2011/09/14

تعلم الثورة بدون معلم


بقلم : ياسر حجاج
في الثورات كما في الحروب ، لا يكف التجار عن تنشيط خلايا الكسب المحرم ، وتحفيز هرمونات خصوبة الأرقام في حساباتهم المصرفية ، وفي المقابل هنالك دائماً من هم على إستعداد للدفع للحصول على بضائع فاسدة لإعادة إنتاجها وتسويقها أو حتى إستخدامها في مواسم الكساد الخلقي ، ولكل سوق سلعته ، والثورات الشعبية هي سوق كبير بهذا المعنى بالنظر إلى ضخامة المعروض من البضائع وإقبال الطلب عليها .

في الساعات الأولى من صباح يوم ما ، وفي لحظة صفاء نادرة مشبوبة بكوميديا سوداء غالباً ، قررت أن أجرب كيف يفكر التجار ، وكيف يروجون لسلعهم ، وحيث أن لدي فكرة لا بأس بها عن البرمجة وكيفية إعداد البرامج وفق رغبات الزبائن ، فقلت في نفسي لا بأس ، فلأقطع سواد هذا الليل بسواد مثله ، وأصدر نسختي البرمجية الأولى متضمنة القواعد الأكثر سوداوية في عالم برمجيات الثورة ، ثم توصلت بعد عدة فناجين من القهوة ، وعدد لا حصر له من السجائر إلى الخروج بعنوان يخاطب الفئة التي يستهدفها البرنامج ، وهي بالمناسبة فئة ليست بالقليلة أملاً في إستقطابهم على قاعدة ( إذا فاتتك الثورة فتمرغ في ترابها ) ، ورأيت أن العنوان الأكثر قبولاً وجاذبية هو أن تُشعر المتلقى باهمية وسهولة المعروض ، مع يسر الإستيعاب ، فكانت هذه النسخة التجريبية الأولى من برنامج ( كن ثائراً بأثر رجعي ) .
مقدمة البرنامج :
عزيزي المواطن .. تاريخ إندلاع الثورات ما هو إلا مجموعة من الأرقام تفصل بينها خطوط مائلة ، وأحداث الثورات ما هي إلا سرد وبيانات وإحصاءات وصور وكشوف حساب ، فإذا لم تشارك في الثورة الشعبية التي إندلعت ببلدك تكاسلاً أو عدم إقتناعاً ، أو لأنك إستيقظت من نومك متأخراً عصر ذاك اليوم كعادتك ، فلم تلحق بقطار الثورة الصباحي ، ولا حتى بعربته الأخيرة ، وحتى إذا لم تكن لك أية إهتمامات سياسية أو إنتماءات حزبية ، أو لم تشارك في أي محفل شعبي بخلاف بيع صوتك الإنتخابي يوم الإقتراع بالطبع ، وإذا كنت كماً مهملاً تافهاً بليداً لا يؤبه له ، ثم قررت في لحظة حالكة أن تكون رمزاً ثورياً هكذا بدون مقدمات ، وإذا كانت تستهويك فكرة الربيع العربي ، مع أننا على أبواب الخريف ، فنحن نقدم لك الحل من خلال هذا البرنامج الذي سيضع حداً لحيرتك ، ويضع قدميك على طريق نعرف أوله ، ولا نتنبئ بآخرته ، لذا فقد لزم التنويه .
من نحن ؟
عكف على إنتاج وتحرير المادة العلمية للبرنامج ثلة من المحامين المفصولين من النقابة ، وعدد غير قليل من القيادات الأمنية الفاسدة ، فضلاً عن رؤساء الجمعيات الحقوقية ذات التمويل الأجنبي ، إضافة إلى كم لا بأس به من راسبي شهادة الثانوية العامة بقسميها العلمي والأدبي في العقدين الأخيرين .
خيارات البرنامج :
يتيح لك البرنامج عزيزي المواطن الإختيار بين عدد كبير من الأيقونات الثورية حسبما يتراءى لك ، فتستطيع مثلاً أن تتنقل بين عدة مستويات ثورية من بينها أن تكون مثلاً :-
  • ثائر عادي
  • ثائر متعدد الأنظمة .
  • ناشظ حقوقي .
  • محلل سياسي .
  • خبير أمني وإستراتيجي .
  • باحث في شئون الجماعات الثورية والإنفصالية .
  • إخصائي في شئون منظمات المجتمع المدني .
مكونات البرنامج :
يطرح البرنامج ضمن تطبيقاته العامة عدد من المزايا الأولية اللازم إستيعابها من أجل التسكين على مسمى الأيقونة الثورية المرادة ، ومن ثم الدفع بك إلى الصفوف الأمامية للثوار ، ومن بين هذه المزايا :-
1.    محاضرات مكثفة عن معنى الثورة ودلالتها اللفظية والإجتماعية والتاريخية .
2.    مختصرلأهم أحداث الثورات في التاريخين الحديث والمعاصر .
3.    إتاحة مجسمات ثلاثية الأبعاد ، تفصيلية وملونة لأشهر أماكن وتجمع المظاهرات .
4.    دراسة مختصرة لمبادئ حقوق الإنسان ( الأوروبي ) .
5.    دراسة قانونية مختصرة لأهم أنواع القوانين ذات الصلة بالثورات ، ما صدر منها أو ما هو قيد الإصدار.
6.    إتاحة التواصل مع المنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني المشبوهة .
7.    عرض مبسط للسير الذاتية لعدد من الثوار عبر التاريخ بدءاً من الثائر الفرعوني سخمت رع وحتى الثائر أبو حسن بائع الكشري بأماكن تجمع الثوار .
8.    تنظيم حلقات عمل نقاشية مع المستخدمين الآخرين للبرنامج من أجل تبادل الرأي في جو من الحميمية الثورية .
9.    شرح واف لكافة المفردات الثورية والمصطلحات المصاحبة لها ضمن معجم مرتب بشكل غير أبجدي ولا منطقي ومن بينها على سبيل المثال ، الوعي القومي ، الفهم الجمعي ، منظومة الفساد ، التطهير ، تزوير الإرادة ، تزييف الوعي ، تجريف العقل ، الشفافية ، إستقلال القضاء ، التغيير الشامل ، الفئة الضالة ، القلة المندسة ، العقد الإجتماعي ، حرية التعبير ، المبادىء الحاكمة للدستور، موقعة الجمل ، التيار الديني ، المليونية والألفية والمئوية والأحادية والعشرية وما لا يقبل القسمة على إثنين .
10. بحث آلية تنظيم المظاهرات الفئوية ، وقطع الطرق ، والإعتصامات ، مع تحليل لظاهرة الإضراب عن الطعام محلي الصنع ، والتهديد بالإنتحار حرقاً بالقرب من مصدر للمياه لا يبعد أكثر من 30 سم .
11. يتيح البرنامج بيسر وسهولة فائقة التنقل بين أي من الأشكال الثورية ، أو التحول حتى إلى أيقونات ثورية متعارضة ، فستطيع بضغط زر واحدة مثلاً أن تكون ثورياً في الصباح وبلطجياً في المساء أو بالعكس ، وسيقوم البرنامج تلقائياً بتزويدك بقواعد البيانات المناسبة للنمط الذي يجري إختياره على طريقة فيلم MATRIX .
12.  يعمل البرنامج تلقائياً على تأمين إتصالك بكافة القنوات الفضائية مرة واحدة على الأقل كل ثلاث دقائق قبل وبعد الفاصل الإعلاني لطرح رؤاك الثورية سابقة التجهيز وذلك بالتنسيق مع معدي البرامج ومقدميها وفراش القناة .
13. يعمل البرنامج كذلك على إحاطتك أولاً بأول بكافة الأسئلة الثورية المطروحة على الساحة مع شرح واف لأجوبتها النموذجية .
14. نضمن لك شغل وظيفة محترمة بحكومة الثورة بعد الإنتخابات النيابية ، أو بحكومة الثورة المضادة .
15.  لدينا قسم خاص بالمحجبات .
ملحقات البرنامج :
1.    البرنامج مزود بذراع معدنية مصممة بطريقة الميكاترونيكس ، وذات تجويف مناسب لتخزين الحجارة التي سيجري قذفها آلياً أثناء المظاهرات بإتجاه الممتلكات العامة والخاصة ، بما فيها سيارة زوج طليقتك السابقة ، والتي سيجري تزويد البرنامج مسبقاً برقم لوحتها المعدنية .
2.    البرنامج مزود كذلك بسوار إلكتروني شفاف يوضع بيدك التي تأكل بها لسهولة الإستدلال على موقعك لسرعة تقديم المساعدة حال الحاجة إليها وفق شروط إستخدام موقع Google Earth.
3.    توجد شريحة ذكية يتم ذرعها تحت الجلد لإرسال إشارة إلى فريق العمل بالبرنامج لدى مثولك أمام جهات التحقيق بتهمة البلطجة ، أو الثورة المضادة لتقديم المعونة القانونية اللازمة .
4.    زر إلكتروني بالغ الدقة مزود بخاصية الإشعال الذاتي يتيح لك حرق أعلام السفارات والقنصليات عن بعد ، دون الحاجة إلى تسلق أكثر من عشرين طابقاً لتفعل ذلك .
5.    إتاحة عدد غير محدود من التي شيرتات الملونة مع صور لتشي جيفاراً ومغني الثورة السابق عبد الحليم حافظ .
الأعراض الجانبية :
1.    ثبت من خلال أبحاثنا المخبرية وجود أعراض جانبية خفيفة لمنتجنا تتمثل في حشرجة وبحة بالصوت نتيجة الهتاف المتكرر خلال فترة التدريب .
2.    تبين وجود خشونة بأطراف الأصابع لدي عدد قليل من مستخدمى البرنامج ناتجة عن اللمس المباشر لمكونات صنع قنابل المولوتوف يدوية الصنع التي تستهدف مركبات الشرطة والجيش .
3.    تأكد حدوث حالات مغص معدي ورشح بالأنف نتيجة التعرض لفترات طويلة لتيارات مائية باردة وقت التدريب على ركوب (موجة) الثورة .
4.    تم رصد حالات تبول لا إرادي في ساعات النهار أثناء تشغيل البرنامج تزامناً مع البث الحي لجلسات محاكمة رموز النظام السابق .
متطلبات التشغيل :
1.    عقل تافه يتمتع بقابلية التعبئة والتفريغ بسهولة حسب متطلبات الجهة المصنعة .
2.    سيتم العمل على تعطيل الضمير والقنوات الدمعية وأية مراكز للإحساس لدى المستخدم لتعارض عملها مع نظام تشغيل البرنامج .
تحذير :
  • الأسطوانة المدمجة المحمل عليها البرنامج صُنعت من مواد خاصة وبالغة الحساسية ، وبالتالي لا ينصح بتجربتها أو تشغيلها بالتزامن مع عزف السلام الوطني لبلدك .
  • حفاظاً على حقوق الملكية الفكرية للجهة المصنعة ، فإننا قد نعمد إلى إجراء فحصاً لحمضك النووي الـ DNA كي لا تصدق نفسك ، وتدعي لاحقاً بأنك (الأب الشرعي) للثورة .
من منتجاتنا الأخرى : القرص المدمج الأسرع في العالم لتعليم كيفية تأسيس الأحزاب والإئتلافات الثورية في ساعة ونصف ، مع خاصية تعليمية في كيفية الطعن في شرعيتها حال الطلب .
للحجز والإستعلام : يرجى زيارة معارضنا الملحقة بالقنصليات الأجنبية ببلدك
من أجلك عزيزي المواطن : نحن نعمل 36 ساعة في اليوم - عشرة أيام في الأسبوع

2011/09/08

فتىً من الصومال


  • إلام ترنو يا بني ؟ أم ُترى قد برق البصر ؟
  • هل أنت دائماً هكذا شارد النظر ؟
  • هل خارت القوى ، هل هدك التعب ؟
  • هل بات حتى الموت عزيز يُرجى ولا يُنتظر ؟
  • لما صدرك عارياً هكذاً ?
  • لما بدت من خلال جلدك الأمثال والعبر ؟
  • لما الدمع في عينيك متردداً ؟
  • هل تراني مبالغاً في وصفي أم أن في المسألة نظر ?
  • يا بني دع الدمع يجري ، فعما قليل تلقى مليكك المقتدر .
  • وددت قبل الرحيل لو تصف لي الجوع والعطش والنصب والكبد .
  • أما إذا كان حالك حال زهد فقل لي في الزهد قولاً لا أسأل عليه من بعدك أحد .
  • يا بني إن وعدوك بالحنطة والدواء فحدثهم عن أنهار من خمر وعسل .
  • وإن إعتذروا عن إغاثة لهفتك فصف لهم الفاكهة أو إن شئت الدسم .
  • وقل لهم أن لحم الطير هاهنا يُشتهى ، وأن الثمر هاهنا بيسر ُيقتطف .

2011/09/05

جديد الأجوبة


عزيزي / أبو البنات
سلام الله عليك ورحمته وبركاته ،،،

وصلتني رسالتك ، ووعيت مقالتك ، ثم أخذتني الفكرة فتملكتني الحيرة ، فكيف لي أن أتعاطى مع أسئلة تحمل الإجابة عنها ناراً وباروداً ، يا عزيزي .. إن كل أسئلتك كان يمكن إختصارها في سؤال واحد وهو ( لماذا أنت هنا في حين كان يجب عليك أن تكون هناك ، ولما أنت هناك في وقت كان يتعين عليك أن تكون هنا ؟ ) وإذا صدق حدسي أو تحليلي فإنك لست هنا ، كما أنك لست هناك ، وإذا بلغ بك الظرف مداه فسألتني ( حسناً .. فأين أنا ؟ ) فسأقول لك بلا تردد ( أنت لست في أي مكان ) ، فإذا كنت لا تشعر بوهج اللحظة فأنت لا تعيشها ولا تعيشك ، وإذا إنساب الزمن منك وإنسبت منه فمن الواضح أنكما تعيشان معاً في حالتي خصام وعناد ، يود أحدكما لو يتخلص أو يتخفف على أقل تقدير من عبء ملازمة الآخر ، فأنت تطرد اللحظة وهي لا تأبه بك ، تتجاهلها فتنصرف عنك ، وإذا عدت فراودتها تمنعت عنك ، فلا أحد عاقل يا عزيزي يحتقر الزمن ، وحسب رأيي فأنك يجب أن تكون متصالحاً مع اللحظة ، خذها على علاتها تهبك أجمل ما فيها ، وإن تعلقت بها باحت لك بجميل أسرارها .

هل آلمتك كلماتي ؟ ليتها تفعل ، ولكن ماذا عساي أقول لمن يجاهر بالقول أنه قد عاش أكثر من اللازم ، لكن لا بأس ، فقط وددت إخبارك أن الخيارات مازالت متاحة أمامك وأن الوقت لم يمض كله ، فتحين لذلك الأمر لعل لحظتك الحقيقية هي الآن وليست لاحقاً ، وأرجوك أن تبادر إلى العمل وتكف عن المراوغة ، وفي سبيل ذلك لن أهبك نصحي المخلص فحسب وإنما سأقترح عليك تغيير بعض من عاداتك السلوكية الموغلة في القدم ، ذلك أن التغيير من وقت لآخر ينشط الإحساس ويدفع الهمة لاسيما إذا كان التغيير إلى الأفضل ، وعليه يرجى تتبع ملخص الإرشادات التالي الذي قمت بإستقائه من واقع خبرتي بك ، ولا تحاول تصنع التلطف فتسألني عما إذا كانت هناك صور توضيحية مرفقة ضمن هذه الإرشادات .

على الصعيد النفسي والسلوكي : أزل حائطاً واحداً على الأقل من الحوائط الأربعة المحيطة بك لترى العالم من حولك .. مزق ستائر الغرف التي تحجب عنك طور نمو الزمن .. لا تكثر من النظر في المرآة ، فلن ترى سوى نسخة مكررة لصاحب الفرص الضائعة .. عد من جديد فإرتدي ساعة يدك ، فسيعطيك هذا مؤشراً على كون الزمن يمضي ولا يقف .. تحلل رويداً رويداً من ألوان ملابسك القاتمة ، فالأسود يا عزيزي لم يعد سيد الألوان .. كف عن وضع يدك على فمك وأنت تستمع إلى الآخريين ، فالصمت موات مطبق .. ليتك تكف عن التحدث إلى نفسك بصوت مسموع ، فتكون أنت الصوت وتكون أنت الصدى .. أدري أنك تتحاشى النظر في عيون الآخريين ، ولكن أعطِ فرصة للآخريين للنظر إليك .. تحسس موضعاً لقدميك ، وإنما دون نظر دائم إلى الأرض كما تفعل .. حاول التخلص من الكرافتات وأربطة الأحذية فلديك من العقد ما يكفي .. إن تغييراً بسيطاً في موضع فراشك ودولاب ملابسك سيكون له مردود طيب عندما تكسر به حالة روتينك الرتيبة ، ولن يكون أبداً بمثابة إنقلاباً على قواعد الكلاسيكية العتيقة التي تهواها .

وعلى صعيد العادات الغذائية والصحة البدنية : إستبدل فنجان القوة الصباحي بآخر للينسون ، وإعلم أن إعداد القهوة بنفسك ليس كله منتهى الشاعرية كما تزعم .. خفف من التدخين ما إستطعت ولا تكرر على مسامعي حججك الواهية عن رومانسية خيوط الدخان المتصاعد .. الشاي الأخضر أفضل من نظيره الأحمر كما يقول الأطباء ، ولا تكرر مقولتك البائسة أن الأطباء جميعهم أفاكون .. تعلم البهجة من السلطة ذات الخمسة ألوان دون أن يكون من بينها اللون الرمادي إياه .. كن قربياً من مصدر دائم للمياه لما لها من طاقة إيجابية على البدن ، دون أن يعني ذلك أن تأخذك حمامك فيما يزيد على النصف ساعة كما جرت وتجري بك العادة .. تجنب سماع الأخبار السياسية وبرامج التوك شو قبل ساعة واحدة على الأقل من نومك لكي لا يبلغ بك الإنفعال مبلغه فتدير حواراً سياسياً إفتراضياً مع وسادتك .. وأخيراً يجب أن تعي أن مشروب البيبسي ليس أهم منجز حضاري لبني الإنسان حسب قولك .

هذا يا عزيزي ما وسعني ذكره ، أقوله لك وأنا عليك والله مشفقة ، وإن كنت على يقين بأن مقولاتي لن تجاوز سمعك العابر ولا بصرك الذي إستمرأ التمرد على الرؤية .

شويكار

2011/09/02

قديم الأسئلة


عزيزتي / مدام شويكار

تحية وسلاماً

ها أنا أعود إلى الكتابة إليك من جديد ، إلكترونياً هذه المرة بعد أن شاركت ويا للأسف في توديع طرق البريد التقليدية ، فلا مداد ولا أوراق ولا طوابع بريد ، إنما حروف بلهاء رقم دقة نظمها ووضوحها وحتى جمال ألوانها ، ودعت كذلك العبارة التي كنت أكتبها على ظهر مغلفاتي متوجهاً فيها بالشكر لكل رجال البريد الحاملين لرسائلي إليك ، لا أعرف على وجه الدقة إذا كان يتعين أن أتوجه بالشكر لأحد ما هنا .

عزيزتي ... مضت ربما أعوام طويلة جداً على تاريخ آخر رسالة مكتوبة لك ، أشعر الآن وبعد كل هذه الأعوام بقدر كبير من التحرر ، فضلاً عن الجرأة النسبية على الإشارة بوضوح إلى مواضع القلق ومنابته الأولى ، لا أتوقع منك وصفة طبية جاهزة ولا حتى تركيبة دوائية من عينة أعشاب طبك البديل المحبب إليك ، ذلك أنني أعتبر أن مجرد الكتابة إليك ليست نوع من الإستشفاء الذاتي بل أنه وفي أحسن تقدير نوع من تحييد مناطق الألم أو إبطاء كمياءه التفاعلية ، في العلوم العسكرية يسمونها مناطق منزوعة السلاح بحسبانها مناطق توتر ، أعلم أنك خبيرة في هذا الملف وإن كنت لم تبلغ فيه القمة والكفاية لا لعيب في قدراتك وإنما لأنني ربما لا أمنحك الفرصة الكاملة لتقومين بتصفح خارطتي الجينية بدقة .

كما تعودتي مني سأكون صادق القول معك ، فأنت تعلمين أن فنون الكذب معك تتوارى ، فحيلي القانونية وإجاباتي الدبلوماسية يا عزيزتي ما عادت بذات جاذبيتها الأولى كأنها هي الأخرى هرمت أو تريد أن تتقاعد ، وإن كنت مازلت أحتفظ بالبعض منها ، سأطرح عليك التساؤلات كما تعودت دوماً ، وسأهيئ نفسي لتلقي الإجابات التي ما كانت لتخطر لي على بال ، وسأحاول أن أخفي دهشتي من تحليلك وكأنني أعمل على التقليل من شأن عمقها أو صراحتها ، وربما سألجأ كما في كل مرة إلى المناورة لكي أتجنب النظر في المرآة التي تقومين بوضعها أمامي بكل حكمة وإقتدار وكأنك تقولين لي أن الصورة التي تعكسها المرآة هي ذاتها الأسئلة وهي ذاتها الأجوبة في آن معاً ، تعلمين أني ملول حتى الملل ، فكوني كما عهدتك متواضعة لينة الجانب ، وترفقي كما تترفق العين الخبيرة بموضع الزهر الأخضر كي لا ُيحال إلى هشيم تذروه الرياح .


إليك أسئلتي وأعلم أنك لن تسخري منها وإن بدت موضعاً لسخرية العالمين ، ذلك أنك ما كنت لتقفين عند حدود الألفاظ بقدر سعيك وراء المقاصد والمعاني .

  • - لما أجدني وأنا في إنتظار لحظتي التالية أنسى في الغالب لحظتي الأنية ؟
  • - لما أجدني أرقب بشغف وشاعرية القادم أكثر من حماستي أو تفاعلي مع الراهن ؟
  • - لما في صيفي الحار أجدني أرسم صورة دقيقة للشتاء بدفئه وإحساسه الأكثر دفئاً ، ولما تختلط لدي دائماً حسابات فصلي الربيع والخريف ؟
  • - هل من العسير جداً على الأفهام أن أحاول تسمع زخات المطر وهي تداعب بلطف ودلال النافذة الزجاجية لغرفة نومي رغم أننا في شهر أغسطس بقيظه وحره ؟
  • - وهل ترين شيئاً من المبالغة إذا حسبت الضوء المنساب عبر النافذة إلى حيث فراشي ما هو إلا ضوء برق مصحوب بصوت رعد يؤذن كل منهما ببدء موسم من الليل الطويل ؟
  • - وهل تجدين سبباً وجيهاً يمنعني من إعتمار قبعة للمطر وإرتداء معطف من الصوف في درجة حرارة خارجية تناهز الخمسين ؟
  • ولما يعد السير تحت المطر أحد أهم الفضائل الإنسانية ؟
  • - وهل تجدين منطقاً يتوافق مع عدم تطلعي إلى الإمام بذات القدر الذي يتعلق بالنظر إلى حيث الأفق البعيد اللا متناهي ؟
  • - وهل تجدين أنه من المبهر حقاً أن يكون مصدر المتعة مؤجلاً بصفة دائمة ؟
  • - لما مع تفتح مسامات جديدة للتخيل يظل اليقين شارداً ؟


إذن فتلك أسئلتي أوردها لك مختصرة ، فعاودي قراءتها وتمهلي في الإجابة عنها ، فلست في عجلة من أمري ، فلقد ظللت عقود طويلة أطرح ذات الأسئلة بصيغ وأشكال مختلفة ، وأصدقك القول أني لا أتوقع منك إجابة شافية ولا وافية وهذا ربما جزء من مشكلتي ، فالإجابات دائماً محل شكي وتوجسي ، والحلول في ظني بمثابة مشكلة إضافية ، وأن النقطة التي بنهاية السطر ما هي إلا إستهلال رتيب لفقرة جديدة ... وتقبلي في النهاية خالص تحيتي ومودتي .

أبو البنات

2011/08/17

(6) أبو الهول ثائراً



بقلم : ياسر حجاج
  • (الألف) لم يعد يعقبه (باء) .
  • (والسين) تحولت إلى (صاد) .
  • (والهاء) فرت إلى حيث (الواو) .
  • وفي غفلة من الحساب إتفق البسط مع المقام على تبادل الأدوار .
  • والزاوية القائمة باتت مائلة .
  • وشبه المنحرف تاب فأناب فأصبح خطاً مستقيماً .
  • ويساوي لم تعد تشكل ناتج لأي عملية حسابية .
إذا كنت تملك قدر ، ولو قليل من الإحترام لذاتك ، فإنه يتعين عليك تبعاً لذلك ، أن تأخذ ما يعتبره الآخرون مسلماً لا نقاش فيه ، على أنه على - العكس - سيظل مطروحاً ومعاداً للنقاش ، أخذاً ورداً مرة ومرات ، وأن المطلق سيظل نسبياً ، حتى تكون الغلبة لأيهما ، وأن الخبر أياً كان مصدره ، سيظل متأرجحاً بين الصواب والخطأ ، حتى يؤيد الدليل أحدهما ، فلم يعد بزماننا بقرات مقدسة ، ولا حقائق حياتية مطلقة ، إلا ما كان معلوماً من الدين بالضرورة ، وخلاف ذلك فإن الأقوال جميعها ستعتبر مرسلة ، لا ضابط لها ما لم تقم حقائق دامغة على صحتها .

إن إنتهاج سياسة من هذا القبيل ، سيُعلي من قدرك أمام نفسك بحسبانك تتحرى وتدقق ولا تلعب بك الأحاسيس ، حارة كانت أم باردة ، فتطيح بك كما تطيح بالرماد الرياح في يوم عاصف

ربما تقول هذا الكلام وغيره ، وأنت تتحسس موضع لعقلك وفهمك في زحام العقول المحيطة بك والمتخمة بالمعلومات والتحليلات والتنظيرات المتعلقة بالثورة المصرية من حيث الأسباب والتداعيات ثم النتائج ، فإن بدأت مشاهد الثورة بالنسبة لك خاصة في مرحلتيها الوسطى والحالية غاية قي الألتباس والغموض أحياناً ، على الرغم من محاولات إظهارها كأنقى وأسمى ما تكون عليه الثورات في عصر من العصور ، فلا بأس من محاولة تجربة ( الفلترة ) على سيل المعلومات الذي يهطل عليك كما المطر ، فتعيد تشكيل وعيك بإستخلاص الرأي الذي تراه أقرب إلى الصواب ،وإن بدا منفرداً أو متفرداً عن سلسلة الأراء المحيطة بك وإن كثرت ونمت وربت .
https://www.blogger.com/img/blank.gif

وليكن معلوماً لك أنه لا توجد فضيلة كبرى أن تحلق دائماً ضمن سرب الطيور ، فتطير حيث يرغبون وتحط حيث يريدون ، كما لا توجد فضيلة كبرى أيضاً في أن تظل في حالة تحليق أو مسير منفرد على الرغم من عدم وجود ضرورة أو منطق ظاهر لذلك ، وأعترف لكم أنني بطبعي لا أحب التحليق ضمن سرب ، ولا أجيد العمل ضمن مجموعة ، ولا أحبذ فكرة أن أكون ترساً ضمن آلة كبيرة ، لذلك لم أكن أبداً عضواً بحزب أو حركة أو جماعة مهما كانت جاذبية لافتاتها وعنوانيها العريضة ، إنما أجد نفسي دائما خارجاً عن إطار الصورة ، لذلك سترونني غير قابل للأفكار النمطية ولا الرؤى سابقة التجهيز ، وليس لدي ذاك الإيمان العميق ، بأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان ، فالصورة بالنسبة لي ستظل ملتبسة وقليلة أو عديمة النبض ، طالما كانت هالة الضوء المحيطة بها أقل مما يجب ، وساعة أن يعود حرف (الباء) تالياً لحرف (الألف) ، ويبقى البسط بسطاً والمقام مقاماً سأعود للتحليق مع الجميع ، ولربما أرجع للعمل ضمن فريق ، وللحديث تتمة .

2011/08/15

(5) أبو الهول ثائراً



تدبقلم : ياسر حجاج
تدور الأمور في مجملها ما بين صفو وكدر وجد ولعب ، وإذا ُقدر لك وصارحتك نفسك بأنها تريد أن تفهم أكثر ، فإعلم أنك على وشك أن تبدأ مرحلة مزاحك أو عبسك إنما على حافة جبل شديد الإنحدار ، ذلك أن محاولة الفهم أكثر وأكثر إنما تفترض في البداية بأن المشاهد بتجلياتها الراهنة لا تجد إلى نفسك سبيلاً ، فتستعين على قلبك بعقلك ، لعلك تجد عنده ما أستغلق فهمه أو إستحكم إغلاقه .

ولا يعني ذلك بالضرورة أن عقلك سيجد الإجابات الشافية لأسئلتك العليلة ، هذا مع إفتراض مبدئي بالطبع أنك تتمتع بقوىً عقلية معقولة بعيداً عن أجواء الخرف المحيطة بك ، والطقس اللا معقول ، حيث تتنسم ما حسبته هواءاً ، فإذا به دخان محمل بكم لا بأس من الضباب في بيئة لا تعرف على وجه الدقة أتمر هي بأشهر صيف أم شتاء .

الحالة المصرية بعد الثورة لا تختلف كثيراً عما سبق ذكره أعلاه ، ولعلها الحالة التي تحاول فيها أن تتبين الخيط الأبيض الرقيق من الخيوط السوداء السميكة ، كما بدت لي الحالة المصرية كأي حالة تعقب الإستشفاء المفاجىء ، بعد طول معاناة ومعايشة مع مرض عضال .

فبعد بقاء المصريون قسطاً طويلاً من الزمن رهن أزمات مزمنة ، بدت من عمقها وكأنها إلتصقت بجلودهم وأرواحهم ، وحتى مخيلتهم بشكل لا تكاد تستطيع أن تفصل بينها ، تراهم عمدوا إلى حل لا يلجأ إليه في الغالب إلا من هم على مشارف الهلاك ، فبدلاً من أن ينظروا إلى الحياة الآن بحسبانها قد أعيدت إليهم ، مع غياب أو تغييب أو تحييد المسببات الرئيسية لأمراضهم وآلامهم ، وبدلاً من أن يحاولوا السير بهدوء صوب مرحلة النقاهة التي تعقب العمليات الحرجة ، تراهم قرروا في لحظة مجردة من المعقول السير وبحماسة عير محسوبة إلى مرحلة التعافي الكامل والمباشر والسريع .

وظنوا أن السبيل إلى ذلك ليس سوى إقتحام كافة الصيدليات التي عرفتها الإنسانية طوال تاريخها ، حيث قرروا وبلا وعي تقريباً ، وبجرعة واحدة أن يتناولوا كافة الأقراص والحبوب والمضادات وسائر أنواع الشراب الموجودة على أرفف تلك الصيدليات ، وربما بالقدر الذي يجاوز حدود القدرة أو الإحتمال أو التخيل ، معتقدين أن هذا القدر من الخرف الوقائي سيكون سدهم المنيع وسورهم العالي ضد أية أمراض جديدة ، ولو كانت محتملة ، بما يجعلهم بمنأى عن العودة إلى فراش المرض من جديد ، وبمعنىً آخر ، فأنه ليس من البديهي بالمرة أن تكون على وشك الخروج من جراحة دقيقة ، وتعمد بعدها مباشرة إلى خوض سباق في المسافات الطويلة ، معتمداً فقط على أقراص للهلوسة ، وللحديث تتمة .

2011/08/12

(4) أبو الهول ثائراً


إبقلم : ياسر حجاج
إذن فأبو الهول قرر العدول عن إستقالته ، وبادر بترك مكانه الذي ربض فيه طويلاً ليكتشف بأن الفضاء أرحب كثيراً مما كان يتخيل أو يرجوا ، فنفض عنه غبار تاريخه وجغرافيته ، ليتعلم فنون جديدة ما حسب فرعون وبيت الملك كله أنه قادر عليها ، فنهض ، وأول ما فعله أن أعلن كفره بكل الترانيم والتمتمات التي كان الكهنة يقتاتون منها وعليها ، ولأن الكفر ليس غاية في ذاته فكان على أبو الهول أن يبحث له عن دين جديد .

فرأيته بحث ونقب ، درس وتعلم ، ثم أيقن أن دينه الجديد ، ليس سوى الصراخ على نفسه وفيمن حوله ، سمع صراخه بيت الملك والحاشية ، وإهتزت معه كل قباب المعابد ، وظل الخلق يرقبون الصراخ القادم من الشرق ، صراخ فتت الأوصال الجامدة ، صراخ صدع الأبنية العتيقة ، صراخ بلا صدى ، فالصدى نفسه كان صراخاً ، وإصطحب أبو الهول معه أتباعه ممن ملوا النظر إليهم كمجرد حجارة تاريخية مليئة بالنقوش الجميلة ، والحكم والعبر التي تجري على ألسن الناس مثلاً ومثالاً .

غادر أبو الهول وصحبه على مركب للشمس صبيحة ليلة دافئة في إتجاه طيبة الجديدة ليوصل رسالة لفرعون وهامان وجنودهما مفادها بأنهم لن يكونوا بوسهم بعد الآن الإنخراط في جيش للسخرة لبناء هرم رابع ، وبأنه سيجرى كذلك النظر في كتابة تاريخ جديد على أعمدة المعابد ليس لبيت الحكم وحاشية الملك أي ذكر فيها ، وقرر أبو الهول ضمن أجندته المعلنة العمل على إعادة ترميم أنفه التي جًدعت بفعل نيران الحملة الفرنسية على مصر أولاً ، ثم التي جُدعت مرات ومرات بينما كان الفرعون الأخير يلهو ويعبث .

ليس على ورق من البردى هذه المرة سيكتب أبو الهول شكايته ، ولن يقف طويلاً خارج أبواب القصر ليسمح له بالبوح والإسرار ، إنما قرر الخروج في نزهة جنائزية ليقول لبيت الحكم كله كفاكم فإن التحنيط فن للموتى وليس للأحياء ، وأن كهنة معابدكم ما عادوا يمثلون الإله على الأرض ، وأن الأنهار التي كانت تجري بين ايديكم ومن تحت أرجلكم آن لها أن تتحول إلى فعل هادر وبعكس وظائفها الإفتراضية المقترنة دائماً بالمتعة والتأمل اللا محدود ، وأن صوامع غلالكم التي حجبتموها عنا هي أضعف من أن تهبكم يوماً آخر للشبع والراحة ... هذه ربما كلمات حدث بها أبو الهول نفسه وضاعت في ضجيج الصراخ الذي بات لوناً تعبيراً جديداً ومظهراً من مظاهر البلاغة الحديثة التي قلبت قواعد اللغة والتعاطي أخذاً ورداً ، وسقط الفرعون السقطة التي لم تكن محل شك كبير ، ومازال دوي وصخب السقوط يغطي كثيراً على مخازي بيت حكمه وحاشيته ، وللحديث تتمة .

2011/08/08

(3) أبو الهول ثائراً


بقلم : ياسر حجاج
قد تقف مشدوهاً في معرض لوحات ، يشُدك الرسم حيناً ، تلفتك الألوان حيناً ، يأخذك المعنى والمغزى حيناً ، ولكنك نادراً ما تجيل بصرك خارج اللوحة ، فتتأمل مثلاً الإطار المحيط بها ، أو بقعة الضوء التي تسلطت على الجدار الذي عُلقت عليه ، أو حتى ماهية الزوار الذين تعلقت عيونهم بها ، وقد تساءل نفسك في لحظة تجلي صوفية عن طاقة النور المنبعثة في احد أركانها ، وما إذا كانت هذه الطاقة تحديداً هي ما مثلت الوعي الإبداعي للفنان ، فدفعت خياله إلى أن يمسك بالريشة ، ويمزج الألوان ، ويترجم أحاسيسه إلى صور وأشكال ناطقة وصارخة ، وصامتة أحياناً ، وباكية ومنزوية أحايين أخرى .

بدأت لي الثورة المصرية كلحظة مصمتة وجافة إلى حد الخشونة ، وبدأ زخمها مع الوقت يصل بها إلى مرحلة من الإمتلاء والسيولة ، بفعل العرق والدماء ، ووصلت حتى كتابة هذه السطور بفعل اللا وضوح ، إلى مرحلة اللزوجة ، فلا هي بقيت جافة ولا هي إنتهت سائلة ، وهذا هو المسار الأخطر ، ليس في الثورة المصرية فحسب ، ولكن في أي شئ أريد له أن يكون على شفير الهاوية والنجاة معاً ، فلا هي ميتة تماماً ، ولا هي حية بدرجة كافية ، فهي للآن ثورة مبتسرة ، لم تكتب لها بعد أسباب النمو الطبيعي والتعافي في بيئة صحية خالية من فيروسات أصحاب المصالح وأنصاف المواطنين .

لم أجد خدعة كبرى على كثرة ما قرأت سوى ما يروى عن نصف الكوب الممتلئ ، ونصفه الآخر الفارغ ، فأصحاب النصف الممتلئ لن يجدوا صعوبة في إقناعك بأن نصف الكوب أفضل ألف مرة من وضعيته الفارغة ، وأن ما لاُيدرك كله لا ُيترك كله ، أما أصحاب النصف الفارغ ، فسيجدون منطقاً معقولاً ، عندما يأكدون لك أن أخطر مراحل الرحلة أن تنزل في منتصف الطريق ، فلا أنت بقيت حيث كنت ، ولا أنت وصلت حيث أردت ، وما بين المنطقين في الواقع تدور رحى الحياة ، فيراها بعضهم تطحن لك دقيقاً لتأكل ، ويراها غيرهم تطحن لك ماءاً ، وربما وهماً أيضاً .

بدأت الثورة المصرية كنتيجة منطقية لمقدمات غير منطقية ، وفي بواكيرها كنت أرى أن أخطر مراحلها قد تمثلت في ترسيخ سابقة تمثلت في إستحداث سلطة شرعية رابعة بجوار السلطات الثلاث ( التشريعية – التنفيذية – القضائية ) وهي سلطة الشارع بكل ما يموج فيه من أصحاب مشروع فعلي وصادق ، إلى أصحاب هوىً ومصالح ، إلى أفاكون وقطاع طرق ، فالكل تلبس بالثورة وتزيا بزيها ، وبات لفظ الثائر له جاذبية شخصية أخاذة في نفوس الكثيرين ، فلا شئ يضاهي أن يوصف شخص ما بأنه ثائر أو مجاهد أو مثابر ، إلى ما هنالك من هذه التسميات البديعة ذات الأغطية الشفافة ، التي وإن صدقت في حق البعض ، فإنها أبعد ما تكون عن بعضهم الآخر ، ومع صعوبة الفرز تكمن الأفخاخ .

بالعودة إلى لوحة الثورة ستتسع حدقتك بالتأكيد ، وأنت تشاهدها وتتمنى ربما أن تكون أكثر إتساعاً فتشمل شخوص وأسماء غابت عن المشهد ، وإن بشرت أو نادت به ، وستتمنى لو أن عُقد حياة هؤلاء لم ينفرط دون معاينة اللحظة والشعور والإمتلاء بها ، وفي ذات اللحظة ستضيق حدقتك ربما رغماً عنك هذه المرة ، فتختفي من اللوحة شخوص وأسماء أخرى تلبست بالثورة تلبس من لا يجيد فن الأزياء ولا تراتبية الألوان ، فباتت الأزياء الجديدة والمستحدثة أكبر حجماً من أن يملؤها أحدهم بقوة حنجرته أو طول ذراعه ، ولكنها على حال ، الثورة التي تتسع للجميع فتضمهم تحت عباءتها فيخرجون لاحقاً من أكمامها كأنبل ما يكون عليه المرء من حميد الخصال والمشاعر ويولد الجميع من جديد حاملين الأسم الأزهر والأبقى والأكثر جاذبية وحصرية في عالم الثورات الشعبية وهو إسم ( الثائر ) ، وللحديث تتمة .

2011/07/26

(2) أبو الهول ثائراً


بقلم : ياسر حجاج
هكذا إذن .. لا تندلع الثورات الشعبية من باب المحاولة لممارسة ترفاً فكرياً أو حركياً ، او كسراً لحالة من الملل أو الإسترخاء الجماعي ، فالثورات تقوم فعلاً لدواعي جدية وحقيقية بغرض إحداث قدر من السيولة لمعالجة تجلط الرؤى والأحلام في جسد الأوطان ، ورغبة في إنهاء العمل بتفاعل كمياء العلاقة غير المتكافئة بين الذئب والحملان ، والشعوب في الحقيقة ليست بالضرورة صاحبة فن في هذا النوع من المعالجات ، إنما يندفع أكثرهم لأغراض عديدة ومتباينة ليس غايتها النهائية سوى الرغبة في تغيير قواعد اللعبة ، بحيث لا يبدو الأمر فيها دائماً وكأنها مباراة من طرف واحد ليست الشعوب فيها سوى الجانب المنهزم دائماً .

وبقدر ما تكون الآلام موجعة وطويلة ، يكون النفس الشعبي حيالها عميق وحار ، وفي تقديري أن الثورات الشعبية التي تأتي بعد ليل طويل من المعاناة والمكابدة،  وعلى الرغم من كونها تعبر وبكل شغف عن مكامن المرؤة في نفوس الناس ، فإنها تعبر كذلك وبشكل ما عن أن هذه المرؤة المنتفضة قد خلدت إلى الإسترخاء زمناً طويلاً ودخلت - وإن كانت مضطرة - في طور اللا وعي الطويل ، وعندما بلغ الأمر بالشعوب مبلغه وصار الإسترخاء هو والموت بمعنىً واحداً ، وأن الحياة بصيغتها الراهنة لا تختلف كثيراً عن اللا حياة ، يهب الناس إزاء ذلك للسير في إتجاه عكسي لحركة الزمن الرتيبة ليس فحسب بغرض للدفاع عن حرياتهم ، وإسترجاع حقوقهم بقدر هبتم للتأكيد على أن ما يجري في عروقهم دماً حاراً ، وليس ماءاً بارداً .

والثورة كذلك هي بمعنىً من المعاني ، نوع من الثأر، فالشعوب وبعدما إبتلعت على مضض ومرغمة كل أنواع الهزائم ، وأضحت على أثر ذلك متخمة بالتراجع ، تراها تدخل بعد حين في مرحلة التشبع في حدها الأقصى ، وتضحى غير قادرة على مضغ المزيد ، فتقرر في لحظة ثورية فارقة ، أن تتقيئ كل إحباطاتها وتقلب الطاولة في وجه الجميع ، وعلى نحو تراجيدي أحياناً متجاوزة به حتى الخط الذي يعيد إليها عافيتها ونبضها ، ولأن الثأر يشكل لوناً لافتاً وغير مفهوم أحياناً لدى قطاع غير قليل من المصريين ، فإنه يظل يراود أفكار الكثيرين منهم ، ويضغط على مخيلتهم من أجل إنفاذه في حق من يعتقدون أنه إستلبهم شرفهم وكرامتهم .

إن الهبات والإنتفاضات الشعبية تحمل في البدء ، معنى الثورة على دواخل المنتفضين أنفسهم قبل غيرهم ، وكأنهم يريدون بفعلهم تحرير منابت مرؤتهم ، وإطلاق سراح إنسانيتهم التي تيبست من أصفاد السكون والتعامي والإسترخاء الطويل ، ومن هنا ربما تأتي الأهمية المتعاظمة للعكوف بجد وإجتهاد على إعداد كشف حساب سريع ودقيق ومتجدد مع النفس ، ومع الغير لا من أجل العمل على إستئصال أيقونات ورموز الفساد وحسب ، بل وقبل كل شئ البحث في الأسباب التي دعت كل واحد منا إلى أن يصم أذنيه عن سماع أنين المعذبين ، ويعصب عينيه ، فلا يرى المخازي والمآسي ، ويحجر على لسانه فلا ينطق بالحق في وجه الذئاب الظالمة ، إن كشف حساب من هذا القبيل ربما يكون كفيلاً بالوصول إلى حالة صحية مجتمعية على المدى البعيد ، ذلك أن معالجة الأمراض رغم ضرورتها المنطقية ، فإنها يجب ألا تُشغل الطواقم الطبية المعالجة عن النظر بجد في الأعراض التي سبقتها ، وبخلاف ذلك سيظل الوطن كله في حالة موت إفتراضي يشكل المواطنون فيه وبشكل رئيسي أكبر نسبة من شعوب العالم تعيش متصلة بأجهزة تنفس صناعي ، بحسبانها غائبة عن الوعي .

بدت لي الثورة المصرية كحال لوحة فنية ، أبى كل الفنانون الثوريون ، وحتى غير الثوريين منهم ، إلا أن يخطو بها خطاً ولو بدا غير متسق ، أو رسماً وإن كان غير ذا دلالة ، أو بقعة لون وإن كانت صارخة ، وأراد كل منهم وعلى طريقته أن يسجل شهادته على الثورة ، ويوثق وفق رؤاه الإبداعية الثورية الخاصة به معنىً مفاده : لا تنسوا ... فلقد مررت من هنا ، مشيراً إلى ميادين الثورة ، وللحديث تتمة .

2011/07/21

(1) أبو الهول ثائراً

بقلم : ياسر حجاج
في تاريخ الشعوب والمجتمعات ، تعد الثورات بمثابة الإنعطافات الحادة والنتؤات البارزة والأخاديد العميقة ، ولكونها كذلك فإنها هي التي تعيد رسم الخارطة التاريخية والجغرافيا السياسية لهذه الشعوب وتلك المجتمعات ، والثورات على تنوع مشاربها ، وإختلاف أمزجتها تعمل بقصد ومن غير قصد أحياناً على إعادة تموضع المشاهد ، وضبط زوايا الرؤية ، مع مزج مستحدث لألوان الطيف داخل مجتمعاتها ، بل والعمل كذلك - إن أمكن - على صياغة الأحاسيس والمشاعر من جديد .

مرة أو مرتين في عمرك قد تعاين ثورة رأي العين هنا أو هناك ، وقد ينقضي عمرك كله دون أن تعاين أي ثورة ، وبالتالي فلن تقف على مشاهدها ، ولن تتبع نتائجها وأثارها في نفسك وفيمن حولك ، فالثورات في عمر الشعوب هي حالة إستثنائية على قاعدة الجمود والرتابة والبرودة ، ولكونها إستثناءاً بهذا المعني فإنها غالباً ما تٌحدث درجات متفاوتة من السيولة والمرونة والحرارة ، ولأن الثورات إستثناءاً فلا تتوقع منها إلا منطقاً إستثنائياً ، ومساراً إستثنائياً ، وخصومة إستثنائية أيضاً .

في عصر الثورات يخالُ المرء أن كل شئ يثور من حوله ، الناس ، والكائنات ، وحتى الجمادات ، فيندر حينئذ أن يظل شئ على حاله ، دون أن يتلبس بهذه الحالة الثورية بدرجة أو بأخرى ، فالكل إما ثائر بذاته أو هو قابل للتفاعل مع هذا الحس الثوري من خلال تلك الأنفاس الحارة الثائرة ، التي تعلو كما الأبخرة والتي تعود فتهبط على كل كائن بقدر يتفاوت بمقدار ما يسعه صدره أو تستوعبه رئتاه فينتقل معها وبها من حالة شهيق ثورى ، إلى حالة زفير أكثر ثورية وسخونة .


ولأن الثورات لا يقوم بها غالباً الشعراء أو الفنانون أو الرومانسيون وحدهم ، فلا تنتظر منها أن ترسم لك المشاهد التي تود أن تراها ، ولا أن تعزف لك الألحان التي يطيب لها سمعُك ، فالثورة لوحة كبيرة ، بالغة الطول والعرض ، بالغة العمق والتعقيد أيضاً ، فتتقاسم اللوحة كل اللغات وتتسع لكافة أوجه التعبير ، وتقبل برحابة كل أنواع الفنون ، الراقي منها والمبتذل ، وتحفلُ بكل من يخط بها خطاً ، فبها الخطوط المستقيمة الدقيقة ، وبها المائل والمتعرج ، عموماً سأترك هنا بعض إنطباعاتي عن الثورة المصرية ، وردود أفعالي العفوية تجاهها تسرعاً وتأملاً ، وللحديث تتمة .

2011/03/23

(9) هوى الإستبداد .. شرقي السمات


جمال الدين الأفغاني

( لا تحيا مصر ، ولا يحيا الشرق بدوله وإماراته إلا إذا أتاح الله لكل منهم رجلاً قوياً

عادلاً يحكمه بأهله على غير التفرد بالقوة والسلطان )

*****
عائلة الطغيان


(7) الديكتاتور العادل

نختتم عائلة الطغيان الكريهة بمناقشة هذا المصلح المحبب لدى البعض والذي ُيسمى أحياناً (بالمستبد العادل) أو (الطاغية الخير) ، فقد ظهر هذا المصطلح بداءة في الفكر السياسي الأوروبي للدلالة على نظام معين في الحكم في تاريخ أوربا الحديث ثم ما لبث أن إنتقل للشرق ، فالحل الحقيقي الذي إرتآه مثلاً جمال الدين الأفغاني لمشكلات الشرق إنما هو المستبد العادل الذي يحكم بالشورى ، فهو في كتابه (العروة الوثقى) يرد على القائلين بأن طريق الشرق إلى القوة يكمن في نشر المعارف بين جميع الأفراد .. وأنه متى عمت المعارف كملت الأخلاق وإتحدت الكلمة وإجتمعت القوة ، ويقول الأفغاني رداً على هؤلاء ( ... ما أبعد يظنون ، فإن هذا العمل العظيم إنما يقوم به سلطان قوي ماهر يحمل الأمة على ما تكره أزماناً حتى تذوق لذته وتجني ثماره ) .

والملك المستبد المستنير يكون مستنيراً بقدر ما يعتمد في حكمه لا على حق الملوك الإلهي بل على مفهوم العقد الإجتماعي أي عقد تبادل المنافع بين الحاكم والمحكومين ، ويكاد يجمع المؤرخون على إعتبار فريدريك الثني (الأكبر) ملك بروسيا هو النموذج الأول للملك المستنير ، إذ كان يعتبر نفسه الخادم الأول للدولة ويتصرف وكأن عليه تقديم كشف حساب عن عمله أمام مواطنيه ، فيتسامح في الدين ويهتم بالإصلاح القضائي وبإصلاح التعليم وتحسين أوضاع الفلاحين فهو ملك مستنير من هذه الناحية ، لكنه مستبد من زاوية أخرى وهي أنه ما من فرد أو جهة لها صلاحية أو حق مراقبة أعماله ، وهذا الخلط ما بين الإستنارة والإستبداد لخصها أحدهم بالقول ( لقد إختار الناس من بينهم من أعتقدوه أكثر عدالة لحكمهم وأفضل من يخدهم كأب ) ، وهنا يؤكد مؤلف كتاب (الطاغية) بأن مصطلح الطاغية الصالح أو الخير يجب رفضه منذ البداية ، ذلك أنه إذا كانت هناك فكرة واحدة في النظرية السياسية لا خلاف عليها فهي أن الطغيان هو أسوأ أنواع الحكم وأكثرها فساداً لأنه نظام يستخدم السلطة إستخداماً فاسداً ولقد لاحظ أرسطو بحق أنه ( لا يوجد رجل حر بقادر على تحمل مثل هذا الضرب من الحكم إذا كان في إستطاعته أن يهرب منه ) فالإنسان الحر لا يتحمل مثل هذه الأشكال التعسفية من الحكم إلا مرغماً ، ولهذا فإنه يندر جداً أن ُيذكر الطغيان بطريقة فيها مدح .

والسؤال المطروح هنا هو هل يجوز لمستبد بلغ ما بلغ من عدل وإستنارة أن يفرض على الآخريين أراءه وأفكاره بدعوى أنها تصب في صالحهم ؟ لقد طرح الفيلسوف البريطاني جون مستيوارت مل هذا السؤال في بحثه عن الحرية ثم أجاب عنه بالنفي القاطع فقال ( لا يجوز إجبار الفرد على أداء عمل ما أو الإمتناع عن عمل ما بدعوى أن هذا الأداء أو الإمتناع يحافظ على مصلحته أو يجلب له نفعاً أو يعود عليه بالخير والسعادة بل حتى لو كان ذلك في نظر الناس جميعاً عين الصواب وصميم الحق ، وحسب مل فإن القهر والإجبار والإكراه من جانب سلطة في سلوك الفرد أمر غير جائز على الإطلاق ما لم يكن تصرف هذا الفرد فيه مساس بالغير أو إلحاق الأذى بالآخريين ).

يُتبع

2011/03/12

(8) هوى الإستبداد .. شرقي السمات


عبد الملك بن مروان بن الحكم ( خامس خلفاء بني أمية )
بعدما صعد المنبر ليلقي خطبته الدستورية التي توضح سياسته القادمة قال :
( والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ، ثم نزل ! )
من تاريخ الخلفاء للسيوطي

***

عائلة الطغيان

(4) الشمولية Totalitarianism

الشمولية أو مذهب السلطة الجامعة شكل من أشكال التنظيم السياسي يقوم على إذابة جميع الأفراد والمؤسسات والجماعات في الكل الإجتماعي ( مجتمع - شعب - أمة - دولة ) عن طريق العنف والإرهاب ويمثل هذا الكل قائد واحد يجمع في يديه جميع السلطات وهو في الغالب شخصية كاريزمية Charismatic له قوة ساحرة في جذب الجماهير ولهذا يلقبونه بالزعيم ، ويطيعونه طاعة مطلقة ، ومصطلح الشمولية لم يستخدم إلا في أواخر الثلاثينات من القرن 20 ، ومن الأمثلة التي شهدت تطبيقات له إيطاليا في عهد موسوليني ، وألمانيا في عهد هتلر ، وأسبانيا في عهد فرانكو والبرتغال في عهد سالازار وغيرها ولقد عبر موسوليني تعبيراً جيداً عن هذا المذهب في خطاب ألقاه في 1925/10/28 بقوله ( الكل في الدولة ، ولا قيمة لشئ إنساني أو روحي خارج الدولة ، فالفاشية شمولية ، والدولة الفاشية تشمل جميع القيم وتوحدها ، وهي التي تفسر هذه القيم ، إنها تعيد صياغة حياة الشعب كلها ) ، وعلى ذلك فالدولة الشمولية لا تقبل بمبدأ الفصل بين السلطات أو بأي شكل من أشكال الديمقراطية التي عرفها الغرب ، فلا رأي ولا تنظيم ولا تكتل خارج سلطة الدولة ، والترجمة الحقيقية للديمقراطية في المذهب الشمولي هي أن إرادة القائد أو الزعيم هي إرادة الشعب .


(5) السلطة المطلقة Absolutism

مصطلح السلطة المطلقة يعني الحكومة المطلقة نظرياً وعملياً ، أو هي تلك الحكومة التي لا يحدها حد من داخلها ، والواقع أن هذا المصطلح لم يعد له معنى محدد الآن فهو يستخدم على نحو فضفاض ليدل على حكومات تمارس السلطة بلا مؤسسات نيابية أو كوابح دستورية ، وعلى الرغم من أن هذا المصطلح أصبح الآن في ذمة التاريخ ، بمعنى أنه لم يعد أحد يناقشه في العالم المتقدم سوى المؤرخين ، فإنه لا يزال جديراً بالدراسة الفاحصة في دول العالم الثالث التي تتقلب عليها أشكال مختلفة من الحكم المطلق في صور متنوعة .

(6) الأتوقراطية Autocracy

مصطلح يعني الحاكم الفرد الذي يجمع السلطة في يده ويمارسها على نحو تعسفي ، فقد يكون هناك دستور ، وقد تكون هناك قوانين تبدو في ظاهرها أنها تحد من سلطة الحاكم أو ترشده ، غير أنه في الواقع يقدر أن يبطلها إذا شاء أو يحطمها بإرادته ، ومعظم المنظرين يعتقدون أن الحكم الأتوقراطي يتطلب تركيز السلطة في يد شخص واحد لا في يد جماعة أو حزب أو مؤتمر ، فحكم الطغيان الذي مر معنا من قبل يمكن أن يوصف بأنه أتوقراطي ، كذلك حكم اباطرة الرومان ولا سيما في العهد البيزنطي ، كما نجد تطبيقاً للنزعة الأتوقراطية في المعتقدات القديمة المتعلقة بالطبيعة الإلهية للحاكم أو لحق الملوك الإلهي ، بل يمكن أن توصف بها أنظمة متعارضة أتم التعارض ، فحكم قيصر روسيا قبل الثورة كان حكماً أتوقراطياً ، وبالمثل كان حكم ستالين .

ُيتبع

2011/03/11

(7) هوى الإستبداد .. شرقي السمات


ملك بروسيا فريدرك الثاني ( الأكبر )
( لقد إنتهيت أنا وشعبي إلى إتفاق يرضينا جميعا ، يقولون ما يشتهون ، وأفعل ما أشتهي )

***
عائلة الطغيان

(2) الإستبداد Despotism

كلمة المستبد مشتقة من الكلمة اليونانية ديسبوتيس Despotes التي تعني (رب الأسرة) أو سيد المنزل أو السيد على عبيده ،ثم خرجت من هذا النطاق الأسري إلى عالم السياسة لكي تطلق على نمط من أنماط الحكم الملكي المطلق الذي تكون فيه سلطة الملك على رعاياه مماثلة لسلطة الأب على أبناء أسرته أو السيد على عبيده ، وهذا الخلط بين وظيفة الأب في الأسرة التي هي مفهوم أخلاقي ووظيفة الملك التي هي مركز سياسي يؤدي في الحال إلى الإستبداد ، ولهذا يستخدمه الحكام عندنا في الشرق للضحك على السذج ، فالحاكم (أب) للجميع ، أو هو (كبير العائلة) ، وهذا يعني أن من حق الحاكم أن يحكم حكماً إستبدادياً ذلك أن الأب لا يجوز أخلاقياً معارضته فقراره مطاع وإحترامه واجب مفروض على الجميع ، والواقع أن الحاكم الذي يبرر حكمه (بأبوته) للمواطنين فإنه يعاملهم كما يعامل الأب أطفاله على أنهم ُقصر غير بالغين أو قادرين على أن يحكموا أنفسهم ، ومن هنا كان من حقه توجيههم ، بل عقابهم إذا إنحرفوا لأنهم لا يعرفون مصلحتهم الحقيقية .

كان الأباطرة البيزنطيون هم أول من أدخل مصطلح (الإستبداد) أو (المستبد) في قاموس السياسة ، إذ كانوا يطلقون لقب المستبد كلقب شرفي يخلعه الإمبراطور على إبنه أو زوج إبنته عند تعيينه حاكماً لإحدى الولايات .. ولكن ظهور مصطلح الإستبداد في قاموس الفكر السياسي في النصف الثاني من القرن 18 يرجع في الواقع إلى الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو الذي جعل الإستبداد أحد الأشكال الأساسية الثلاثة للحكم إلى جانب الحكومتين (الجمهورية والملكية) ، وأدان مونتسكيو الرق والإستعباد بكل صوره وأشكاله وإن إنتهى إلى أن الإستبداد نظام طبيعي بالنسبة للشرق ، وخطر على الغرب .

(3) الديكتاتورية Dictatorship

مصطلح الديكتاتور روماني الأصل، فلقد ظهر أول مرة في عصر الجمهورية الرومانية كمنصب لحاكم يرشحه أحد القناصلة بتزكية من مجلس الشيوخ ، ويتمتع هذا الحاكم بسلطات إستثنائية وتخضع له الدولة والقوات المسلحة بكاملها في أوقات الأزمات المدنية أو العسكرية ولفترة محدودة لا تزيد عادة على ستة أشهر أو سنة على أكثر تقدير ، ولقد كان ذلك إجراءاً دستورياً ، وإن كان يؤدي إلى وقف العمل بالدستور مؤقتاً في فترات الطوارئ البالغة الخطورة ، ومن هنا يتبين أمران أولهما أن هذا المنصب بمفهومه الروماني يختلف إختلافاً تاماً عن مفهوم الديكتاتور في العصر الحديث ، وأقرب مثال يقربنا من وظيفة الديكتاتور الروماني هي ( وظيفة الحاكم العسكري العام ) الذي يعين في أوقات عصيبة تمر بها البلاد بغرض إتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة ولفترة محددة فقط ، أما الأمر الثاني فهو أن طبيعة نظام دولة المدينة في روما كانت تقتضي إتخاذ مثل هذه التدابير الإستثنائية ذلك أن هذا النظام لم يكن يساعد على مواجهة الطوارئ المفاجئة كالغزوات والكوارث والمؤمرات .

أما مصطلح الديكتاتورية في الإستخدام الحديث فهو يعني النظام الحكومي الذي يتولى فيه شخص واحد جميع السلطات وبطريقة غير مشروعة غالباً ، وهو بهذه المثابة لا يكاد يختلف إختلافاً كبيراً عن مصطلح الإستبداد ، وكما أن الطغيان قد يكون لفرد أو جماعة ، فإن الديكتاتورية أيضاً قد ُتطلق على الجماعة كما الفرد وأكثر الأمثلة قرباً لذلك ما ُيسمى ( بديكتاتورية البروليتاريا) أي الطبقة العاملة وهو مصطلح إستخدمه المفكر الروسي كارل ماركس والذي تبناه غيره ممن رأوا حاجتنا إلى ديكتاتورية ثورية ، ولم يوضح ماركس أبداً ما الذي يعنيه بهذا المصطلح فهو أحياناً يتحدث فقط عن (حكم البروليتاريا) ، ثم إتخذ المصطلح فيما بعد دلالات واسعة في الفكر الماركسي ليدل على طبيعة ومشروعية سلطات الدولة خلال فترة التحول من الثورة إلى المجتمع الشيوعي .

ُيتبع

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة