .

يبدو الأمر وكأن هناك جاذبية ما تشدنا شداً إلى الوراء وتستنهض فينا الرغبة إلى إعادة الرؤية والتبصر ولو عبر منظار طوله ألوف السنين ، ولابد أن أحدكم قد راودته يوماً ما على حين غرة فكرة السؤال أو حتى البحث والتقصي عن أصول عائلته ومنابت جذوره ، فإن توصلت بعد عناء مفترض إلى الوصول إلى حقيقة النشأة عبر سلسلة طويلة من أرحام النساء وأصلاب الرجال ووجدت في هذه النشأة ما يستحق الذكر والتنويه كأن يكون نسبك مثلاً عائداً إلى إحدى القبائل الشريفة أو جماعة ُعرفت بالشجاعة والإقدام أو الكرم وإغاثة اللهفان ، فإنك ستجد نفسك متلبساً في نهاية المطاف برائحة التاريخ العتيقة ، فيأخذك الحنين محلقاً بك إلى مرابط أجدادك الأولين ، ولربما إتسعت حدقة رؤيتك فتراك تطوف بخيامهم وتتفقد مواضع جيادهم وتتقلد سيفاً من سيوفهم ، ولربما عاينت بعين الشفيق المعارك التي خاضوها والدماء التي أراقوها من أجل الدفاع عن حياض القبيلة وشرف العائلة .

ولكن السؤال هو ... لما يفعل أحدنا ذلك ؟ قد تكون الإجابة في أبسط صورها أن اليأس من حواضرنا والتوجس من مستقبل أيامنا هو ما يدفعنا ربما دفعاً إلى البحث عن ومضات مضيئة قديمة وإن غدت بفعل الزمن خافتة لعلنا نجد فيها ما يساهم في رفع روحنا المعنوية ويدفعنا ولو دفعة بسيطة إلى الإمام ، فبالهروب إلى مواطن ثراءنا الغابرة تتجلى صور من تعزية النفس وتهدئة الخواطر ، وربما الإسترخاء إلى فكرة أن الأمور ليست بهذا السوء ... على الأقل فيما مضى .

هذا نمط من تحليل الظاهرة غير أنني لا أستريح إليه ، ذلك أن البحث عن الجذور أمر لا يقتصر على أولئك الذي يعانون في حواضرهم ويترقبون بخوفٍ قادمات أيامهم ، ذلك أن كثير من المجتمعات والتي غالباً ليس لديها مشكلات إقتصادية آنية كبيرة ، أو قلق أو توجس من المستقبل لدى أفرادها ذات الهوى والجامح أحياناً إلى الإرتداد إلى حيث بواكير نشأة العرق أو الأصل الأول ويظل الولاء إلى هذا الأصل متجذراً في نفوس هؤلاء الأفراد مهما بلغ شأنهم وعلت مكانتهم ، وما أشجار النسب المنتشرة في كثير من البلدان إلا دليلاً على ولع الكثير منا - لاسيما ذوي الأصول القبلية – بالبحث والتمحيص عن منابعهم القديمة ، بل أن البعض يعتبر هذا الأمر من الضرورات الشرعية لما يترتب عليه من حفظ الأصول والأنساب .

ولكن إزاء هذه العبور الإرتدادي اللافت إلى الوراء سيحملك الشوق ربما إلى محاولة التأسي بأخلاق القوم وشيمهم ، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنك قد بت حقاً واحداً منهم منتسباً إليهم ، فما لم تكن شريفاً في ذاتك فإن شرف قومك الأقدمين وعراقة نشأتهم لن يغني عنك من الأمر شيء ، وإذا كنت ممن تنخلع قلوبهم من مجرد صوت لصرير باب غرفتك في ليلة ظلماء ، أو من صوت هبة ريح عاتية فإن شجاعة قومك ستقف عاجزة كل العجز عن أن تهدئ من روعك ، بل أن كرم جدك الأعلى وإن كان حاتم الطائي ذاته لن يفلح في معالجة إمتقاع وجهك وإعراضك عن سؤال واحد من أصحاب الحاجة والفاقة ،
فكن أنت نفسك ، ودع عظام أجدادك ترقد في سلام ، قال تعالى { فاذا نُفِخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } « سورة المؤمنون 101 » .

2010/03/29

رمزي ورمزية


بوسعك التبسم إن أردت أن لا يلحظ أحد عليك ضحكاتك ، ويمكنك الإمتعاض بدلا ً من البوح برفضك أو إستهجانك ، وسيكون لك الأنين أفضل ألف مرةٍ من تألم صريح يجر عليك التشفي أو الرثاء ، وربما كان من المجدي لك أن ُتلقم فمك حجر بدلاً من أن تلقيه على عدو متربص تخشى بطشه وغدراته ، ومن الجائز أن يدك قد خانتك غير مرة فصوبتها إلى أقرب جدار أو مرآة حمام بدلاً من أن تصوبها إلى بعض من الوجوه الكالحة التي رأيتها في حياتك ، وإذا كنت ممن يهوون كرة القدم فلربما كانت قدمك اليمنى أو اليسرى – كيفما إتفق – كثيراً ما أطاحت بحصىً وحجارة من الطريق وتمنيت لو أنها كانت بمرمي خصومك وأندادك ، وقد تكون لذت بالصمت مرة أو مرات في مواضع كان يتحتم عليك فيها البيان والتبيين ، كل هذا وأكثر من الجائز حدوثه ، ولكن هل فكرت مرة لما كانت هذه خياراتك ؟

قبل أن تجيب وتقفز إلى إستنتاجات متسرعة دعني أدلي لك أولاً برأيي حول هذا الموضوع ، فأنا شخصياً أميل إلى أهمية رمزية الأفعال ودلالتها في العلاقات الإنسانية والإجتماعية ، ولربما كانت هذه الرمزية أحياناً دليل عقل وحسن تصرف ، كما قد تكون في أحيان أخرى دليل طيش جامج ونزق غير محمود العواقب ، فالتعبيرات الحركية لأحدنا - لاسيما العاقلة منها - يكون لها من الوقع ما لا تقوى الكلمات على إيصاله والتعبير عنه ، وتختلف هذه التعبيرات العاقلة بطبيعة الحال بالنظر إلى مقدار الثقافة التي حصلتها ، ومستوى ذكائك ، وكم الخبرات التي تراكمت عبر سني حياتك ، وإن كان هذا لا يمنع من قيام أحد الأفراد المحسوبين على تيار ثقافي رفيع من الإتيان بتعبيرات حركية لو صحت نسبتها إليه لكان حري به أن يكون خلف القضبان .

ورد بالقرآن الكريم ذكر كثير من التعبيرات الحركية والإيحائية فهناك من ( عبس وتولى ) ، وهناك من (
أعرض ونأى بجانبه ) وهناك من ( إذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدورأعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ) وهناك من ( عبس وبسر ) ، وعلى كل حال فنظراتنا ، وتقطيبة جباهنا وإنبساطها ، وحركات شفاهنا ، وتكوير أصابعنا ، وإعراضنا وإقبالنا لرموز في حد ذاتها وردود أفعال ذات دلالة عميقة تترجم بعفوية ما يعتمل في نفوسنا من مشاعر وخواطر ، وتتابين قوة هذه الدلالات من حيث الشكل والمضمون بالنظر إلى المدى الذي أحدثته للتعبيرعما نريد ، وتتحكم فطرتنا ومدى إمساكنا بزمام أنفسنا في أي من التعابير نريد إن كان لدينا أكثر من خيار يمكن إستخدامه ، فإذا كان لدينا خيارات عديدة يوماً ما فلنبادر إلى أرقها وأجملها ولنمسك عن أخسها وأقبحها .

فلئن تشيح بوجهك مثلاً عن أحدهم لهو خير لك من أن تمطره بصوت خفيض بوابل من قاموس شتائمك العامر ، ولئن أطرقت رأساً خجلاً دون أن تهتز جفونك فإنك بهذه المثابة إنما ُتسدي عميق الإعتذار والتأسف لما بدر منك بدلاً من تجابه ندك بالقول له لما لا تذهب إلى الجحيم ؟ وإن أطحت بيدك في الهواء غضباً عندما ترى صورة زعيم بلدك على شاشة التلفاز لهو أفضل كثيراً ربما من أن تملأ الشاشة ببصاقك ، وفي ذات السياق فإن وردة بيضاء اللون تلقيها بحنان على فراشك زوجتك لرسالة جديرة بالإعتبار على الرغم من كونك تعلم بأنها لا تعي مغزي الورود ولا دلالة الألوان ، فلا تحدثك نفسك الأمارة بالسوء بأن هذه المرأة يستوي عندها الأمر إن وضعت لها وردة أو وضعت سكين ، فلتضع الوردة إذن يا عزيزي وتترك لها خيار أن تقوم هي لاحقاً برميها في سلسلة المهملات كالعادة .

وقد يختلط عليك مفهوم الرمزية ودلالته فتعتقد أن كل ردة فعل تأتي بها هي بمثابة رسالة أو رمز لطرف ما ، وهي وإن كانت في الحقيقة كذلك فإنها قد تكون أحياناً دليلاً على حمقك المستعر ورداءة تواصلك مع الأغيار ، وإلا فقل لي لما تبادر إلى تحطيم جهاز هاتفك المحمول وإفراغ أحشائه ونثره من حولك بغل ٍ لمجرد أن أحد أزراره لا يعمل بصورة طيبة ؟ ولما تلكم شاشة حاسوبك بقيضة يدك حال تباطؤه في الإستجابة لطلباتك السخيفة أو حال توقفه فجأة عن العمل ؟ وما ذننب أربطة حذائك إن أبت الإفتكاك فبادرت بهوس ٍإلى تمزيقها وتوزيع أشلائها هنا وهناك ؟ فإن كنت من الصنف الأول من الناس ممن يرمزون برقة فهنيئاً لك ، وإن كنت من الصنف الثاني فتأبى المهادنة وتقبل على المجابهة كيفما كانت فلا شك عندي أنك بحاجة إلى الكشف على قواك العقلية ، وإن كنت تنهل من الصنفين معاً فتأتي بالغث والسمين ، رقة حيناً وغلظة حيناً آخر ، فلا مراء عندي كذلك أن تحليل حمضك النووي سيكون لك ضرورة ملحة لترى بنفسك إلى أي كائنات الأرض أنت أقرب وأشبه ... ولا أبرئ نفسي .

2010/03/23

الموت لحظة .. وأشياء أخرى


بوفاة فضيلة شيخ الأزهر الدكتور/ محمد سيد طنطاوي إنطوت صفحة من تاريخ هذه المشيخة العتيدة والتي ُتصنف تقليدياً على أنها رأس الهرم للمذهب السني في العالم ، كما إنطوت قبلها صفحات كثر بموت غيره من المشايخ الأجلاء الراحلين ، فذهب من ذهب بعدما قدم كل منهم عمله وأفضى إلى ربه ومولاه ، وإزاء حالة كالموت لا يملك المرء منا كثير كلام ، فهذه الحالة الفريدة والإستثنائية لها مقدرة هائلة على الإختصار والإختزال في نفوس المتابعين ، وأياً ما كان وجه رأيك فيمن إعترته هذه الحالة وبات من أصحابها فمن الأفضل لك أن تمسك عن الخوض ، وأن تترفع عن النقد ، فمن كان ينازلك وتنازله ويقارعك وتقارعه قد غاب عن المشهد ومضي بعيداً إلى حال سبيله ، فلا حجة لك بعد الآن عليه ، وليس من المرؤة في شيء أن تظل سهام نقدك تطال عقل وذكرى من لا يقوي على رد ولا بيان بعد أن أبحر بشراعه بعيداً ووحيداً ، فلا أقل من أن نلقي عليه السلام وتتمنى له سلامة الوصول وحسن الوفادة في مبيته الجديد .


ولا أدري حقيقة سر هذه السكينة التي تتلبس بنا ونحن نتابع خبر وفاة أحد ممن نعرفهم ، يبدو لي الأمر وكأنه لحظة عبقرية - وإن كانت عابرة - نقف إزاءها متأملين وبنبل بالغ أحياناً مسترجعين جانباً رأيناه مشرقاً في حياة وسيرة ضيف اللحظة وصاحب مشهدها ، فيما تتراجع على إستحياء كل فنون النقد وتترجل جميع الحجج والدعاوى التي أعملناها طويلاً في أراء ومسالك أحدهم ، وإزاء هذا السمو اللحظي اللافت نتمنى لو أن هذا السمو ظل يعمل عمله فينا فيمتد إلى أولئك الذين لا يزالون يدبون على الأرض ويثيروا من حولنا صخباً وضوضاءاً ، فليس من الحكمة أبداً أن نظل دوماً في إنتظار وفاة أحدنا لنحرم أنفسنا من لحظة عالية القدر كتلك التي نتحلل من خلالها من كل أرجاس النقاش والمناظرات ولوي أعناق الحقائق أحياناً ، فالموت وإن كان لحظة رعد قاصفة تنفلت على أثرها الروح ، فإنها كذلك لحظة برق لامعة تداعب القلوب والنفوس فترفعها إلى مصافٍ من السمو والرقي والنبل .


وأما الضيف الجديد الذي توسد مسند المشيخة فضيلة الدكتور أحمد الطيب فلا أدري حقاً ما هي المعايير التي أهلته لشغل هذا المنصب الرفيع ، ولا أطعن هنا في قدر الرجل ولا مبلغ علمه ، وأما نواياه فموكول أمرها إلى الله ، ولكن من حق المسلمين ليس في مصر فحسب بل في سائر الأقطار الإسلامية أن يعرفوا معيار الإختيار ودواعي الترقي ، ذلك أن الدور المناط بمشيخة الأزهر يتجاوز حدود تخريج حملة الشهادات الجامعية في المجالات الدعوية والفقهية وغيرها من سائر المعارف العلمية العصرية الأخرى ، فالأزهر ومنذ القدم كان مهبط أفئدة التواقين إلى العلم وبات خريجيه يطبقون الأفاق شرقاً وغرباً ، شمالاً وجنوباً ، وينظر إليه المسلمون نظرة روحية ملؤها الإجلال والإكبار بوصفه إحدى قلاع الإسلام الشامخة ، فلا أقل من أن نبدي قدراً من الشفافية والوضوح حول أسس الإختيار أو حتى دواعي الإقصاء التي شملت نفر ممن رشحوا لهذا المنصب الجليل ، والحقيقة أن عدم وضوح المعايير في هذا الشأن وغيره من الشئون إنما يفتح باب الإجتهادات الظنية وإن شئت فقل الشطحات الفكرية التي قد تبعد أو تقترب من الحقيقة ، وأتمنى أن يأتي اليوم الذي يتم فيه إختيار شيخ الأزهر من خلال المجامع الفقهية الإسلامية المختلفة ورابطة علماء المسلمين حتى ولو أفضى الإختيار إلى ترشيخ شيخاً غير مصرياً أو حتى غير عربي لتولى وإدارة شئون المشيخة التي يجب أن ننأى بها عن الأهواء والسياسة والأفق الضيقة والمصالح غير بعيدة المدى ، ولا أرى في النهاية منطقاً في أن نقارب بين مشيخة الأزهر وغيرها من الهيئات الإقليمية التي يحرص القائمون وأصحاب الهوي والسياسة على أن يكون رئيسها من دولة المقر ، فالأزهر مشيخة عالمية جاوزت ولا تزال تجاوز الحدود الجغرافية الحمقاء .

2010/01/04

المربع الأول


من المعلوم أنك إنما تنطلق عبر مسارات حياتك المتعددة من مرحلة إلى أخرى ، وترتقي سلم صعودك المتنامي من درجة إلى أخرى ، وكل مرحلة تجاوزها أو درجة تتخطاها فإنها تمثل لك ماضياً أو تاريخاً ترنو إليه بعين الحسرة حيناً وبعين الإكبار حيناً آخر ، فهكذا هي حياة الإنسان دوماً سلسلة لا تنتهي من الإنكسارات والإنتصارات ، والضحكات والدموع ، بل وخليطاً منهما أحياناً ، وأياً كانت أوجه إخفاقاتك أو نجاحاتك فالثابت أنك بواحدة منها تأخرت خطوة في موضع ما وتقدمت أخرى في موضع ثان ، فهذا هو منطق الأمور وطبيعة الأشياء ، ويتساوى في ذلك الجميع على إختلاف أدوارهم في الحياة ، ولكن ما يحيرني حقاً هو أن أحدنا أحياناً قد يظل واقفاً في مربعه الأول دون أن يجاوزه فلا يشعر بخيبة إخفاقه ، ولا حتى بزهو نجاحه .

لا أعلم إن كان هذا الأمر متعلقاً بموروث ثقافي أو بيئي أو نفسي ، ولكن الثابت أن هذا يحدث أحياناً ، فمثلاً قد يشعر المنهزم أو المتواني ببعض الراحة وقدر من الإسترخاء للإخفاق الذي ألم به ، ذلك أنه يجنبه عناء التفكير في الجولات التالية وتراه يفضل الإنسحاب من الميدان عن إستمرار المواجهة ، وقد لا يشعر بأي غضاضة وهو يرفع رايته البيضاء ، ذلك أن الإنسحاب - على هوانه - أفضل من ترقب الهزيمة أو إنتظار أخرى ، وقد سمعت مرة أن المنتحريين الذين أرادوا إنهاء مسيرتهم في هذه الحياة فإنهم في الحقيقة لا يبغضون الحياة ذاتها وإنما أرادوا فقط أن يتوقف الألم .

ولكن هل توقف الألم فعلاً ؟ قد يحدث هذا في الواقع وإنما مع إحداث ألم في منطقة أخرى ، فتعجلك في خلع أحد أضراسك مثلاً رغم قابليته للعلاج هو رغبة منك في أن يتوقف الألم ، وهو إن تحقق فإنه كان على حساب ما كان أن ُيفترض به أن يصاحبك مدة أطول .

من ناحية أخرى قد يشعر المنتصر ببعض القلق إزاء ما حققه وحصله من نجاح ، وهو أمر صحي في الغالب ذلك أن كلفة النصر غالية والتشبث به أكثر كلفة ، ولكن أحياناً يُحدث النجاح في نفوس بعض من أصحابه ما يحدثه الفشل في نفوس ذوي الإخفاق والفشل من ألم يجاوز حتى حد القلق ، وهم ألم مبعثه الخوف من عدم إمكانية إستمرار النجاح أو ثباته ، بل أننا لو دققنا النظر لوجدنا أن طائفة من هؤلاء تتمنى لو أنها بقيت على حالة إسترخائها بعيداً عن لمعان التفوق ووميض الرفعة مؤثرين العيش على جوانب الحياة الخافتة بعيداً عن الضجيج .

وأياً ما كان من شأن الفريقين فإن إختصار المسافات ليس بالضرورة حلاً أمثل في جميع الأحوال ، بل قد يكون قطع الطريق ذو المسارات الوعرة أجدى في المدى المنظور والبعيد ، ذلك أن يربي فينا فضيلة التعامل المتأني والمنظم والحكيم مع ما نجابهه من نتـؤات وزوايا حادة في دروب حياتنا .

فلا ينبغي على من صادفته عثرة أو كبوة أن يقف أمامها طويلاً إلا بالقدر الذي يجيل خاطره فيها ويتأمل من خلالها مواطن العبرة من أجل دفعة جديدة إلى المربع الثاني لا أن يقف متهيباً من معاودة الكرة مرة من بعد مرة ، فما تذوق قط ذو شبع لذةٍ لطعام ، وأما من بؤثرون الإنزواء على مجابهة صخب النجاح مع قدرتهم عليه فإنهم بهذه المثابة يضربون للخاملين أروع الأمثال في كيفية الإنكفاء على الذات والإنسحاب غير المنظم من الحياة ، فما على هؤلاء لتجنب قلق النجاح أو حتى ألمه إلى أن ُيبدوا قدر من التواضع إزاء قفزاتهم الرفيعة وأن يكونوا أكثر عدلاً مع من شاركوه نجاحاته .

2009/12/26

3- الثوري الشريف


في خضم الأحداث الكبيرة والملمات العظيمة تتوه الحقائق أحياناً ، فحادثة إستشهاد الإمام الحسين بكربلاء والظروف السياسية التي سبقتها وواكبتها ما زالت تثير في نفوس المسلمين الشىء الكثير من التحليل والتنظير ، وهذا أمر قد يغدو طبيعياً بالنظر إلى شخص ومكانة الإمام في نفوس المسلمين عامة من ناحية ، وبالنظر كذلك إلى الأهداف النبيلة التي كان يتغياها بخروجه على السلطة التي كانت قائمة آنذاك من ناحية أخرى ، فهو وإن بذل نفسه وقدم بعض من آل بيته الأطهار على مذبح الطغيان فإن هذا لم يكن هدفاً في حد ذاته ولا يقول به عاقل ، وإنما كان الهدف هو كسر شوكة العابثين بدين الله والذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، والعودة بالدين إلى نبعه الصافي كما أرساه جده صلى الله عليه وآله وسلم ، وكما دافع عنه أبيه رضي الله عنه وكرم الله وجهه مع جمع من صحبه الكرام .

صحيح ووفق لرأي البعض أن الحادثة قد عجلت بأفول شمس دولة بني أمية ، إلا أن الثابت أن هذا لم يكن على الفور بل تراخى الأمر سنوات طويلة ، بل أنه وبعد مغيب هذه الدولة ، فإن العباسيين في شطر منهم لم يكونوا أفضل حالاً من سابقيهم ، وهذا حسب رأيي المتواضع يرجع إلى أن حادثة إستشهاد الإمام في ذاتها والتفاصيل الأليمة التي صاحبتها قد طغت على المعاني التي أراد أن يبعث بها سبط النبي الأكرم ، ولم تترجم هذه الرسائل في كثير من الأحيان إلى واقع عملي إلا في أحداث قليلة معدودة لا ترقى بحال إلى عمق الرسالة ولا نبل المضامين التي إحتوتها ، ولا فداحة ثمنها ، فما زالت رحى الطغيان تدور بلا كلل أو ملل ، ومازال البسطاء من الناس ينسحقون تحت عجلاتها بلا رأفة أو رحمة ، وما زال الدين يتلاعب به حفنة من الحمقى والجهلاء إلا من رحم الله .

ولكون المضمون قد أطيح به لحساب الشكل والصورة والمشهد فمازال فريق من الناس لا يرى في هذه الحادثة المروعة إلا سهم وسيف ودم ودمع ، وهذا لعمري خطأ فادح في قراءة ما بين السطور وإساءة إلى صاحب الرسالة ، ذلك إن إحياء ذكرى إستشهاد الإمام وغيره ممن سبقه من النبلاء رفيعي القدر لا يكون إلا بإحياء صالح أعمالهم وإقتفاء آثارهم والسير على الطريق التي قطعوها من أجل جعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ، فعلى من أساء فهم الرسالة أن يتريث ويعيد القراءة من جديد بعيداً عن الفلكلور الشعبي والمسرحيات المتوارثة التي تؤجج النفوس دونما طائل والتي تسترجع لا معان ٍ ولا أهداف ، بل صور وأشكال لا تغير من واقعهم المتردي شىء ، وإلا فإن الإساءة إلى الثوري الشريف ستتكرر ، مرة بخذلانه والتواني عن نصرته إبتداءاً، ومرات بإساءة فهمه والمتاجرة بدمه إنتهاءاً .

2009/12/23

2- الثوري الشريف


إستمراراً لسياق المقالة السابقة فقد تناول الكاتب المصري الراحل عبد الرحمن الشرقاوي سيرة الحسين في مجلدين ( الحسين ثائراً ) ، و ( الحسين شهيداً ) وقد ظهر كلا المجلدين في عام 1960 فقدم الكاتب فيهما تفسيرياً يسارياً صور ثورته كنضال طبقي نيابة عن الجماهير الفقيرة ، في حين رأي كاتب يساري آخر هو أحمد عباس صالح في كتابه ( اليمين واليسار في الإسلام ) أنه لو كان الحسين قد هادن يزيد من أجل حفظ السكينة لكان بهذا قد خان مثل العدالة الإسلامية ، كما يعتبر الراديكاليون أيضاً أن الشهادة على المدى الطويل إنتصار للقوى التقدمية لأن إيقاظ ضمير العرب المريض النائم عجل في سقوط بني أمية ، وفي بعض المقالات التي ُنشرت في مجلة لواء الإسلام سعى محمد كامل البنا في عدد سبتمبر 1956 في أن يدفع التهمة عن الحسين في أنه تصرف في فتح باب الخصومة مع يزيد دون تفكير ودون روية وصبر .

كما نشرت المجلة نفسها في عدد سبتمبر 1965 ندوة إشترك فيها محمد الغزالي ، وعبد الرحيم فودة ، ومحمد أبو زهرة تناقشوا فيها حول ثلاث قضايا محددة هي :-
1- هل كان الحسين عندما خرج طالب رياسة يشتهي إمارة المؤمنين ؟
2- وهل خرج ينازع الأمر أهله ؟
3- وهل الطريقة التي خرج بها الحسين مع التسليم بأنه لم يكن طالب دنيا ولم يكن ينازع الأمر أهله ، كانت مضمونة النجاح ؟
وكانت إجابة المشاركين على السؤالين الأول والثاني بالنفي ، أما إجابتهم على السؤال الثالث فكانت بالإيجاب .

ويعتبر د.حميد عنايت كتاب الراحل خالد محمد خالد ( أبناء الرسول في كربلاء ) منطلقاً من نظرة مثالية ، كما أنه ينقل حديثاً أثيراً جداً عند الشيعة وفحواه أن الإمام علي بن أبي طالب تنبأ بإستشهاد الحسين إذ ُيقال أن الإمام عندما شاهد صحراء كربلاء في طريقه على صفين قال " هنا محط رحالهم ومهراق دمائهم " .

والخلاصة أن الكتابات السنية الجديدة أجمعت على تخطئة أبو بكر بن عربي في رأيه عن يزيد ، وتحفظت على رأي بن خلدون في أن ثورة الحسين مغامرة وفتنة غير محسوبة النتائج ، وبعضهم يمدحون الحسين بدلائل أخلاقية ، وآخرون بدلائل سياسية ، إلا أنه لم يقم كاتب قط من هؤلاء الكتاب ببناء بحثه وإحتجاجه على تحليل نقدي للنصوص التاريخية بهدف بيان تناقضاتها وإنعدام الدقة فيها ، فكل ما يكتبه الكاتب مبنى على تأمل شخصي .

وينتقل د.حميد عنايت إلى الكتابات الشيعية ذات النزعة التجديدية فيلاحظ أنها قليلة جداً مقارنة بكتابات أهل السنة ، ويعزو ذلك إلى أن مجددي الشيعة الذين يتطرقون إلى هذه القضايا التي تعد قضايا عقائدية بسبب مكانة الإمام الحسين والإيمان بعصمة الأئمة وغير ذلك إنما يتعرضون لأنواع من المتاعب الشديدة .

ولعل أكثر الأعمال جرأة مما ُنشر في هذا المجال كتاب ( شهيد جاويد ) أي الشهيد الخالد من تأليف نعمة الله صالحي نجف آبادي وهو من رجال الدين في قم والذي صدر عام 1968 فتمت مصادرته مباشرة ولم يشتهر إلا في عام 1976 إثر إغتيال شخصية دينية في أصفهان ، وما شاع من أن قاتليه أدعوا أن السبب في قيامهم بإغتياله أنه يؤيد الأراء الواردة في الكتاب المذكور .

وكان هدف نجف أبادي في كتابه الشهيد الخالد مزدوجاً إذ أراد أولاً الرد على من إعتبر ثورة الحسين عملاً غير متزن وخروجاً على السلطة الشرعية وهو مذهب أبو بكر بن عربي ومن تبعه من المعاصرين كمحب الدين الخطيب ، وأراد ثانياً الرد على تلك الجماعة من ُكتاب الشيعة الذين يعتقدون أن أعمال الإمام الحسين المقدرة من العناية الإلهية كانت معلومة لديه قبل وقوعها ، ويخصص المؤلف الجزء الأكبر من هذا الكتاب لرد هذه النظرة الأخيرة وتفنيدها ، فإذا كان الإمام الحسين يمتلك العلم نفسه الذي كان لأئمة الشيعة طبقاً للمعرفة اللدنية الغيبية ، فلماذا سار عامداً في طريق ينتهي بالهلاك له ولأسرته ؟

وعندما نتذكر أن المجتمع الإسلامي آنذاك كان في حاجة إلى قيادة آل البيت يصبح هذا العمل الإنتحاري أكثر إنغلاقاً أمام الفهم ، وينجح نجف أبادي في دحض كثير من أحاديث الشيعة المتعلقة بعلم الإمام المسبق بإستشهاده ، وبذلك ينقذ شهادة الإمام من شبهة الإنتحار وإلقاء النفس والأهل في التهلكة ، غير أن الأحاديث التي يبين ضعفها ووضعها يقول د.حميد عنايت عنها أنها أحاديث الدرجة الثانية عند الشيعة، فمصادر شيعية مثلاً من الدرجة الأولى في هذا المجال من قبيل الموسوعات المعتبرة والمفصلة للكليني ، والطوسي ، والشيخ الصدوق تحتوي على كثير من الأحاديث في تأييد علم الغيب أو المعرفة اللدنية عند الإمام للماضي والحاضر والمستقبل .

ُيتبع

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة