2015/01/21

مرح ما قبل القراءة !



بقلم : ياسر حجاج

إن تجربة قراءة كتاب جديد تمثل مرحاً شخصياً بالنسبة لي بصرف النظر عن موضوع الكتاب أو حتى إسم المؤلف ، وللناس فيما يقرأون مذاهب ، غير أنني هنا لست معنياً بتتبع مذاهب الناس ، يكفيني على الأقل أن أرصد مذهبي .
عندما أحزم أمري على شراء كتاب أو مجموعة من الكتب يعلو صوت الصبي المشاغب داخلي ( هيا .. لنبدأ المرح ) ، ولا ينتهي ذاك المرح غالباً إلا بوضع الكتاب إلى حيث المثوى المُقدر لأقرانه على أرفف مكتبتي الجاذبة للأتربة والعوالق بطبيعة الحال ، لتبدأ بعدها مباشرة – أو بعد حين – تجربة مرح جديدة .

ليس لدي ميل حاد إلى نوع معين من الكتب – بإستثناء التاريخ ربما ، والقانون بحكم التخصص – فأنا في القراءة من ذاك الصنف (الرمرام) ، أدب على تاريخ ، كتب طبية ، ووصفات غذائية ، شعر مع سياسة ، برمجة ورياضة ، وكل صنف من هذه التشكيلة وغيرها يستأهل مني إهتماماً بذات الدرجة أحياناً ، فيستوي عندي مثلاً الجهد المبذول في قراءة كتاب عن بني أمية ، مع فصل عن أفضل الطرق لتحضير شوربة البازلاء .

رحلة المرح تبدأ غالباً في المكتبات ، وهنا يأتي دور الإنطباع الأول في تحفيزي على ممارسة فعل الشراء من عدمه ، وما لم يكن الكتاب مستفزاً لي بدرجة إيجابية كافية فإنني غالباً لا أقتنيه ، وعناصر الإستفزاز كثيرة في الواقع ، تبدأ بمقدمة الناشر في الغلاف الخلفي للكتاب ، ثم ريشة الفنان بالغلاف الأمامي ، مروراً بذاك الذي تورط في عمل تقديم للكتاب ، ثم يأتي أخيراً دور المؤلف وموضوع كتابه ، العناصر الثلاثة الأولى أمر عليها مروراً سريعاً جداً ، ففي دقائق معدودة يكون القرار ، إقداماً أو إحجاماً ، وهاكم الآن بعض من عناصر المرح قبل القراءة  :-

1- مقدمة الناشر
كونك تقتني كتاباً لا يعني بذاته أنه كتاب جيد ، مع أن القرينة هنا (الإقتناء) لا تفيد إلا معنى الجودة ، وإلا فلما إقتنيته أصلا ؟  في القانون يعلموننا أن هذه القرائن البسيطة قابلة لإثبات العكس إذا تمكن المرء منا أن يُثبت بالدليل انه كان إنساناً طيباً ، ودوداً إلى الحد الذي إستطاع معه ببراعة أن يتجاوز صدمة (التقدمة) للكتاب من قبل الناشر مثلاً ، فالناشرون بلا شك أناس جادون يستهلون مقدماتهم للكتب التي تصدر عن دور نشرهم بالتأكيد على حقيقة مفادها أن موضوع الكتاب الذي بات بين يدي القارئ هو موضوع جديد ، أو قديم برؤية جديدة ، أو جديد وفق منظور قديم ، أو قديم وجديد في آن ، وبعد أن ينتهون من هذه (العكوسات) ، يبدأون بالثناء الحسن على المؤلف مروراً بمحبرته وقرطاسه وقلمه وربما دخان سجائره ، ثم يختتمون هذه التقدمة بالعبارة الأكثر مللاً  في التاريخ والتي تقول ( ... ، وهذا الكتاب من شأنه أن يسد فراغاً كبيراً في المكتبة العربية) ، هل تصدقون ذلك ! .

2- غلاف الكتاب
إذا كنت مازلت محتفظاً بثباتك الإنفعالي بعد تقدمة الناشر ، وكان مستوى ضغط الدم عندك لم يُجاوز نسبة الأمان (130/90) ، فستجد نفسك مؤهلاً نفسياً للإنتقال إلى حيث الغلاف الأمامي للكتاب حيث ريشة الفنان الذي عُني أو كُلف بموضوع الكتاب رسماً ، وهذا الجزء المثير ينبغي أن أتوقف عنده قليلاً .

فمعظم الكتب التي أقتنيها كان غلافها الأمامي أحد أهم أسباب إقتنائها ، حيث تبرز أهمية الغلاف بالنظر إلى مدى تناغمه مع عنوان الكتاب ، وإشاراته الضمنية وغير المباشرة التي تقع في روعي كقارئ من الوهلة الأولى ، وفي ظني أن الغلاف يجب أن يستأهل من العناية ما لموضوع الكتاب نفسه سواء بسواء ، والمؤلفون المبدعون حقاً هم من يُعنون بدرجة كبيرة بأغلفة كتبهم بحسبانها الواجهة الأولى لعين القارئ ويتوقف عليها - إلى حد ما - إقتناء الكتاب من عدمه .

وفقاً للخيال القديم ستجد الغلاف برسمه أو صورته وقد أدخلك مباشرة إلى صلب الموضوع دون إعطاءك كقارئ أي فرصة حقيقية لممارسة التأمل أو التفكر ، شأنه في ذلك شأن الكتب المدرسية بليدة الأغلفة والإحساس ، على جانب آخر تجد ريشة فنان وقد إستوعبت موضوع الكتاب بشكل كبير ، فتعمد إلى مشاغبة القارئ بذكاء فتعطيه طرفاً من الحكاية ، أو شاهداً من الخبر ، وتشوقه للنظر فيما وراء الغلاف بإستخدام الإيحاءات غير المبالغ فيها بالطبع ، هذا الصنف قليل ، ولكنه موجود أيضاً ، ولأن واجهة الغلاف الأمامي لا يتم إجازتها غالباً إلا بموافقة المؤلف ، فإن ما سوف تراه من صور أو رسومات أو حتى (شخابيط) ليست في الحقيقة سوى - أو جزء من - شخصية المؤلف ذاتها ، وهذا سيعطيك بالتأكيد فرصة إضافية للتعرف عليه وإن يكن بمنظور آخر .

3- مقدمة الكتاب وأضياف الشرف .
يلجأ الظرفاء من المؤلفين أحياناً إلى العديد من الأعلام البارزة من أجل كتابة مقدمة لمؤلفاتهم كل حسب تخصصه أو موضوع فنه ، وهذا يمثل عامل إستفزاز إضافي لي ، حيث أنني أرى هذا النوع من التقديم به قدر من المجاملة غير المبررة التي كان من الممكن تجنبها منذ البداية ، لاسيما إذا كان لديك كقارئ موقف سلبي مسبق من الشخصية التي تقوم بالتقديم ، الأمر الذي سينعكس على طريقة قراءتك لموضوع الكتاب ، وقد ينال من موضوعيتك لدى الحكم عليه .

يبدو هذا الأمر ولي كأنه (كارت توصية) من (صاحب التقديم) إلى (المؤلف) ، يلتمس فيه الأخير من القارئ أن يكون لديه من الصبر والأناة ما يجعله قادراً على إتمام القراءة دون الإنصراف عنها في منتصف الطريق ، وعلى الرغم من أن هذا النوع من التقديم هو أمر شائع ومتعارف عليه في أوساط المؤلفين وعوالم الكتب ، فإنني لا أكاد أستسيغه ، فالجهد المبذول من المؤلف هو وحده الذي يجب أن يكون (بطاقة المرور) أو (سند القبول) ، ومع ذلك فإنني أتفهم هذا الأمر أحياناً لدواعي تسويقية .

 أخيراً .. إذا كانت الكتابة معاناة ، فالقراءة أحياناً معاناة أشد بفعل الناشر أو المؤلف أو الغلاف أو مقدم الكتاب ، أو كلهم مجتمعين ، ولذلك يجب أن نقرأ بمرح لدواعي نفسية وصحية ، وأن نكون متسامحين إلى أقصى درجة إنطلاقاً من قاعدة ( الكتاب الذي لا يفيدني .. لن أسمح له بان يقتلني ) .

2015/01/19

سياج الخصوصية !

صورة معبرة عن الموضوع كارل ساندبيرغ


كارل ساندبرج
كاتب وشاعر أمريكي
1878 - 1967

(حب لجارك كما تحب لنفسك ، لكن لا تهدم السياج)

بقلم : ياسر حجاج

ما يهمني في هذه المقولة ليس سوى شطرها الثاني ، ذلك أن الشطر الأول منها هو أمر مفترض ، بل وبديهي تماماً فلا أرى داعياً للإستغراق في تفسير المفسر ، فأغدو كمن فسر الماء بعد الجهد بالماء .
الكاتب الأمريكي هنا يدُلك على وصفة حكيمة ، ويبدو لي أنه قد جربها بنفسه ، وإلا ما كان للمقولة هذا الألق رغم بساطة كلماتها ، وقلة مفرداتها ، وهذا شأن الحكمة على أية حال في كل عصر ودهر ، فتجارب السنين ، وتراكم الخبرات يجعل من اليسير على البعض أن يقدم لك (عصارة) مختصرة ومركزة لكومة كبيرة من الثمار ، شأنها في ذلك شأن كبسولة علاج لا تكاد تظهر في راحة يدك ، ولكن كان وراءها بالتأكيد جهداً هائلاً ، وإختبارات معملية لا حد لها .

عودة إلى شطر المقولة الثاني ( ... لكن لا تهدم السياج ) ، نعم .. فإبقاء بعض الحدود الفاصلة في علاقتك بالناس على وجه العموم ، هو أمر خليق بكل نفس تنظر بعين الإكبار والإحترام لذاتها ، وجدير بأولئك الحريصون على وجود قدر من (الهيبة) في أعين الناس من حولهم ، لاسيما في ظل التشابك المعقد - أحيانا - في العلاقات الإجتماعية والعملية التي نحيا في ظلها ، والتي بات الإنسان على إثرها مكشوفاً ، وإن شئتم فشبه عارِ أمام الجميع .

 ولعل من نافلة القول التأكيد على أن هذا السياج لن يكون واحداً في مواجهة الجميع وبذات الدرجة ، فإرتفاع هذا السياج سيتوقف حتماً على مدى نظرتك وتقديرك لمن هم حولك ، فمنهم من يجب أن يكون هذا السياج عالياً بالنسبة لهم ، ودون ذلك ربما بالنسبة لآخرين ، بل أنه وفي ذات الخصوص فإن ملامح هذا السياج سينالها التغيير حتى بالنسبة للإنسان الواحد من وقت لآخر ـ وذلك بالنظر إلى مدى تقدم علاقتك الشخصية به ، وفي ضوء تراجعها أحياناً .

إن الإبقاء على (سياج ما) في العلاقات بين الناس - في ظني - هو أول وأهم شروط الخصوصية في إطار العلاقات الإجتماعية الناجحة ، وكذلك في صنوف العلاقات التي يُقدر لها أن تستمر طويلاً ، فالنجاح هنا لا يستلزم بالضرورة وقوف المرء منا على أدق تفاصيل الغير ولو بحسن نية ، فالإقتراب المحسوب ومراعاة خصوصية الغير هما مناط النجاح ، فالحميمية المبالغ فيها ليست في الواقع سوى حمة مرضية ، وطوق خانق .

فضلاً عن ذلك لا يقتصر الأمر - حسب المقولة - على دعوتك أنت إلى الإبقاء على هذا السياج ، إنما يخاطب ربما - وإن كان بشكل غير مباشر - الطرف الآخر محذراً إياه من تجاوزه أو محاولة القفز عليه من جهته ، هذا على الرغم من أن الواقع العملي قد لا يكون بهذه السلاسة أو ذاك التبسيط ، لكنها محاولة لا بأس بها قد تكون مفيدة خصوصاً لمن يعانون من المتطفلين ، وما أكثرهم في مجتمعاتنا .  

إن إفتقادنا لهذه الحدود النفسية الفاصلة في علاقاتنا بالغير قد أدى إلى العديد من المشكلات الحياتية التي ربما تكون قد واجهت فريقاً منا ، وهي ما كانت لتحدث في كثير من الأحيان لولا أن البعض قد تساهل - ولو عن دون قصد - في البوح بكل ما تعتمل به نفسه من مشاعر سلبية أو حتى إيجابية .

على المستوى الشخصي ، فإني أعتبر نفسي منتمياً إلى مدرسة الحدود الفاصلة في العلاقات أياً ما كانت أطرافها وبشكل حاد أحياناً ، بل أنه وفي الإطار الضيق لهذه العلاقات (الأسرة مثلاً) ، أرى الحفاظ على قدر عال من الحدود (الأدبية غالباً) ، فما أرجوه ليس حباً ، بقدر ما أرنو إليه من إحترام وحفظ مكانة ، وفي الحقيقة فقد نلتها كلها من زوجتي وأولادي .. والحمد لله .

فلدواعي سلامكم وسلامتكم .. لا تهدموا السياج

2015/01/18

مثقفون وملاحدة !!


بقلم : ياسر حجاج

هل كل مثقف ملحد ؟ لا
هل كل ملحد مثقف ؟ ربما

 إذا قرأت كتاباً فأنت قارئ ، وإذا قرأت عشراً فأنت مثقف ، وإذا قرأت مائة فأنت عالم ، أما إذا قرأت ألفاً غدوت ملحداً (مزحة) ، إذ يُعتقد على نطاق واسع أن الملاحدة هم أناس مثقفون ، وكأن الثقافة بروافدها العديدة - أو في جزء منها - تؤدي حتماً إلى الإلحاد أو مخاصمة فكرة الأديان بشكل عام ، أي أن الإلحاد - حسب هذا النظر - هو نتيجة طبيعية لكون فرد ما قد بات مثقفاً ، وهذا أمر غريب حقاً ، إذ لا يوجد تعريف واحد أصلاً مُجمع عليه من شأنه أن يضع بين قوسين شرحاً وافياً أو حتى مختصراً لكلمة (مثقف) أو (ثقافة) .

وبعيداً عن الإشتباك المرح بين المفردات ، وعما إذا كانت مفردة ما تعبر بذاتها عن المعنى المراد منها أم لا ، فإنني أرى وبحسب القدر المُتيقن منه أن الملاحدة في معظمهم ليسوا مثقفين فحسب ، بل أنهم ذوي إطلاع واسع ورحب يصل ربما إلى حد وصفهم بالمفكريين الحقيقيين ، وذلك بصرف النظر عن موقفك من هذه الأفكار ، أو عن مدى جدارتها لأن تكون محل أخذ ورد فيما بينك وبينهم .

فلما كان هذا الإعتقاد الذي يجمع دوماً بين الثقافة أو الفكر من جهة ، وبين الإلحاد من جهة أخرى ؟ يبدو لي أن أحد الأسباب الوجيهة هو أن العديد من أعلام الفكر والأدب والفلسفة منذ القدم وللآن قد إرتبطوا بالإلحاد - فكراً - بشكل ما ، بل أن كثيراً منهم قد جاهر بذلك ، هذه الصنف من الأعلام لا شك قد خلف تراثاً رائعاً لا يمكن إنكاره ولا التقليل من شأنه ، وما نشاهده الآن في حقل من الحقول وينال إستحساننا ودهشتنا أحياناً كان في جزء منه ( صغر أو كبر ) ثمرة جهد هذا الصنف ومثابرتهم ، ولا شك عندي أيضاً أن الكثيرين منا تحفل مكتبته الخاصة بكل أو بعض من مؤلفات هؤلاء ، وأننا بشكل أو بآخر قد تربينا على بعض مفاهيمهم وقد نكون قد تحمسنا أيضاً لبعض نظرياتهم ، مما أدى في النهاية إلى أن (وعاء الوعي) لدينا قد ناله قدر من عطاءهم كل حسب درجة تقبله لهذا النوع من العطاء ، منا من إبتل وعائه فحسب ، ومنا من إمتلاً وعائه ، بل منا من فاض وعائه بالكلية حتى الغرق ، وإن شئت فالإستغراق .

عودة الآن إلى الملاحدة الذين دائماً ما يطرحون الأسئلة الصعبة ، ويخوضون غمار النقاشات الشائكة بلا كلل أو ملل ، سلاحهم الجدل ، حجتهم القياس والمنطق ، يستميتون في الدفاع عما يظنونه الحق ، تكاد لا توجد قضية لديهم تنجو من طاولة البحث ، وإعمال مشرط التشريح في كل أوصالها ، الشواهد العينية والتجارب المعملية هي عمدة الأمر عندهم ، المبني للمجهول لديهم سفاهة غير مبررة ، وإسناد الأمر للمعلوم حقيقة مقدرة ، على خصومة ثأرية ودائمة مع فكرة الغيب .

في عصر العلم والإكتشافات ، بدا وكأن الملاحدة قد كسبوا أرضاً جديدة وإستحوذوا على مساحات إضافية من عقول أولئك النفر المهووسين بالعقل الإنساني بحسبان أن الإنسان وتجربته وجهده ودأبه هي جميعها تمثل الدليل المعرفي الأوفي ، والثابت الواقعي لكل مظهر إيجابي أو حضاري تراه العين وتلمسه الأيدي ، دون الإكتفاء أو الإتكاء على فكرة ما ورائية أو غيبية ، لا تقدم في ظنهم لا حلاً لمشكلة ، ولا نهوضاً بمستوى أمة من الأمم .

لا يستند الملاحدة إلى خلفياتهم المعرفية وتجاربهم الحياتية فحسب ، بل أن هناك مجالاً مغناطيسياً جاذباً آخر يزيد من صلابة معتقدهم ، ألا وهو ضآلة منطق الخصوم وهشاشته أحياناً ، الأمر الذي يترتب عليه بالضرورة إجراء عملية حسابية منطقية تُفضي في نتيجتها النهائية إلى (خصم من رصيد طرف ، وإضافته إلى رصيد الطرف الآخر) في معركة قد تبدو غير متكافئة أحياناً ، هذه المعركة مُقدر لها - في ظني - الإستمرار لإختلاف الأرضية التي يقف عليها وينطلق منها كل فريق ، ولتباين العتاد الذي يتسلح به كل منهما ، فهذا نوع من (العراك) ليس بممكن أن يثوب طرفاه إلى منطقة وسط .

رأي خاص :-
ليس كل قضية خاسرة في جانب طرف ما تعني أنه مجانب للحق ، مجافي للحقيقة ، لكن أحياناً تكون طريقة التعبير عن الحق بمثابة خنجر حاد يغرزه صاحب الحق في كبد حقيقته ، أو يغدو كمن إنتحر شنقاً مع إلصاق التهمة بالحبل المتدلي من سقف غرفة ما ، ينطبق هذا على الملاحدة وعلى من يناهضونهم بوجه عام ، إن العلم الناقص أشد من الجهل المطبق .
وإذا أردتم رأيي ، فإنني أتوافق بالمطلق مع العلم وآلياته في سبيل جعل الإنسان أكثر سعادة وأوفى صحة ، دون إهمال لجانب التصالح النفسي والروحي اللذان يمثلان قوة الدفع لأي قيمة أو إنجاز أو عمل نبيل في هذه الحياة .
إن الملاحدة قد يكونون بمقياس فهمنا أناس مفكرون .. لا بأس ، ولكنهم - للأسف - ليسوا سوى نفر قد خاصم الفطرة الإنسانية في أبسط معانيها التي تُعنى بالسبب دون إهمال المُسبب ، مع فهم ووعي بالمحسوسات ، دون قطيعة غير مفهومة بالمدلولات .

(من شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر... - الكهف 29)، فلهذا شأنه ، ولذاك خياره ، شخصياً أتعلم من فريق منطق وجدل وتراتبية ذهنية ، وألوذ بفريق لضبط زوايا الرؤية ، وتحديد مسارات الطريق ، وإدراك الغاية النهائية من كل الأمر .
وللجانب الذي يزيد من رصيد الملاحدة أقول .. أن (التفكير مع بعض) خير من (تفجير بعض) ، وأن (التنظير عن بعد) يتساوى مع (التفجير عن بعد) سواء بسواء .

2015/01/14

صحفيون .. لكن ظرفاء !!



 
أرثر شوبنهاور 
فيلسوف ألماني

 ( الصحفيون مثل الكلاب
 يبدأون في النباح كلما تحرك شيء )

عزيزي .. عزيزتي

لابد أن أعترف هنا بأنني قد إستغرقت في نوبة ضحك طويلة نسبياً عندما قرأت هذه العبارة لأول مرة ، يا إلهي .. إنها تمثل وجهة نظري في الكثرة الكاثرة من الصحفيين والإعلاميين الذين أتابعهم بشكل عام في مجالي الصحافة المكتوبة والتليفزيونية .
والمقولة على أية حال - وقبل القفز إلى أية إستنتاجات خاطئة أو متسرعة  -لا تمثل في ظني  ثمة إهانة للمنتسبين إلى هذه المهنة ، فما فهمته منها يُحمل على المدح ، لا القدح ، وعلى الجد دون الهزل ، فلا تقفوا كثيراً عند ضحكاتي التي ما كانت لتكون لولا المزاح الثقيل الذي مارسه الفيلسوف الكبير بمقولته .

وكأني بشوبانهور يقول لك أن الصحفيين لا يغيبون لا عن المشاهد الكبرى ولا الصغرى ، ولا تسهى كاميراتهم عن اللقطات العابرة ، لا تفلت من بين أيديهم الأخبار مهما بدت تافهة ولا قيمة كبيرة لها لدى عموم القراء ، فهم يُعنون بالخبر ، صغر شأنه أو كبر ، عنايتهم بالقليل تعدل عنايتهم بالكثير ، فكل خبر له وجاهة ، وكل صورة لها دلالة ، يعتبرون أن توافه الأمور من الممكن أن تُشكل العناوين البارزة للأخبار ، وأن مستصغر الشرر قد يؤذن بحريق كبير ، يتساوى لديهم (خبـرياً) مصرع مواطن في طريق ، مع قطة عالقة تصارع حريق .

أناس ظرفاء حقاً لا يكتفون بمجرد نقل الحدث أو تحليله ، بل أنهم كذلك (يصنعونه) عن طريق طرح قضايا جديدة ، مع تسليط الضوء عليها ، فهم يعتمدون إلى حد كبير - هنا - على حاستهم الصحفية التي تستشرف الأخبار من مسافات بعيدة ، ويقدرون أنها ربما تشكل حدثاً ما في قادم الأيام ، وهذا أمر حسن بالتأكيد .

علاوة على ذلك فإن البعض منهم يسعى إلى (إختـلاق) الوقائع إختلاقاً ، أي إيجادها من عدم ، ولعلي هنا أذكر واقعة طريفة تتعلق بقيام أحد مسئولي التحرير بصحيفة أو مجلة مصرية بتكليف أحد شباب الصحفيين الجدد بإجراء حديث مع الفنانة الراحلة أمينة رزق ، وقام مسئول التحرير بتزويد الصحفي الشاب برقم هاتفها لتحديد موعد اللقاء وإجراء الحوار .
لم يفلح الشاب - بعد محاولات عديدة - في الإتصال بالفنانة المرموقة ، وحاول بكافة السبل الوصول إليها لكن دون جدوى ، فأرجع الأمر إلى مسئول تحريره للتصرف ، فأشار إليه الأخير بضرورة إجراء الحوار في جميع الأحوال ، وقام بإخراج صورة من مكتبه للفنانة المذكورة وأعطاها للصحفي الشاب ، وقال له : ها هي أمينة رزق ، هيا قم بإجراء الحوار معها .

الواقعة المشار إليها سمعتها بإذني من الدكتور مصطفى الفقي أثناء قيامه بتقديم أحد البرامج السياسية بإحدى القنوات الفضائية المصرية الخاصة ، والحقيقة أن هذه الواقعة لا تمثل لي أية مفاجأة ، وهي على طرافتها تشي بالكثير عن العقلية التي يُقال لك عنها انها تشكل الوعي الثقافي للمواطنين .

أعلم أن التعميم لا ينبني عليه حكم موضوعي ، فحديثي هنا إنما يخص نفر منهم ولا أظنه قليل ، يكافحون من أجل الحقيقة (هم يقولون هذا)  ، وهم انفسهم في سبيل أدائهم لهذه الغاية النبيلة ، لا يمانعون أيضاً من التجاوز عن بعض الأخطاء المهنية البسيطة التي يمكن غرض الطرف عنها ، مثل الكذب والإفتراء ، المبالغة غير المبررة في توصيف الحدث ، صياغة الأخبار لغرض لا صلة له بأية غاية معرفية أو موضوعية ، ومطلوب منك أيها القارئ أو المشاهد أن تصدق أن الصحافة بهذ المثابة هي مهنة البحث عن المتاعب ! ربما .. ولكن لمن ؟ فعتدما يتساوى عند هؤلاء الظني والقطعي ، والمؤكد والمحتمل ، فلا تحدثني عن صحافة متاعب ، وإنما عن صحافة متاع .

*****
الشئ بالشئ يٌذكر !
بعد الإنتهاء من نوبة ضحكي - المشار إليها أعلاه - والتي أحياناً ما تكون مبالغاً فيها بعض الشئ لاسيما إذا كنت بمفردي ، أراني وقد عدت القهقري إلى حيث أواسط الثمانينات حيث دراسة القانون بجامعة القاهرة ، تعارفت - حينها - على أحد الطلبة ممن كانوا يدرسون الصحافة والإعلام بذات الجامعة ، وكان رفيق سكن كذلك بالمدينة الجامعية .

 كان مظهره بسيطاً ، وبدا لي انه من طبقة إجتماعية دون المتوسطة ، وهذا أمر لا يعيب على أي حال ، رأيته مجتهداً حقاً في دراسته ، مكباً على علومهً ، وكان يتدرب بصحيفة الأهالي المصرية ذات التوجه اليساري المعروف والتي كثيراً ما كانت (تناكف) الحكومات (وتشاغب) جهات الإدارة بوجه عام .
 وفي سبيل حصول - هذا الزميل - على أخبار - بأي شكل وكيفما إتفق - بغرض حملها على عجل إلى مقر الصحيفة المنوه عنها ، فإنه كان يجالس العديد من الطلبة والزملاء ومن محافظات مختلفة بغرض (إستنطاقهم بلطف) أو (تحريضهم بدهاء) على البوح بكل ما يرونه سلبياً في بلدانهم ومحال إقامتهم ويكون ذا صلة ما بجهة حكومية أو تنفيذية .

لفت نظري أنه حدد - منذ البداية - خياراته بوضوح (فالسلبيات هي كل ما كان يبحث عنه) ، دون حتى التثبت من صحة الخبر ، أو صدقية الراوي ، إذ كان لديه نهم أهم وأقوى - في ظني - وهو أن يزيد من جهده الصحفي بالجريدة ، ويُكثر من مواده المنشورة ، ذلك أنه في النهاية لا يريد سوى (بطاقة عضوية في نقابة) تعده بها جريدته ، فضلاً عن نذر قليل شهرياً يساعده في تغطية بعض نفقاته ، ويبدو أنه كان يسير على القاعدة الصحفية المحنطة فوق مقعد كل أحد من هؤلاء والتي تقول ( حيث الأخبار السيئة ، فثم الأخبار ) .

وعلى الرغم من أنه كان ممن ساكنتهم وآكلتهم ، فلا أذكر إسمه الآن ، وهذا أمر غير معتاد بالنسبة لي ، ولكني أدركت ان الذاكرة غالباً ما تقوم بعملية (الفلتـرة المركزية) للصور والأسماء والأشياء ، فتضع بعضهم في أمكنة بارزة ، وترمي بآخريين في زواياها المهملة ،  ولطالما ساءلت نفسي عن المستقبل المهني لهذا الزميل لو قُـدر له أن يخطو في مضمار الصحافة خطوات أوسع ، أسرع ، وأعلى ، لعلي الآن أدرك الإجابة ، فحمى الإستنساخ تعمل بنشاط حثيث ، ونظرة فاحصة في وجه هذا وذاك ، وهذه وتلك من شأنها أن تعطيك شواهد كثيرة من الخبر ، دون تذكير بأسمائهم ، أو إظهار صورة لأحدهم  ، أو تنويه حتى بمقالات بعضهم .
                                                                                                                   ياسر حجاج

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة