2015/01/14

صحفيون .. لكن ظرفاء !!



 
أرثر شوبنهاور 
فيلسوف ألماني

 ( الصحفيون مثل الكلاب
 يبدأون في النباح كلما تحرك شيء )

عزيزي .. عزيزتي

لابد أن أعترف هنا بأنني قد إستغرقت في نوبة ضحك طويلة نسبياً عندما قرأت هذه العبارة لأول مرة ، يا إلهي .. إنها تمثل وجهة نظري في الكثرة الكاثرة من الصحفيين والإعلاميين الذين أتابعهم بشكل عام في مجالي الصحافة المكتوبة والتليفزيونية .
والمقولة على أية حال - وقبل القفز إلى أية إستنتاجات خاطئة أو متسرعة  -لا تمثل في ظني  ثمة إهانة للمنتسبين إلى هذه المهنة ، فما فهمته منها يُحمل على المدح ، لا القدح ، وعلى الجد دون الهزل ، فلا تقفوا كثيراً عند ضحكاتي التي ما كانت لتكون لولا المزاح الثقيل الذي مارسه الفيلسوف الكبير بمقولته .

وكأني بشوبانهور يقول لك أن الصحفيين لا يغيبون لا عن المشاهد الكبرى ولا الصغرى ، ولا تسهى كاميراتهم عن اللقطات العابرة ، لا تفلت من بين أيديهم الأخبار مهما بدت تافهة ولا قيمة كبيرة لها لدى عموم القراء ، فهم يُعنون بالخبر ، صغر شأنه أو كبر ، عنايتهم بالقليل تعدل عنايتهم بالكثير ، فكل خبر له وجاهة ، وكل صورة لها دلالة ، يعتبرون أن توافه الأمور من الممكن أن تُشكل العناوين البارزة للأخبار ، وأن مستصغر الشرر قد يؤذن بحريق كبير ، يتساوى لديهم (خبـرياً) مصرع مواطن في طريق ، مع قطة عالقة تصارع حريق .

أناس ظرفاء حقاً لا يكتفون بمجرد نقل الحدث أو تحليله ، بل أنهم كذلك (يصنعونه) عن طريق طرح قضايا جديدة ، مع تسليط الضوء عليها ، فهم يعتمدون إلى حد كبير - هنا - على حاستهم الصحفية التي تستشرف الأخبار من مسافات بعيدة ، ويقدرون أنها ربما تشكل حدثاً ما في قادم الأيام ، وهذا أمر حسن بالتأكيد .

علاوة على ذلك فإن البعض منهم يسعى إلى (إختـلاق) الوقائع إختلاقاً ، أي إيجادها من عدم ، ولعلي هنا أذكر واقعة طريفة تتعلق بقيام أحد مسئولي التحرير بصحيفة أو مجلة مصرية بتكليف أحد شباب الصحفيين الجدد بإجراء حديث مع الفنانة الراحلة أمينة رزق ، وقام مسئول التحرير بتزويد الصحفي الشاب برقم هاتفها لتحديد موعد اللقاء وإجراء الحوار .
لم يفلح الشاب - بعد محاولات عديدة - في الإتصال بالفنانة المرموقة ، وحاول بكافة السبل الوصول إليها لكن دون جدوى ، فأرجع الأمر إلى مسئول تحريره للتصرف ، فأشار إليه الأخير بضرورة إجراء الحوار في جميع الأحوال ، وقام بإخراج صورة من مكتبه للفنانة المذكورة وأعطاها للصحفي الشاب ، وقال له : ها هي أمينة رزق ، هيا قم بإجراء الحوار معها .

الواقعة المشار إليها سمعتها بإذني من الدكتور مصطفى الفقي أثناء قيامه بتقديم أحد البرامج السياسية بإحدى القنوات الفضائية المصرية الخاصة ، والحقيقة أن هذه الواقعة لا تمثل لي أية مفاجأة ، وهي على طرافتها تشي بالكثير عن العقلية التي يُقال لك عنها انها تشكل الوعي الثقافي للمواطنين .

أعلم أن التعميم لا ينبني عليه حكم موضوعي ، فحديثي هنا إنما يخص نفر منهم ولا أظنه قليل ، يكافحون من أجل الحقيقة (هم يقولون هذا)  ، وهم انفسهم في سبيل أدائهم لهذه الغاية النبيلة ، لا يمانعون أيضاً من التجاوز عن بعض الأخطاء المهنية البسيطة التي يمكن غرض الطرف عنها ، مثل الكذب والإفتراء ، المبالغة غير المبررة في توصيف الحدث ، صياغة الأخبار لغرض لا صلة له بأية غاية معرفية أو موضوعية ، ومطلوب منك أيها القارئ أو المشاهد أن تصدق أن الصحافة بهذ المثابة هي مهنة البحث عن المتاعب ! ربما .. ولكن لمن ؟ فعتدما يتساوى عند هؤلاء الظني والقطعي ، والمؤكد والمحتمل ، فلا تحدثني عن صحافة متاعب ، وإنما عن صحافة متاع .

*****
الشئ بالشئ يٌذكر !
بعد الإنتهاء من نوبة ضحكي - المشار إليها أعلاه - والتي أحياناً ما تكون مبالغاً فيها بعض الشئ لاسيما إذا كنت بمفردي ، أراني وقد عدت القهقري إلى حيث أواسط الثمانينات حيث دراسة القانون بجامعة القاهرة ، تعارفت - حينها - على أحد الطلبة ممن كانوا يدرسون الصحافة والإعلام بذات الجامعة ، وكان رفيق سكن كذلك بالمدينة الجامعية .

 كان مظهره بسيطاً ، وبدا لي انه من طبقة إجتماعية دون المتوسطة ، وهذا أمر لا يعيب على أي حال ، رأيته مجتهداً حقاً في دراسته ، مكباً على علومهً ، وكان يتدرب بصحيفة الأهالي المصرية ذات التوجه اليساري المعروف والتي كثيراً ما كانت (تناكف) الحكومات (وتشاغب) جهات الإدارة بوجه عام .
 وفي سبيل حصول - هذا الزميل - على أخبار - بأي شكل وكيفما إتفق - بغرض حملها على عجل إلى مقر الصحيفة المنوه عنها ، فإنه كان يجالس العديد من الطلبة والزملاء ومن محافظات مختلفة بغرض (إستنطاقهم بلطف) أو (تحريضهم بدهاء) على البوح بكل ما يرونه سلبياً في بلدانهم ومحال إقامتهم ويكون ذا صلة ما بجهة حكومية أو تنفيذية .

لفت نظري أنه حدد - منذ البداية - خياراته بوضوح (فالسلبيات هي كل ما كان يبحث عنه) ، دون حتى التثبت من صحة الخبر ، أو صدقية الراوي ، إذ كان لديه نهم أهم وأقوى - في ظني - وهو أن يزيد من جهده الصحفي بالجريدة ، ويُكثر من مواده المنشورة ، ذلك أنه في النهاية لا يريد سوى (بطاقة عضوية في نقابة) تعده بها جريدته ، فضلاً عن نذر قليل شهرياً يساعده في تغطية بعض نفقاته ، ويبدو أنه كان يسير على القاعدة الصحفية المحنطة فوق مقعد كل أحد من هؤلاء والتي تقول ( حيث الأخبار السيئة ، فثم الأخبار ) .

وعلى الرغم من أنه كان ممن ساكنتهم وآكلتهم ، فلا أذكر إسمه الآن ، وهذا أمر غير معتاد بالنسبة لي ، ولكني أدركت ان الذاكرة غالباً ما تقوم بعملية (الفلتـرة المركزية) للصور والأسماء والأشياء ، فتضع بعضهم في أمكنة بارزة ، وترمي بآخريين في زواياها المهملة ،  ولطالما ساءلت نفسي عن المستقبل المهني لهذا الزميل لو قُـدر له أن يخطو في مضمار الصحافة خطوات أوسع ، أسرع ، وأعلى ، لعلي الآن أدرك الإجابة ، فحمى الإستنساخ تعمل بنشاط حثيث ، ونظرة فاحصة في وجه هذا وذاك ، وهذه وتلك من شأنها أن تعطيك شواهد كثيرة من الخبر ، دون تذكير بأسمائهم ، أو إظهار صورة لأحدهم  ، أو تنويه حتى بمقالات بعضهم .
                                                                                                                   ياسر حجاج

2015/01/12

الأمنية .. عندما تأتي متأخرة !!





إذن فهي  رياضتي المفضلة .
وحبي الذي لم ألتقيـــــه قط .

نعم .. منذ 3 عقود وربما أكثر يزداد شغفي بهذه اللعبة ، فقد أصبح لديِّ خبرة واسعة بكافة تفاصيلها وقوانينها ، بل أنني أتفاخر بين أقراني بأنه بوسعي تحكيم مباراة لا يقدرعلى إدارتها سوى الحكام من ذوي الشارات الذهبية الدولية .. وهذا صحيح بلا فخر .
عهد قديم مضى على متابعة أساطين اللعبة الذين لحقت بهم في سن مبكرة نوعاً ما ، قضيت ساعات طوال أمام التلفاز اتابع - وبأعصاب محترقة أحياناً - نجومي المفضلين آنذاك ( بيورن بورج - جون ماكنرو - كريس إيفرت ، مارتينا نافراتيلوفا ) ، وغيرهم كثير .

كان مضرب التنس يمثل أحد اهم الأشياء التي تمنيت إقتنائها ، لا لشئ سوى محاولة تلبس الحالة ، والإنسجام النفسي مع أمنية لم تتحقق أبداً ، وهي أن أمارس هذه اللعبة بالفعل ، لا مكتفياً بالمشاهدة فحسب ، والعمل من جهة أخرى على إنهاء حالة التأسف على بقائي - طوال هذا الوقت -  ضمن مقاعد المشاهدين .

في سني الصبا الأول ، تحدثت إلى الوالد بشأن رغبتي في ممارسة هذه اللعبة ، وهو بعفويته بادر بالموافقة الفورية مبتدراً إياي بالقول ( الرياضة شئ جيد على أي حال ) ، أدركت أنه لم تصله رسالتي ، كان الأمر في حاجة إلى مزيد بيان ، فقلت له أن ممارسة هذه اللعبة لها من المتطلبات ما ليس لغيرها من اللعبات الشعبية الأخرى ، وبدأت أعدد له بعضاً منها (مضرب مخصوص - ملابس رياضية - كرات للعب - أحذية ) ، أوما لي موافقاً ، وأكد بأنه سيعمل على شراء هذه اللوازم بعد الإستعلام عن أسعارها من أصدقائه ، وحتى كتابة هذه السطور لم أتلق رداً من أبي .

بعد مضي سنوات على هذا الحوار أدركت لماذا لم أتلق الرد المنتظر ، فقد إكتشفت كم هو باهظ سعر هذه المتطلبات الذي يفوق ميزانية أسرة بكاملها على مدار شهر وربما يزيد ، إستسلمت للأمر الواقع ، لكن ظل حب مشاهدة المباريات مقدماً على غيره من صنوف المواد والبرامج ، فضلاً عن متابعتي الحثيثة – وللآن - لكل فعاليات اللعبة وجداول البطولات وتوقيتات المنافسات ، بل متابعة لكل ما يُنشر عن اللعبة ، وكذا التعديلات على قوانين ممارستها ، وأخبار نجومها ، والمدخولات الضخمة التي يجنونها .

بعد سنوات عديدة تالية .. أحد أبنائي ممن كانوا شهوداً على حالة التأسف البين على عدم تمكني من ممارسة هذه الرياضة ، رسخ في وجدانه هو الآخر - فيما يبدو - حب هذا اللعبة - وبدأ يشاركني متعة مشاهدة هذه المباريات .

 وحدث أثناء دراسته الثانوية أنه كان يدرس مادة التربية البدنية (إجباريا) ، وكان عليه إختيار إحدى الرياضات لتكون موضوع الدراسة ومحل الإختبار ، فإختار التنس ، ولكم كانت فرحتى عظيمة عندما قال لي أن إختياره لهذه المادة لن يقف عن حد الدراسة النظرية ، بل أنه مطلوب منه شراء ( مضرب وكرات تنس) لتطبيق الجانب العملي من مادته الدراسية  ، تركته لبرهة .. عدت بالذاكرة من جديد ، يا الله .. ما فشلت في ممارسته ، ها هو أحد أبنائي يُقدم عليه ، ولعلي الآن أذكر تماماً أنه عند شراء هذه المستلزمات وجدتني أمسك بالمضرب ، ثم نظرت إليه ملياً ، أقلبه ، أتفحصه ، أختبر شده خيوطه ، ولسان الحال االممزوج برائحة الماضي يقول ( ها أنت أخيراً بين يديِ ) .

أخذت أطوح بالمضرب يميناً ويساراً ، فهذه الضربة الأمامية لروجر فيدرر  ، وتلك الضربة الخلفية للأعسر رفائيل نادال ، هكذا الإرسال يجب أن يكون ، وهكذا ما يلزم أن يكون عليه الإستقبال ، وبات هذا المضرب وللأن من ضمن مقتنيات محببة لديِّ ، شاهداً ربما على مرحلة إخفاق ونجاح في آن واحد ، هكذا هي الحياة إذن ، تمنحك أشياء ، وتحول بينك وبين أشياء ، وهي وإن تمنحك .. فقد تعود فتسلبك ، وان سلبتك يوماً فقد تعود وتمنحك لأيام ، في شخصك ربما ، أو في شخوص أبناءك أو من تحب ، قد يكون المنى قد تأخر عليك قليلاً ، ولكنه قد أتى ، أو سيأتي على كل حال .
                                                                    ياسر حجاج           

2015/01/11

إشتياق في زمن الإغتراب !!



هل صار عالمنا أسهل ؟ أكيد
فهل صار أجمل ؟ بالطبــع لا

في زمن الحوسبة السحابية ، او الفضاء الإلكتروني ، لا شئ يُغريك حقاً بممارسة ترف التفكير في المشاعر الإنسانية وفق صورتها الطبيعة والعفوية ، إلا ربما من باب الذكرى التي تنفع المحزونين الذين يرموقون الماضي القريب بعين ممزوجة بالحسرة والرجاء ، ففي العوالم الرقمية الخشنة ، تجري – ولو بشكل غير مباشر ، أو حتى ربما دون قصد – عملية تجريف منظمة للنذر الباقي من عذوبة بشريتنا ، مع تجفيف دائم لنبع الدفء المحفور في النفوس .

وما بين حسرة الأمر الواقع ، ورجاء بات عسير المنال ، أضحى المرء منا في صالات العرض شاهد عيان على أن التقنيات مازالت تدهس النصوص لحساب الأكواد الصماء ، ويعاين تراجع ردات الأفعال الحسية ، لصالح أيقونة رمزية ، يا الله لقد باتت حتى قبلاتنا .. إلكترونية .

لما سبق وغيره كثير ، تراودني منذ فترة ، فكرة العودة إلى الكتابة اليدوية ، فقلم ومحبرة ، أوراق مسطرة ، خط منمق ورشيق ، طابع بريد فوق مغلف أنيق ، تحية حارة إلى كل رجال البريد ، مع رسالة لأي احد أقول له فيها :-

لقد صار اليومُ .. يـوم عيد .
ها قد عدت أكتب من جديد .


2015/01/10

إسلام بحيري .. معركة نبيلة




لا أحد يجب أن يقلل من شأن ما يقوم به الشاب الأربعيني / إسلام بحيري على قناة القاهرة والناس في برنامجه ذائع الصيت (مع إسلام) ، هذا الشاب الجسور وبمتابعة شبه منتظمة لحلقاته أرى أنه يسبق ربما عدد من أسلافه ممن تصدوا لظاهرة (سلفنة الدين) ، وربما هذا يعود في جزء منه إلى الانتشار الهائل للقنوات الفضائية التي أتاحت له ما لم يكن متاحاً وقتها لكثير ممن سبقوه والذين يشاطرونه المنهج وأسلوب التفكير .

قد تتفق مع هذا الشاب في قليل أو كثير ، غير أنك لا تملك سوى أن تنظر إليه بعين الإحترام والإكبار ، لجرأة الطرح الذي يقدمه ، وعدم المبالاة بأقوال المهددين والمتوعدين ، وفي ظني أنه صاحب سبق وفضل في كل ما يُثار الآن ومنذ فترة حول ضرورة النظر في كتب التراث الإسلامي بعين النقد والتنقيح على أساس من قواعد المنطق الصحيح التي تقوم على فكرة أن المقدمات الصحيحة إنما تُفضي دوماً إلى نتائج صحيحة .

غير أن أشد ما يُلفت النظر في حلقاته – بالإضافة إلى منهجه بالطبع - هو هجومه الشرس – وبلا هوادة – على رموز السلفية ، ليس على وجه العموم ، وإنما على وجه التخصيص والإشارة المباشرة ، بل والتعيين بالإسم دون تعريض أو مواربة ، والمرءُ غالباً لا يلجأ إلى الصدام المباشر ، والنزول إلى ساحة النزال ، مع طلب المبارزة إلا إذا كان متمكناً من أدواته ، وممتلئ ثقة بمنهاجه ، الأمر الذي يفسر لنا هذه الحملة المسعورة من أتباع السلفية ضده .

البرنامج الذي يقدمه إسلام بحيري جدير بالتأمل بحق ، ولا يمكن لأي منصف أن يتجاهل أن تساؤلات كثيرة قد نازعته عند إنتهاء كل حقلة من حلقاته ، بل ولربما تاقت نفسه الجائعة إلى سماع وإستيعاب المزيد منها ، فلا أقسى على النفس من أن تكتشف – هكذا فجأة - أنها ظلت لعقود عاكفة على عبادة أصنام بشرية من دون الله ، وأكبت وبنهم على قدر ليس بالقليل من النصوص الذابلة التي حظها من الصحة يتساوى مع حظها من الخطأ في أفضل الأحوال ، وهي بهذه المثابة –  النصوص – لا يمكن أن ينبني عليها حكم شرعي حتمي تكون نتيجته المباشرة إزهاق روح هنا ، أو ترويع آمنيين هناك .

إسلام بحيري وبرنامجه باتا أكثر شغفاً في المتابعة لاسيما في ظل هذه الحوادث الإرهابية التي تضرب شرقاً وغرباً بإسم الدين ، والمستندة (لحماً وعظما) إلى تخرصات جهال السلفية لا أكثر الله من أمثالهم ، ولكنهم يبدو أنهم مستمرون معنا لبعض الوقت ، كأسوأ ما يكون الأضياف ثقلاء الظل والروح .

لا أعلم ما المصير الذي سيواجهه إسلام بحيري في مستقبل الأيام ، ولكن في جميع الأحوال فإني أراه مستحقاً للإشادة حقاً ، وإن شئتم فالنصرة لأهمية ما يقوم به ، وبالنظر إلى النتائج النهائية والمرجوة التي من الممكن ان تتمخض عن هكذا جهود تُبذل.

غاية الأمر ، وهذه مسألة عابرة أن البرنامج من الممكن أن يحقق الفائدة المبتغاة منه بأكثر مما هي عليه الآن لو تم إدخال بعض من التعديلات على طريقة تناول الموضوعات المطروحة كالإستعانة بالإحصاء الرقمي مثلاً للأحاديث المختلف على صحتها ، وتلك الفاضحة في مجافاتها لصحيح الدين والفطرة ، والتنبيه عليها والإشارة إلى رواتها نصاً وعدداً ، مع إشارة إلى أسماء كتب التراث التي إستندت إليها ، صحيح أن هذا جهد قد يفوق طاقة البرنامج - إعداداً وتقديما – ولكن من الممكن أن يكون عاملاً مساعدا على حسم الكثير من القضايا في وقت أقل ربما بالنسبة لعموم البسطاء من المشاهدين .

*****
أنا شخصياً أنظر إلى كتب التراث بمعيارين ، معيار أدبي لغوي ثقافي ، أعمق به نبع اللغة ، وأزيد من كم المفردات في مخزون الذاكرة ، وأقف على قواعد النظم والإتساق ، حالها في ذلك حال كل نص نثري بديع من قديم أو حديث ، علاوة على كون مهنتي (المحاماة) تستأهل هكذا إهتمام .

أما المعيار الآخر فهو المعيار الشرعي طالما لم يخالف هذا (المنقول) كتاب الله روحاً ونصاً وعملاً ، ولا يتعارض مع المقاصد الكلية للشريعة وأخصها حفظ النفس والمال ، بل ويجب أن يكون المنقول ثابتاً نسبته إلى الرسول حقاً ، فليس كل حديث وإن بدا متسقاً ومتكاملاً مع نصوص القرآن الكريم نعتبره حديثاً شريفاً ، فالحديث هو ما صح قوله وفعله وتقريره بلا أدنى لبس أو تزيد بوجه من الوجوه .

وأكم من مرة ساورتني الشكوك ولعبت برأسي الهواجس وأنا أسمع وأقرأ بعض المنقول من أحاديث الرسول ، وأتحدث بلسان المتشكك ( أيصح أن يكون الرسول قد فعل هذا ، وهل من المعقول أن يكون قد قال هذا ؟ ) ، إن أي قول أو فعل أو تقرير منسوب إلى الرسول لا يمكن بحال أن يكون متصادماً مع الدين ، بل ولا مع الفطرة الإنسانية السليمة التي فطرنا الله سبحانه عليها ، فالرسول ليس مبلغاً فحسب ، فقد أنيطت به وظيفة التشريع بنص القرأن ، مع كل ما ينبني على هذه الوظيفة من تبعات هائلة تخص أمور العبادة والإعتقاد .

هذه ملامح سريعة ، وإنطباعات عابرة وليست نهائية بالطبع حول الشاب / إسلام بحيري وما يقدمه من جهد في مضمار يعد الأصعب في أية مواجهة يمكن تخيلها ، فليس بهين إطلاقاً أن تحاول (خلخلة) الأعمدة التي يقوم عليها صرح السلفية الحامل لأصنام يجرى نحتها منذ أكثر من عشرة قرون .

2015/01/09

مسافر زاده .. الجمال .



إذا سالتني عن خلاصة ما تعلمته من القانون (دراسة وممارسة) على مدار أكثر من 30 سنة لقلت لك أنه ليس سوى قاعدة واحدة فحسب ، قاعدة فقهية بالأساس أخذت أشكال قانونية لاحقاً وهي أن ( العبرة بالمقاصد والمعاني .. لا بالألفاظ والمباني ) .

أي أنه في إطار الحكم أو التناول فيما يخص (الأشخاص ، الأفكار ، الأشياء ) فلا تهتم إلا بالمعني المراد ، والقصد النهائي ، ولا يكن كل شغلك العناية بالشكل الذي إتخذه أو الزي الذي تزيا به ، قلا تغرق في التفاصيل المحيطة ، بل إحرص على الولوج إلى النقطة المركزية في الدائرة ، دون إلتفاف – غير مبرر – حول محيطها ، ذلك أن الإسراف الممل في التفاصيل قد يُصرفك عن معالجة صلب القضية ، وينسيك بالتالي جوهر الموضوع ، فتظل مراوحاً لفكرة وتظن أنك قد عالجتها ، والحقيقة أنك حتى لم تقترب منها .

حسناً .. نشرت مقالات أربعة عن فكرة المقدس للمفكر العلامة د. حسن حنفي عن (ماهية المقدس) ، وحرصت أن لا أقترب من تعديل الصياغة أو سياق الفكرة التي تناولها صاحبنا إلا بالقدر الذي رأيته لازماً لإظهار الفكرة أو بيان المعنى ، ذلك أن هذا الصنف من المفكرين يكتبون بطريقة مغايرة لتلك التي تعودها ربما الكثيرون منا ، فصنف المفكرين والفلاسفة - أمثاله - غالباً ما يلجأون (للترميز) و(الإيحاء) و(الإسقاط) ، مع تحريض خفي للمتلقين على إجالة الخاطر فيما يكتب هؤلاء ، وغالباً أيضاً ما يُحجم أيضاً المفكرون وصنوف الفلاسفة عن وضع إجابات حاسمة ، أو حتى تصورات شبه نهائية لأسئلتهم وقضاياهم المحيرة ، وإلا ماعُـدوا فلاسفة ، فالفلسفة في تقديري هي (فن إثارة الدهشة) ، ولكن هذه قضية أخرى

*****
الآن عودة إلى المقدس !
لعلنا نتفق على أن القيم الإنسانية النبيلة بكافة أشكالها قد سبقت ظهور الأديان ، فقد توافق الناس على مجموعة نظم ومبادئ – تم تطويرها عبر السنين - رأوها كفيلة بتنظيم حياتهم ، ورعاية شئونهم ، وقد صمدت هذه النظم وتلك المبادئ بالقدر التي ظلت فيه متناغمة مع الفطرة البشرية في صورتها الأولى والمتمثلة في معنىً واحداً – في تقديري – ألا وهو الجمال ، نعم .. الجمال الذي يتفرع عنه كل مؤنس للنفس ، كل متحد مع القلب ، كل ما لا يجرح العين ، ولا يخدش المشاعر .
فمن أين أتى الجمال إذن ؟
الجمال خلقة وصنعة أبدعها الكبير المتعال ، ولكنه أيضاً - وفي جزء منه - تدريب ومراس ومران ، نتعلمه ، نمارسه ، ونعايشه ، وبقدر إتساقك مع نفسك ، ومع ( من أو ما ) حولك تستطيع الحكم بسهولة على القدر الذي حصلته في مضمار الجمال ، فأنت جميل بالعين التي تنظر بها ، وبالوعي الذي بداخلك ، وبالضمير الذي يحركك ، وبالوازع الإنساني أو الخُلقي الذي هو مناط كل جمال .
هل الإنسان مقدس ؟
الإنسان هو الغاية النهائية لأي جهد يُبذل في شأن من الشئون ليظل قادراً على الوفاء بالتكليف المناط به ، لكن هذا لا ينبغي أن يُحمل على مظنة أنه مقدس بصورة من الصور ، فالإنسان يجوع ويعطش ، يهدأ ويغضب ، يتذكر وينسى ، يصح ويسقم ، وغيره كثير ، والإنسان بهذه المثابة ، لا يمكن أن يكون مقدساً ، المقدس كما أراه ليس سوى الله المنزه عن كل عيب ، والمتسامي عن كل نقيصة .

حوار أجريته مع نفسي وأنا أفكر في هذا الموضوع الذي شغلني لبعض الوقت ، ولكني فرغت تماماً من تكوين قناعتي النهائية حوله ، فلننظر إلى ما حدثتني به نفسي ، وما حدثتها به :-

·        سألتُ عن المقدس ، قالوا لي الإنسان .
·        بما نال هذه المنزلة ؟ قالوا بسعيه نحو الكمال .
·        فإن لم يبلغ السعي تمامه ؟ قالوا يكفيه السعي لا التمام .
·        فإن أتمه ؟ قالوا لم يبلغ ذلك إنسان .
·        وما الكمال ؟ قالوا نقيض النقصان .
·        فما النقصان ؟ قالوا علل وأسقام .
·        قلت فكيف يغدو مقدساً من حاله السقم والإعتلال ؟
*****
أي أن الإنسان يجب أن لا يتألى على الله ، ويكفيه سعي حثيث ، وعمل دؤوب نحو الكمال ، الذي أراه ليس سوى الجمال ، وعليه فإن الإنسان ليس مقدساً ، ولن يكون ، بل الإنسان مكرماً فحسب ، أو كما قال الله تعالى ( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا - الإسراء 70) ، نعم مُكرم من كريم ، وأي فضل بعد هذا يرنو إليه المرءُ وهو يرى من خلقه يقول له أنت مكرم ؟ افيتأبى الإنسان بعد ذلك على مقام المقدس ، وينازعه ما ليس له ، ثم بأي دليل ؟ .

عودة إلى المقالات الأربعة .
المقالات الأربعة التي تفضل بها د. حسن حنفي حوت الكثير من الإشارات الموضوعية الهامة لعل أهمها – في ظني - وجوب عدم الإستغراق الكلي في (الشكل) دون (المضمون) لدى الحديث عن المقدس ، فذلك آفة كل فكر ، بل العكس هو ما ينبغي ان يكون - وكما قلت في مقدمة المقالة – من وجوب العناية بالمقصد والمعنى دون اللفظ والمبنى ، وهذه الحقيقة التي ينبهنا إليها صاحبنا هي الوصفة الشافية والناجعة لكل ألم يلمُ بامة ، ولكل سقم يعتري مذهب أو طائفة ، ولو حاول كل واحد منا – بإجنهاده الفردي- أن يجعل من هذه القاعدة منهجاً أو أسلوباً لحياته ، لتغير مساره ، وإعتدلت بوصلته صوب درب الجمال الذي هو صفة من صفات المُقدس سبحانه .

ولكي أكون متسقاً مع نفسي فإن سائر المقالات وما حوته من جدل عقلي لطيف ، ورياضة ذهنية لا بأس بها ، يصح تماماً أن تكون دروساً أكاديمية رصينة لطلبة الدراسات العليا بأقسام الفلسفة ، ولأولئك المغرمون بـ (الديالكتيك) من كل صنف ونوع ، ذلك أنني لا أستطيع أن أتقبل فكرة أن يُقطع ذلك الخيط الممدود من السماء إلى الأرض ، وإنجاز قطيعة تاريخية مع الماضي بزعم أن هذا غرق في (الرمز) دون (المرموز) .

دائما ما تكون هناك مناطق وسطى في الأشياء ، ويجب ألا يكون الخيار دائما في هكذا أمور إما النقطة (أ) أو النقطة (ب) ، إما (معنا) أو (ضدنا) ، لا .. التوسط في كل شئ أمر حسن ولا ريب ، وكوني أو كون بعضنا ينظر بمزيد من الإجلال والتقدير لفكرة المُقدس ولكونها منحصرة في ذات الله فحسب دون غيره ، لا يعني أن اهمل أو نهمل كل ما يقربنا إلى هذه الفكرة أكثر وأكثر ، وذلك بالعناية التامة بكل القيم الإنسانية النبيلة ، والفضائل ، ومكارم الخلاق وسائر العناوين الفرعية التي تأتي تبعاً لها ، وتنفيذاً لمفتضاها .

 شخصياً .. لا أرى غضاضة أبداً في أكون مؤمناً حسن الإيمان ، ولكني مُكب على عملي ومجتهد فيه ، أصون الآخر أياً كان (إسمه أو رسمه) ، أحترم خياراته مهما بدت غير متسقة مع الخط العام لأفكاري ، أهتم بحقه وحريته في إبداء رأيه وممارسة معتقده ، بالشكل الذي لا يكون صادماً للقيم الإنسانية التي تصالح عليها الناس في عمومهم على مدار حقب التاريخ ، وهذا الرأي الذي أقول به ليس سوى إجتهاد قد يغلب عليه الصواب ، وقد ينال من صوابه الخطأ ، وهذا حال الإنسان منذ كان ، سعي نحو الجمال ، فإن تنكب الطريق فذاك ليس بقبح ، وإنما ربما جمال أقل .

كن جميلاً .. كوني جميلة ،،،

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة