
2011/03/10
(6) هوى الإستبداد .. شرقي السمات

2011/03/05
(5) هوى الإستبداد .. شرقي السمات

6- الإسكندر يؤله نفسه في الشرق .
الشرق بروحانيته وسحره وعطره وبخوره كانت له جاذبية ملفتة في أن يطبع عاداته وتقاليده وطقوسه في أفئدة كل من وطئت قدماه أرضه ، وكأن الموروث الشرقي القديم على تباين نحله وأهوائه قد أبي إلا أن يغرز إبره في مسام الرائح والغادي إلى ومن أرض الشرق ، ولم يكن الإسكندر المقدوني الأكبر إستثناءاً من هؤلاء وفي تفصيل ذلك يقول مؤلف كتاب الطاغية ( بأن المدن اليونانية قد وقعت قرابة القرن ونصف تحت سيطرة الطغاة فيما يسمى عادة بعصر طغاة الأغريق ، إبتداءاً من طاغية كورنثه وإنتهاءاً بطاغية أثينا ، وهي الحقبة التي ذاق المواطن فيها الكثير من الظلم والإضطهاد والمعاناة ، لكن على رغم ذلك لم يحدث أن طلب أحد الطغاة من الشعب أن يسجد له عندما يشرف واحد منهم بالمثول بين يديه .. صحيح أن المدن اليونانية تقلبت عليها الأنظمة وعرفت من بين ما عرفت النظام الملكي لكنه لم يكن بقسوة النظام الشرقي ، وتبعاً لذلك يظل من الصواب أن نقول أن المدينة اليونانية كانت جمهورية في مقابل النظام الملكي في الشرق ، ولهذا فإنه يقال عادة أنه بعد غزو الإسكندر للشرق إنهزمت المدينة اليونانية الجمهورية وإنتصر النظام الملكي ، فقد قامت دولة واسعة الأرجاء كثيرة السكان على أنقاض مقاطعات كثيرة وإنتقل مركز الثقل في العالم اليوناني نحو الشرق ، وأصبح تطور النظام اليوناني أمراً محتوماً ) .
لكن في أي إتجاه يسير هذا التطور ؟ يفصل المؤلف ذلك مبدئياً بالقول ( أن الرجل اليوناني ظل يخضع للقانون الذي يصنعه البشر ولم يخطر بباله أن يكون الحاكم إلهاً أو أنه يمثل الإله على الأرض ، ففكرة تأليه الملك أو الإمبراطور صناعة شرقية محلية فحسب ، ولهذا شهد الشرق أسوأ أنواع الطغيان بل كان النموذج الأعلى له ) أما عن كيفية التطور بعد أن إلتحم الشرق بالغرب بعد غزو الإسكندر ، فمن المفهوم بداءة أن النظام الملكي الشرقي لا يقبل بمبدأ الحرية السياسية الذي كان سائداً في المدن اليونانية لاسيما في أثينا .. فقد أصبح المواطن الآن تابعاً وحل القصر محل الجمعية الشعبية أو الجمعية الوطنية ، وكانت النتيجة أن أصبحت السلطة الملكية مطلقة وأصبح الملك هو الشريعة الحية لا يقيده شيء ولا يخضع لأي رقابة فإرادته إرادة مطلقة وظهرت عبارة تؤيد ذلك مثل ( إن ما يقره الملك هو عادل أبداً ) ، وقد نقل الإسكندر فكرة التاج من فارس حتى أصبحت مرادفة للمُلك وكذلك لفظ ( العرش ) وإستخدمه كل خلفائه من بعده ، وبعد غزو الإسكندر لفارس أطلق على نفسه ( سيد آسيا ) التي كانت تعني وقتها الإمبراطورية الفارسية ، وكان قبل ذلك قد أطلق على نفسه ( ليث فارس الهصور ) ثم تسمى بإسم الملك وهو لقب لم يستعمله إطلاقاً على العملة التي سكها في مقدونيا وقد أخذت هذه الألقاب في الظهور على بعض من العملات الأسيوية التي كان يصدرها .
بدأ الإسكندر يأخذ بعادات الشرق وثيابهم ويتزوج منهم إلى أن وصل إلى أعلى عادةعندهم ألا وهي تأليه الحاكم ، وشيئاً فشيئاً بدأ الإسكندر يعتقد أنه إلهاً حقاً وبأكثر من المعنى المجازي لهذا اللفظ ، وبمرور الوقت أزمع الإسكندر على إقتباس عادة جديدة وهي ( السجود ) التي كان يتعين بمقتضاها على جميع من يقتربون من الملك أن يؤدوها ، غير أن هذا الأمر كان يعني في نظر اليونانيين والمقدونيين عبادة حقة للإمبراطور وهو أمر لم يألفوه من قبل ، وعندما إبتدع الإسكندر عادة السجود هذه تطورت الأمور على نحو غير منتظر ، فقد عارضها المقدونيون بشدة وأظهر البعض إستيائه وغضبه بل أن أحد قواده فعل ما هو أسوأ من المعارضة ، فعندما سمع بمطلب الإسكندر إستولت عليه نوبة من الضحك ، وأخيراً إتفقوا معه على أن يُقصر هذه العادة الأسيوية على الأسيويين فحسب ، وكان الإسكندر قد أوتي قدرة فائقة على الإحساس بما هو ممكن من الأمور فأسقط السجود من حسابه نهائياً ، وهكذا نجد أن الإسكندر لم يفكر في تأليه نفسه إلا في الشرق ( موطن تأليه الحكام ) ولهذا كانت آسيا هي الأصل والمنبع للإستبداد في كل الفلسفة السياسية في أوروبا ، وكان الطغيان الشرقي هو النموذج الذي تحدث عنه المفكرون في عصر التنوير .
نظر الرومان لاحقاً إلى فكرة تقديس الشرقيين للملك في إفتتان ورهبة ، ويقال أن قيصر كان يلهو بالتأليه وأصبح مارك أنطونيو بغير خجل هو ديونسيوس ( أوزوريس ) زوج كليوباترا ( إيزيس ) ملكة مصر وأطلقا على طفليهما الشمس والقمر ، ورغم أن هناك بعض من طغاة أوربا قديماً ممن أصيبوا بجنون العظمة مثل (كاليجولا) ، (نيرون) ، (دوميتيان) فهم وحدهم الذين طالبوا بأن يُعبدوا في حياتهم وأن يُنظر إلى كل منهم بوصفه سيداً وإلهاً أي مالكاً للعبيد وإلهاً الفانين ، لكنها كانت كلها محاولات باهتة تحاكي الأصل وهو النموذج الشرقي الذي هو تأليه حقيقي للحاكم .
يتبع لاحقاً
2011/03/04
(4) هوى الإستبداد .. شرقي السمات
كانت السلطة السياسية في بلاد ما بين النهرين تستند بإستمرار إلى مصدر إلهي ، فلقد هبط النظام الملكي من السماء ، والملك هو (حاكم المدينة ) ، وهو ( الكاهن الأعظم ) وهو نائب الآلهة ومندوبها ، ويفاخر الملوك بالأصل الذي ينتسبون إليه ، ولكنهم في الوقت ذاته لا يفتأون يذكرون الناس بإختيار الآلهة لهم ، وإذا ما إختار الملك إبناً ليتولى الحكم بعده حرص على أن يعرض هذا الإختيار على الآلهة لتقره ، وبعد المصادقة على الإختيار يقسم الإبن يمين الولاء والخضوع والإحترام لأبيه ، ويدخل ( المختار ) إلى بيت الوراثة ) حيث ًيدرب على مهام منصبه المقبل ، ولم يكن ملك بابل من الوجهة القانونية إلا وكيلاً لإله المدينة ومن أجل هذا كانت ُتفرض الضرائب بإسم الإله ، وكان الملك أثناء تتويجه يُقام له حفل كبير فتخلع عليه الكهنة سلطته الملكية .
يستطرد مؤلف كتاب الطاغية فيقول أن الفضيلة الكبرى في بلاد ما بين النهرين عموماً وبابل بصفة خاصة هي الطاعة التامة ، فالدولة تقوم أساساً على الطاعة والخضوع للسلطة حيث كان الفرد يقف في مركز مجموعة من الدوائر المتلاحقة تحد من حرية عمله ونشاطه حيث ُيوصي العراقي القديم بهذه العبارة ( إسمع كلمة أمك كما تسمع كلمة إلهك ، وإسمع كلمة أخيك الأكبر كما تسمع كلمة أبيك ) ، وعموماً فإن دور الملك الرسمي في بلاد ما بين النهرين أنه ممثل الآلهة على الأرض أو أنه ينوب عنها وهي - أي الآلهة - تتوقع منه أن يعامل الناس بالعدل وبلا محاباة بحيث يدافع عن الضعيف أمام القوي وأن يكون نصيراً لليتامى والأرامل ، وكان يوجه إلى الإعتبارات الأخلاقية لما تجلبه من رضا الآلهة وبركاتها وما يمنع لعناتها .

كان الفرس يطلقون على الإمبراطور لقب ( ملك الملوك ) وهو صاحب السلطة المطلقة في طول البلاد وعرضها ، وقلماً كان أحد من الأهالي ومنهم كبراء وأعيان يجرؤ على إنتقاد الملك أو لومه لدرجة أن كان كل ما يفعله من يرى الملك أن يقتل إبنه أمام عينيه رمياً بالسهام أن ُيثني على مهارة الملك العظيمة في الرماية ، وكان المذنبون الذين تلهب السياط أجسادهم بأمر الملك يشكرون له تفضله بأنه لم يغفل عن ذكرهم ! ، وكانت هناك عادة السجود للملك على كل من يقترب منه .
5- الصين

كان التنظيم السياسي في الصين القديمة يقوم على أساس أن الإمبراطور يستمد سلطته من السماء ، فهو يحكم وفقاً للحق الإلهي الذي يخوله سلطة مطلقة وكانت عبارة ( مقبول من السماء ) عن طريق الشعائر هي رخصة المُلك والسيادة ، وهي التي تزوده بالنفوذ السياسي القوي الذي يُلزم رعاياه بالولاء له ، فهو إبن السماء وممثل الكائن الأعلى ، ومن أجل ذلك فإن مملكته ُتسمى أحياناً ( تيان شان ) أي التي تحكمها السماء وقد ترجم الأوربيون هذه العبارة بالمملكة السماوية ، وبفضل سلطات الإمبراطور الإلهي كانت له السيطرة على الفصول ، فكان يأمر الناس أن يوفقوا بين أعمالهم وبين النظام السماوي المسيطر على العالم ، وكانت حكمته هي القانون وأحكامه هي القضاء الذي لا مرد له ، فهو المدبر لشئون الدولة ورئيس ديانتها ويختار من يخلفه على العرش ، وكان إذا ظلم الإمبراطور أو فسد حكمه خسر بحكم العادات المرعية وبإتفاق أهل الدولة ( تفويض السماء ) وأمكن خلعه دون أن ُيعد ذلك خروجاً على العادات والدين أو الأخلاق ، فقد كانت السماء ُتبدي غضبها بأن تقلب الطقس في غير أوانه أو ترسل علامات أخرى كالصواعق .
وإختصاراً فإنه لم يكن هناك أي لون من ألوان الرقابة الشعبية على الملك فهذا الأمر لا أثر ، فالملك يستشير إذا شاءت إرادته الملكية ومن حقه ألا يستشير فلا شيء يلزمه بقبول المشورة أو الإلتزام بآراء الآخرين ، فليس هناك سوى الإرادة الملكية التي هي إرادة السماء ، أما الشعب فلا وجود له ، وإذا كان الإمبراطور يتحدث إلى الشعب بإستمرار بجلال ورقة وعطف أبوي ، فإن الشعب ليس لديه عن نقسه إلا أسوأ المشاعر الذاتية ، فهو يعتقد بأنه لم يولد إلا ليجر عربة الإمبراطور ، فذلك هو قدره المحتوم ، ولا يبدو لهم الأمر مزعجاً أن يبيعوا أنفسهم كعبيد وأن يأكلوا خبز العبودية المر .
ُيتبع
2011/03/03
(3) هوى الإستبداد .. شرقي السمات
ولهذا كله فإن الملك يتسم في مصر بالسمات التالية :-
1- شخصية إلهية مقدسة ، وبالتالي فهو أقدس من أن يخاطبه أحد مباشرة ، بل أن كل ما هو جزء من شخصية الملك كظله مثلاً مترع بالقداسة فلا يقوى البشر على الدنو منه .
2- هذه الشخصية الإلهية تتمتع بعلم إلهي فلا تخفى عليها خافية ، ويقول أحد الوزراء أن ( جلالته عليم بكل شيء ، بما حدث وبما يقع ، وليس هناك في الدنيا شيء لا يعلمه ) .
3- إن ما يتفوه به صاحب الجلالة يجب أن ينفذ ، بل لابد أن يتحقق فوراً ، ذلك أن مشيئة الملك وإرادته هي القانون ، ولها ما للعقيدة الدينية من قوة وشكيمة .. وهكذا كان لا يسع المواطن المصري العادي إلا التسليم والخضوع لأوامره ونواهيه .
4- ترتب على شخصية الملك الأسطورية نتيجة هامة مفادها أنه لم تكن هناك قواعد قانونية مكتوبة أو مفصلة ، إذ لم تكن هناك حاجة إليها مادامت كلها متمثلة في شخص الإله .
5- كان القضاة يحكمون حسب العادات والتقاليد المحلية التي يرون أنها توافق الإرادة الملكية التي يمكن أن تتغير إذا إقتضت رغبته ذلك .
6- كان الملك هو همزة الوصل الوحيدة بين الناس والآلهة ، فهو الكاهن الأكبر وهو الذي يعين الكهنة لمساعدته ، ولهذا كان من المفاهيم الأساسية أن الإرادة الملكية لا يمكن أن تهدف إلا لسعادة مصر ورخائها .
7- من مجموع ما تقدم يتبين أن فرعون في مصر هو المشرع والمنفذ وهو الذي يحكم القضاء بإسمه وهو الذي يعرف رغبات الآلهة وينفذها وكثيرا ما كان يقول في أوامره لإبنه أو وزيره ( إن الآلهة ترغب في إحقاق الحق وهي تكره أشد الكراهية الأخذ بالوجوه والتحيز ) .
ُيتبع
2011/03/02
(2) هوى الإستبداد .. شرقي السمات
ضرورة السلطة :
يقول مؤلف كتاب الطاغية ( أن الحياة الإنسانية لا بد لها من قدر من التنظيم إن أردنا أن تحقق شيئاً ذا قيمة ، لا أن تكون مجرد عبث لا معنى له أو فوضى تقترب من حياة الحيوان ، لا يقوم نظام دون قانون ، وحيث لا يكون نظام يضل الناس السبيل ، فلا يعرفون كيف يتوجهون ولا يعرفون ما يفعلون ، والخارجون على السلطة كالقراصنة ورجال العصابات لهم قانونهم الخاص الذي لا يستطيعون العيش من دونه ... والتنظيم يحتاج إلى سلطة منظمة إذ لا يمكن تصور المجتمع السياسي بغير سلطة حاكمة تنظمه وتضع له القواعد ، فكما يقول الكاتب الإنجليزي تشيسترتون " لو أن جماعة كانت كلها قادة أبطالاً مثل هانيبال ونابليون ، فمن الأوفق ألا يحكموا جميعاً في وقت واحد " ، لذلك فإن النظام السياسي يفترض حتماً وجود سلطة تتولى إدارة الجماعة وتسير شئونها، وهكذا ينشأ المجتمع السياسي عندما يحدث فيه ما يسميه فقهاء القانون بالإختلاف أو التمايز السياسي ، أي عندما ينقسم هذا المجتمع إلى فئتين : فئة حاكمة تتولى السلطة السياسية وتصدر القرارات والأوامر ، وفئة أخرى محكومة لا يكون لها إلا الطاعة والتنفيذ ، ونظراً إلى ما للسلطة السياسية في الدولة من صفات فقد أطلق عليها الفقه الفرنسي إسم " السيادة " ، وصفة السيادة مقتضاها أن سلطة الدولة سلطة عليا لا يسود عليها شيئ ولا تخصع لأحد ، ولكن تسمو فوق الجميع وتفرض نفسها على الجميع ) .
وينقل المؤلف مثالاً عن الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز في مجال التدليل على أهمية التنظيم السياسي الذي هو ضد حالة ضد الإضطراب والفوضي ، ومفاد هذا المثال أنه ( قد جرت العادة عندما يموت الملك في فارس في العصور القديمة أن ُيترك الناس خمسة أيام بغير ملك وبغير قانون بحيث تعم الفوضى والإضطراب جميع أنحاء البلاد ، وكان الهدف من وراء ذلك هو أنه بنهاية هذه الأيام الخمسة وبعد أن يصل السلب والنهب والإغتصاب إلى آخر مدى فإن من يبقى منهم على قيد الحياة بعد هذه الفوضى الطاحنة سوف يكون لديهم ولاء حقيقي وصادق للملك الجديد ، إذ تكون التجربة قد علمتهم مدى رعب الحالة التي يكون عليها المجتمع إذا غابت السلطة السياسية ) .
ويبدو أن المثال الفارسي كان له – على قدم عهده – وبشكل ما جاذبية أخاذة لدى نفر من السياسيين والقادة الأمنيين المصريين إبان ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 فعمدوا إلى إفراغ الشارع من قوى الأمن المنوط بها أصلاً حفظ النظام وتطبيق القانون فإنتشر الهرج والمرج وبلغ الحرق والسلب والفوضى غايتها ومنتهاها ، وبات الجميع يعيش على وجل إزاء الفراغ الأمني المتعمد حتى أن بعض من الناس كان يتمنى لو يعود الأمن ولو من خلال السلطة المستبدة حتى وإن كان ذلك على حساب الأهداف التي قامت من أجلها الثورة حقناً وذلك حقناً للدماء وطلباً للسكينة والإطمئنان لهول ما رأوا من فوضى ودمار .
ويمضي المؤلف قائلاً أن ( السلطة السياسية في الماضي كانت تختلف بإختلاف الحكام ، فهم يجسدون هذه السلطة ويمارسونها على أنها إمتياز شخصي يكتسبونه بفضل مواهبهم أو أشخاصهم، ومن هنا كانت العصور القديمة لم تكن تفرق بين الحاكم والسلطة .. غير أن تأسيس السلطة والإنتقال من مرحلة السلطة الشخصية التي يتمتع بها الحاكم على أنها ملك له ومرتبطة بشخصه إلى مرحلة السلطة المجردة التي تجد مصدرها في الجماعة ، هذا الإنتقال لم يتم دفعة واحدة ، فقد كان الحاكم كل شيئ في الجماعة ، يمارس عليها سلطة مطلقة يستمدها من شخصيته أو بسبب ما له من قوة مادية أو ما يتمتع به من شجاعة هيأت له الإستيلاء على السلطة ، وإخضاع الأفراد لنفوذه الذي لا حد له ، ولكن هذا الوضع الذي ساد العصور الوسطى الأوروبية لم يكن من الممكن أن يستمر ) .
يُتبع
2011/02/28
(1) هوى الإستبداد .. شرقي السمات

مفاهيم أولية !
الشرق .. ما الشرق ؟
مهبط الرسالات ، منبت الأنبياء ، محشر الخلق .
بيت حكمة الأقدمين ، مهد الفلسفات والرياضات الروحية .
مستودع كل عقيدة شاذة ، منه تبزغ شموس الإستبداد ، ولا تأفل عنه نجوم الطغيان .
مادة خصبة وثرية لمريدي الفنون غير النبيلة ، مستقر الطغاة عبر السنين .
*****
الباب الأول : في فلسفة السلطة .
الباب الثاني : صورتان للطاغية في الفلسفة اليونانية .
الباب الثالث : الطاغية يرتدي عباءة الدين .
الباب الرابع : فرار من الطاغية .
2010/10/24
تحضر يا .. محترم

فلا تتشكل الحضارات هكذا بإنفجار كوني هائل ولا بتغير مناخي حاد ، فهذا وذاك لا يصنعان حضارة ، بل جغرافيا ، وإنما ما يصنع الحضارات حقاً هو الإنسان الذي له المقدرة على إلقاء حجر صغير في نهر فيخلق حالة جديدة من التموج وإن كانت بسيطة فتتغير على أثرها صفحة النهر.
فالحضارات في النهاية ما هي مجموعة من القيم التي إستقر عليها وجدان الناس ذلك لأنهم وجدوا فيها ما يكفي لإعلاء شأنهم روحياً ومادياً والإقرار بحقهم في العيش بكرامة والتعبير بحرية ، فضلاً عن الإعتزاز المعقول والإيجابي بتراثهم وإيمانهم في الوقت ذاته بدواعي التقدم ، مع الأخذ بأسبابه المعينة على ترسيخ هذه القيم أكثر فأكثر ، وبقدر إقتراب مجتمعاً ما من ملامسة هذه القيم فإنه ُيصنف عادة على أنه مجتمع حضاري دون نظر كبير إلى بلوغه المراتب العليا في شأن الأخذ بأسباب المدنية الحديثة .
2010/10/18
وحيد بالمنزل


بالمنزل بت وحيداً أتسول صوت يأتيني ولو من بعيد ، فيستحيل الصوت صدىً يتردد في أرجاء المكان ، وترتسم في ناظريً على أثر ذلك صور ذات جاذبية لأشباح لطيفة شفافة تمنيت لو شاركتني وحدتي ولكنها لم تفعل حتى الآن ، رجوت قرين نفسي أن يحدثني وإستفززت فيه كل مشاعر غضبي وإحباطي لعله يستجيب ويبدد سكون المكان ويبعث من جديد موات الأشياء والجمادات المحيطة بي فإبتدرني بالصياح :-
- وما لي ألا أكون ؟
- لطالما أحببت الوحدة وتغزلت في السكون والركون .. فما حل بك ؟
- لا أدري .. كأن بيً مس يحرضني على الإلتصاق وإعادة الإندماج .
- هيهات .. هيهات ، أبعد هذا العمر تريد إعادة النظر والقفز على حواجز تفننت في بناءها وتعلية أسوارها وإحكام إغلاق أبوابها ؟
- أكان ذلك كله عبثـاً إذن .. أتقصد ذلك ؟
- قد لا يكون عبثاً .. ولكن العبث كل العبث أن تلعب بك رياح الوهم فتصور لك أبنيتك وأسوارك وكأنها مدينة خربة مليئة بالأطلال مسكونة بالأشباح .
- إذن فإنك ترى أن أركن إلى ما أنا فيه فيهلهلني الفراغ والصمت .
- أفضل لك ألف مرة أن تموت في قبر بنيته بيدك من أن تموت في قصر إصطنعه غيرك .
2010/04/20
أصل وفصل

يبدو الأمر وكأن هناك جاذبية ما تشدنا شداً إلى الوراء وتستنهض فينا الرغبة إلى إعادة الرؤية والتبصر ولو عبر منظار طوله ألوف السنين ، ولابد أن أحدكم قد راودته يوماً ما على حين غرة فكرة السؤال أو حتى البحث والتقصي عن أصول عائلته ومنابت جذوره ، فإن توصلت بعد عناء مفترض إلى الوصول إلى حقيقة النشأة عبر سلسلة طويلة من أرحام النساء وأصلاب الرجال ووجدت في هذه النشأة ما يستحق الذكر والتنويه كأن يكون نسبك مثلاً عائداً إلى إحدى القبائل الشريفة أو جماعة ُعرفت بالشجاعة والإقدام أو الكرم وإغاثة اللهفان ، فإنك ستجد نفسك متلبساً في نهاية المطاف برائحة التاريخ العتيقة ، فيأخذك الحنين محلقاً بك إلى مرابط أجدادك الأولين ، ولربما إتسعت حدقة رؤيتك فتراك تطوف بخيامهم وتتفقد مواضع جيادهم وتتقلد سيفاً من سيوفهم ، ولربما عاينت بعين الشفيق المعارك التي خاضوها والدماء التي أراقوها من أجل الدفاع عن حياض القبيلة وشرف العائلة .
ولكن السؤال هو ... لما يفعل أحدنا ذلك ؟ قد تكون الإجابة في أبسط صورها أن اليأس من حواضرنا والتوجس من مستقبل أيامنا هو ما يدفعنا ربما دفعاً إلى البحث عن ومضات مضيئة قديمة وإن غدت بفعل الزمن خافتة لعلنا نجد فيها ما يساهم في رفع روحنا المعنوية ويدفعنا ولو دفعة بسيطة إلى الإمام ، فبالهروب إلى مواطن ثراءنا الغابرة تتجلى صور من تعزية النفس وتهدئة الخواطر ، وربما الإسترخاء إلى فكرة أن الأمور ليست بهذا السوء ... على الأقل فيما مضى .
هذا نمط من تحليل الظاهرة غير أنني لا أستريح إليه ، ذلك أن البحث عن الجذور أمر لا يقتصر على أولئك الذي يعانون في حواضرهم ويترقبون بخوفٍ قادمات أيامهم ، ذلك أن كثير من المجتمعات والتي غالباً ليس لديها مشكلات إقتصادية آنية كبيرة ، أو قلق أو توجس من المستقبل لدى أفرادها ذات الهوى والجامح أحياناً إلى الإرتداد إلى حيث بواكير نشأة العرق أو الأصل الأول ويظل الولاء إلى هذا الأصل متجذراً في نفوس هؤلاء الأفراد مهما بلغ شأنهم وعلت مكانتهم ، وما أشجار النسب المنتشرة في كثير من البلدان إلا دليلاً على ولع الكثير منا - لاسيما ذوي الأصول القبلية – بالبحث والتمحيص عن منابعهم القديمة ، بل أن البعض يعتبر هذا الأمر من الضرورات الشرعية لما يترتب عليه من حفظ الأصول والأنساب .
ولكن إزاء هذه العبور الإرتدادي اللافت إلى الوراء سيحملك الشوق ربما إلى محاولة التأسي بأخلاق القوم وشيمهم ، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنك قد بت حقاً واحداً منهم منتسباً إليهم ، فما لم تكن شريفاً في ذاتك فإن شرف قومك الأقدمين وعراقة نشأتهم لن يغني عنك من الأمر شيء ، وإذا كنت ممن تنخلع قلوبهم من مجرد صوت لصرير باب غرفتك في ليلة ظلماء ، أو من صوت هبة ريح عاتية فإن شجاعة قومك ستقف عاجزة كل العجز عن أن تهدئ من روعك ، بل أن كرم جدك الأعلى وإن كان حاتم الطائي ذاته لن يفلح في معالجة إمتقاع وجهك وإعراضك عن سؤال واحد من أصحاب الحاجة والفاقة ، فكن أنت نفسك ، ودع عظام أجدادك ترقد في سلام ، قال تعالى { فاذا نُفِخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون } « سورة المؤمنون 101 » .
2010/03/29
رمزي ورمزية

قبل أن تجيب وتقفز إلى إستنتاجات متسرعة دعني أدلي لك أولاً برأيي حول هذا الموضوع ، فأنا شخصياً أميل إلى أهمية رمزية الأفعال ودلالتها في العلاقات الإنسانية والإجتماعية ، ولربما كانت هذه الرمزية أحياناً دليل عقل وحسن تصرف ، كما قد تكون في أحيان أخرى دليل طيش جامج ونزق غير محمود العواقب ، فالتعبيرات الحركية لأحدنا - لاسيما العاقلة منها - يكون لها من الوقع ما لا تقوى الكلمات على إيصاله والتعبير عنه ، وتختلف هذه التعبيرات العاقلة بطبيعة الحال بالنظر إلى مقدار الثقافة التي حصلتها ، ومستوى ذكائك ، وكم الخبرات التي تراكمت عبر سني حياتك ، وإن كان هذا لا يمنع من قيام أحد الأفراد المحسوبين على تيار ثقافي رفيع من الإتيان بتعبيرات حركية لو صحت نسبتها إليه لكان حري به أن يكون خلف القضبان .
ورد بالقرآن الكريم ذكر كثير من التعبيرات الحركية والإيحائية فهناك من ( عبس وتولى ) ، وهناك من ( أعرض ونأى بجانبه ) وهناك من ( إذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدورأعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ) وهناك من ( عبس وبسر ) ، وعلى كل حال فنظراتنا ، وتقطيبة جباهنا وإنبساطها ، وحركات شفاهنا ، وتكوير أصابعنا ، وإعراضنا وإقبالنا لرموز في حد ذاتها وردود أفعال ذات دلالة عميقة تترجم بعفوية ما يعتمل في نفوسنا من مشاعر وخواطر ، وتتابين قوة هذه الدلالات من حيث الشكل والمضمون بالنظر إلى المدى الذي أحدثته للتعبيرعما نريد ، وتتحكم فطرتنا ومدى إمساكنا بزمام أنفسنا في أي من التعابير نريد إن كان لدينا أكثر من خيار يمكن إستخدامه ، فإذا كان لدينا خيارات عديدة يوماً ما فلنبادر إلى أرقها وأجملها ولنمسك عن أخسها وأقبحها .
فلئن تشيح بوجهك مثلاً عن أحدهم لهو خير لك من أن تمطره بصوت خفيض بوابل من قاموس شتائمك العامر ، ولئن أطرقت رأساً خجلاً دون أن تهتز جفونك فإنك بهذه المثابة إنما ُتسدي عميق الإعتذار والتأسف لما بدر منك بدلاً من تجابه ندك بالقول له لما لا تذهب إلى الجحيم ؟ وإن أطحت بيدك في الهواء غضباً عندما ترى صورة زعيم بلدك على شاشة التلفاز لهو أفضل كثيراً ربما من أن تملأ الشاشة ببصاقك ، وفي ذات السياق فإن وردة بيضاء اللون تلقيها بحنان على فراشك زوجتك لرسالة جديرة بالإعتبار على الرغم من كونك تعلم بأنها لا تعي مغزي الورود ولا دلالة الألوان ، فلا تحدثك نفسك الأمارة بالسوء بأن هذه المرأة يستوي عندها الأمر إن وضعت لها وردة أو وضعت سكين ، فلتضع الوردة إذن يا عزيزي وتترك لها خيار أن تقوم هي لاحقاً برميها في سلسلة المهملات كالعادة .
وقد يختلط عليك مفهوم الرمزية ودلالته فتعتقد أن كل ردة فعل تأتي بها هي بمثابة رسالة أو رمز لطرف ما ، وهي وإن كانت في الحقيقة كذلك فإنها قد تكون أحياناً دليلاً على حمقك المستعر ورداءة تواصلك مع الأغيار ، وإلا فقل لي لما تبادر إلى تحطيم جهاز هاتفك المحمول وإفراغ أحشائه ونثره من حولك بغل ٍ لمجرد أن أحد أزراره لا يعمل بصورة طيبة ؟ ولما تلكم شاشة حاسوبك بقيضة يدك حال تباطؤه في الإستجابة لطلباتك السخيفة أو حال توقفه فجأة عن العمل ؟ وما ذننب أربطة حذائك إن أبت الإفتكاك فبادرت بهوس ٍإلى تمزيقها وتوزيع أشلائها هنا وهناك ؟ فإن كنت من الصنف الأول من الناس ممن يرمزون برقة فهنيئاً لك ، وإن كنت من الصنف الثاني فتأبى المهادنة وتقبل على المجابهة كيفما كانت فلا شك عندي أنك بحاجة إلى الكشف على قواك العقلية ، وإن كنت تنهل من الصنفين معاً فتأتي بالغث والسمين ، رقة حيناً وغلظة حيناً آخر ، فلا مراء عندي كذلك أن تحليل حمضك النووي سيكون لك ضرورة ملحة لترى بنفسك إلى أي كائنات الأرض أنت أقرب وأشبه ... ولا أبرئ نفسي .
2010/03/23
الموت لحظة .. وأشياء أخرى

ولا أدري حقيقة سر هذه السكينة التي تتلبس بنا ونحن نتابع خبر وفاة أحد ممن نعرفهم ، يبدو لي الأمر وكأنه لحظة عبقرية - وإن كانت عابرة - نقف إزاءها متأملين وبنبل بالغ أحياناً مسترجعين جانباً رأيناه مشرقاً في حياة وسيرة ضيف اللحظة وصاحب مشهدها ، فيما تتراجع على إستحياء كل فنون النقد وتترجل جميع الحجج والدعاوى التي أعملناها طويلاً في أراء ومسالك أحدهم ، وإزاء هذا السمو اللحظي اللافت نتمنى لو أن هذا السمو ظل يعمل عمله فينا فيمتد إلى أولئك الذين لا يزالون يدبون على الأرض ويثيروا من حولنا صخباً وضوضاءاً ، فليس من الحكمة أبداً أن نظل دوماً في إنتظار وفاة أحدنا لنحرم أنفسنا من لحظة عالية القدر كتلك التي نتحلل من خلالها من كل أرجاس النقاش والمناظرات ولوي أعناق الحقائق أحياناً ، فالموت وإن كان لحظة رعد قاصفة تنفلت على أثرها الروح ، فإنها كذلك لحظة برق لامعة تداعب القلوب والنفوس فترفعها إلى مصافٍ من السمو والرقي والنبل .

وأما الضيف الجديد الذي توسد مسند المشيخة فضيلة الدكتور أحمد الطيب فلا أدري حقاً ما هي المعايير التي أهلته لشغل هذا المنصب الرفيع ، ولا أطعن هنا في قدر الرجل ولا مبلغ علمه ، وأما نواياه فموكول أمرها إلى الله ، ولكن من حق المسلمين ليس في مصر فحسب بل في سائر الأقطار الإسلامية أن يعرفوا معيار الإختيار ودواعي الترقي ، ذلك أن الدور المناط بمشيخة الأزهر يتجاوز حدود تخريج حملة الشهادات الجامعية في المجالات الدعوية والفقهية وغيرها من سائر المعارف العلمية العصرية الأخرى ، فالأزهر ومنذ القدم كان مهبط أفئدة التواقين إلى العلم وبات خريجيه يطبقون الأفاق شرقاً وغرباً ، شمالاً وجنوباً ، وينظر إليه المسلمون نظرة روحية ملؤها الإجلال والإكبار بوصفه إحدى قلاع الإسلام الشامخة ، فلا أقل من أن نبدي قدراً من الشفافية والوضوح حول أسس الإختيار أو حتى دواعي الإقصاء التي شملت نفر ممن رشحوا لهذا المنصب الجليل ، والحقيقة أن عدم وضوح المعايير في هذا الشأن وغيره من الشئون إنما يفتح باب الإجتهادات الظنية وإن شئت فقل الشطحات الفكرية التي قد تبعد أو تقترب من الحقيقة ، وأتمنى أن يأتي اليوم الذي يتم فيه إختيار شيخ الأزهر من خلال المجامع الفقهية الإسلامية المختلفة ورابطة علماء المسلمين حتى ولو أفضى الإختيار إلى ترشيخ شيخاً غير مصرياً أو حتى غير عربي لتولى وإدارة شئون المشيخة التي يجب أن ننأى بها عن الأهواء والسياسة والأفق الضيقة والمصالح غير بعيدة المدى ، ولا أرى في النهاية منطقاً في أن نقارب بين مشيخة الأزهر وغيرها من الهيئات الإقليمية التي يحرص القائمون وأصحاب الهوي والسياسة على أن يكون رئيسها من دولة المقر ، فالأزهر مشيخة عالمية جاوزت ولا تزال تجاوز الحدود الجغرافية الحمقاء .
2010/01/04
المربع الأول

لا أعلم إن كان هذا الأمر متعلقاً بموروث ثقافي أو بيئي أو نفسي ، ولكن الثابت أن هذا يحدث أحياناً ، فمثلاً قد يشعر المنهزم أو المتواني ببعض الراحة وقدر من الإسترخاء للإخفاق الذي ألم به ، ذلك أنه يجنبه عناء التفكير في الجولات التالية وتراه يفضل الإنسحاب من الميدان عن إستمرار المواجهة ، وقد لا يشعر بأي غضاضة وهو يرفع رايته البيضاء ، ذلك أن الإنسحاب - على هوانه - أفضل من ترقب الهزيمة أو إنتظار أخرى ، وقد سمعت مرة أن المنتحريين الذين أرادوا إنهاء مسيرتهم في هذه الحياة فإنهم في الحقيقة لا يبغضون الحياة ذاتها وإنما أرادوا فقط أن يتوقف الألم .
ولكن هل توقف الألم فعلاً ؟ قد يحدث هذا في الواقع وإنما مع إحداث ألم في منطقة أخرى ، فتعجلك في خلع أحد أضراسك مثلاً رغم قابليته للعلاج هو رغبة منك في أن يتوقف الألم ، وهو إن تحقق فإنه كان على حساب ما كان أن ُيفترض به أن يصاحبك مدة أطول .
من ناحية أخرى قد يشعر المنتصر ببعض القلق إزاء ما حققه وحصله من نجاح ، وهو أمر صحي في الغالب ذلك أن كلفة النصر غالية والتشبث به أكثر كلفة ، ولكن أحياناً يُحدث النجاح في نفوس بعض من أصحابه ما يحدثه الفشل في نفوس ذوي الإخفاق والفشل من ألم يجاوز حتى حد القلق ، وهم ألم مبعثه الخوف من عدم إمكانية إستمرار النجاح أو ثباته ، بل أننا لو دققنا النظر لوجدنا أن طائفة من هؤلاء تتمنى لو أنها بقيت على حالة إسترخائها بعيداً عن لمعان التفوق ووميض الرفعة مؤثرين العيش على جوانب الحياة الخافتة بعيداً عن الضجيج .
وأياً ما كان من شأن الفريقين فإن إختصار المسافات ليس بالضرورة حلاً أمثل في جميع الأحوال ، بل قد يكون قطع الطريق ذو المسارات الوعرة أجدى في المدى المنظور والبعيد ، ذلك أن يربي فينا فضيلة التعامل المتأني والمنظم والحكيم مع ما نجابهه من نتـؤات وزوايا حادة في دروب حياتنا .
فلا ينبغي على من صادفته عثرة أو كبوة أن يقف أمامها طويلاً إلا بالقدر الذي يجيل خاطره فيها ويتأمل من خلالها مواطن العبرة من أجل دفعة جديدة إلى المربع الثاني لا أن يقف متهيباً من معاودة الكرة مرة من بعد مرة ، فما تذوق قط ذو شبع لذةٍ لطعام ، وأما من بؤثرون الإنزواء على مجابهة صخب النجاح مع قدرتهم عليه فإنهم بهذه المثابة يضربون للخاملين أروع الأمثال في كيفية الإنكفاء على الذات والإنسحاب غير المنظم من الحياة ، فما على هؤلاء لتجنب قلق النجاح أو حتى ألمه إلى أن ُيبدوا قدر من التواضع إزاء قفزاتهم الرفيعة وأن يكونوا أكثر عدلاً مع من شاركوه نجاحاته .
2009/12/26
3- الثوري الشريف

في خضم الأحداث الكبيرة والملمات العظيمة تتوه الحقائق أحياناً ، فحادثة إستشهاد الإمام الحسين بكربلاء والظروف السياسية التي سبقتها وواكبتها ما زالت تثير في نفوس المسلمين الشىء الكثير من التحليل والتنظير ، وهذا أمر قد يغدو طبيعياً بالنظر إلى شخص ومكانة الإمام في نفوس المسلمين عامة من ناحية ، وبالنظر كذلك إلى الأهداف النبيلة التي كان يتغياها بخروجه على السلطة التي كانت قائمة آنذاك من ناحية أخرى ، فهو وإن بذل نفسه وقدم بعض من آل بيته الأطهار على مذبح الطغيان فإن هذا لم يكن هدفاً في حد ذاته ولا يقول به عاقل ، وإنما كان الهدف هو كسر شوكة العابثين بدين الله والذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، والعودة بالدين إلى نبعه الصافي كما أرساه جده صلى الله عليه وآله وسلم ، وكما دافع عنه أبيه رضي الله عنه وكرم الله وجهه مع جمع من صحبه الكرام .
صحيح ووفق لرأي البعض أن الحادثة قد عجلت بأفول شمس دولة بني أمية ، إلا أن الثابت أن هذا لم يكن على الفور بل تراخى الأمر سنوات طويلة ، بل أنه وبعد مغيب هذه الدولة ، فإن العباسيين في شطر منهم لم يكونوا أفضل حالاً من سابقيهم ، وهذا حسب رأيي المتواضع يرجع إلى أن حادثة إستشهاد الإمام في ذاتها والتفاصيل الأليمة التي صاحبتها قد طغت على المعاني التي أراد أن يبعث بها سبط النبي الأكرم ، ولم تترجم هذه الرسائل في كثير من الأحيان إلى واقع عملي إلا في أحداث قليلة معدودة لا ترقى بحال إلى عمق الرسالة ولا نبل المضامين التي إحتوتها ، ولا فداحة ثمنها ، فما زالت رحى الطغيان تدور بلا كلل أو ملل ، ومازال البسطاء من الناس ينسحقون تحت عجلاتها بلا رأفة أو رحمة ، وما زال الدين يتلاعب به حفنة من الحمقى والجهلاء إلا من رحم الله .
ولكون المضمون قد أطيح به لحساب الشكل والصورة والمشهد فمازال فريق من الناس لا يرى في هذه الحادثة المروعة إلا سهم وسيف ودم ودمع ، وهذا لعمري خطأ فادح في قراءة ما بين السطور وإساءة إلى صاحب الرسالة ، ذلك إن إحياء ذكرى إستشهاد الإمام وغيره ممن سبقه من النبلاء رفيعي القدر لا يكون إلا بإحياء صالح أعمالهم وإقتفاء آثارهم والسير على الطريق التي قطعوها من أجل جعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ، فعلى من أساء فهم الرسالة أن يتريث ويعيد القراءة من جديد بعيداً عن الفلكلور الشعبي والمسرحيات المتوارثة التي تؤجج النفوس دونما طائل والتي تسترجع لا معان ٍ ولا أهداف ، بل صور وأشكال لا تغير من واقعهم المتردي شىء ، وإلا فإن الإساءة إلى الثوري الشريف ستتكرر ، مرة بخذلانه والتواني عن نصرته إبتداءاً، ومرات بإساءة فهمه والمتاجرة بدمه إنتهاءاً .
موضوعات المدونة
- عندما يأتي المساء (127)
- أوراقي الصفراء (36)
- مقالات برمجية (16)
- قول من قول (11)
- مكاتيبي (9)
- القوارير (6)
- مصر الثائرة (6)
- الآتيليه (4)
- غفوات النفس (1)

