2012/07/17

ماذا يطبخون لمصر !!


دعونا نتفق بأن القريحة البشرية لم تتمكن بعد من خلق وسيلة أكثر نزاهة أو موضوعية من صناديق الإنتخابات كوسيلة لإستمزاج هوى ورأي جموع المواطنين في شأن من الشئون ، ودعونا أيضاً نتفق بأن ما تفرزه هذه الصناديق ليس بالضرورة أفضل الإختيارات ، وإنما ربما أقلها سوءاً أحياناً ، وعليه فإنك شئت أم لم تشأ فقد بات مرشح جماعة الإخوان المسلمين د./ محمد مرسي رئيساً لمصر ، وبصرف النظر عن رأيك الخاص في شخصيته ، فإن نسبة أكثر منك عدداً تراه خفيف الظل بهي الطلعة ، قادراً على قيادة الدولة ، بخلاف رأيك الذي تعتبره مهيئاً أكثر لملازمة منزله لمطالعة الصحف وتأدية فروض الصلاة بالمسجد المجاور .

لا ينطوي الأمر على التقليل من شأن الرجل أو الحط من قدره ، إنما هو تقرير واقع لما هو واقع بالفعل ، فهو على المستوى الإنساني الصرف قد يكون إنساناً رائعاً بحق ، قد تشعر بالسعادة لكونه جارك مثلاً ، أو زميلاً لك في العمل ، ولا يوجد بأس في أن تصطحبه إلى رحلة لقضاء مناسك الحج أو العمرة ، وسيكون أمراً معقولاً تماماً أن ترتبط به بعلاقة نسب أو مصاهرة ، أو تجمعكما جلسة لطيفة على المقهى وأنتما تتنافسان في مباراة للشطرنج أو الطاولة ، كل هذا وارد وحسن أيضاً ، لكن أن يكون رئيساً لدولة بحجم مصر ، هذا ما أراني غير قادر على هضمه حتى مع إستخدام أفضل أنواع عصائر الليمون .

منذ أكثر من أسبوعين وأنا أسائل نفسي عن إمكانيات هذا الرجل لكي يشغل هكذا منصب ، ثم أدركت ببساطة أنني إنما أسأل سؤالاً ساذجاً ، ذلك أن الرجل لا يمثل رؤيته الخاصة ولا مشروعه الخاص ، إنما يمثل رؤية ومشروع ظلا يعيشان في الظلام وفي أروقة السراديب لعقود طويلة ، وتعاقب على إعدادهما وطبخهما رجالات كثر ، منهم من مضى ومنهم من بقى ، فتم الدفع بصاحبنا ليشكل الواجهة السياسية البرتوكولية لإنفاذ الرؤية وتطبيق المشروع اللذين يجري إعدادهما خارج أسوار قصر الرئاسة ، وما على الرجل سوى إعداد المائدة وتقديم الأطباق  ، وإذا بدأت تشعر بالصدمة أنك لست بصدد أو إزاء رئيس فعلي يحكم ، فإنك على الأقل بدأت تعلم من هو الرئيس الذي يتحكم ، فما عليك سوى أن تيمم بصرك شطر منطقة المقطم لتدرك من هو الصدر الأعظم بمصر ، والذي لا يسكن بالضرورة في القصر ، فالعبرة دائماً بالمعنى لا بالمبنى ،  وبالمكانة لا بالمكان .

ينبني على النتيجة السابقة - رغم بساطتها - أمر هام يتجلى في أنك قد عرفت الآن إلى من يجب أن تتوجه إليه بحديثك ، فنحوا فخامة الرئيس المنتخب جانباً ، وأريحوه من سهام النقد ، وتوجهوا بدلاً من ذلك إلى فريق الطهاة بمقر جماعة الإخوان المسلمين ، وليس يخالجني شك أن معرفة الوقائع على حقيقتها مهما بدت صادمة أو مرة ، أفضل كثيراً من المناورة والمداورة فيما لا طائل من ورائه ، فهذا الرجل القابع في قصر الرئاسة - ولكي لا تحمله ما لا يُطيق - ليس سوى إسم يرد ضمن كشوف رواتب العاملين بهذا القصر والذي يستحق راتباً بنهاية كل شهر ، وتنحصر مهمته تقريباً في الجلوس بجوار الهاتف إنتظاراً لمكالمة من كبير الطهاة ، أو ترقباً لوصول رسالة مع مخصوص كُتب على مظروفها الخارجي ( عاجل ويُنفذ ) .

هل يستمر هذا الوضع كثيراً ؟ لا أدري ، فهذا يتوقف بالتأكيد على قدرة حواسك على الإستساغة ، وقدرة معدتك على الهضم ، فقط أود تذكيرك بأنه إذا أتى اليوم الذي تمل فيه الطعام ،  ثم قررت في لحظة غضب عنترية أن تقلب الطاولة بما عليها من أطباق ، أن لا تتوجه بالعتب والملامة إلى سفرجي القصر ، وإنما إلى الطهاة القابعين بمطبخ الجماعة .

2012/07/08

جماعة الإخوان المسلمين .. والشاطر حسن


من نوادر ما يروى عن حقبة الأستاذ حسن البنا "رحمه الله" هذه المحادثة القصيرة التي جمعته بمصطفى باشا النحاس رئيس وزراء مصر الراحل عندما لمس الأخير رغبة الأستاذ البنا في الإنخراط في العمل السياسي والترشح لعضوية مجلس النواب آنذاك ، فخيره النحاس باشا ما بين العمل الدعوي والعمل السياسي ، فأخبره الأستاذ البنا بأنه يريد الجمع بين العملين ، فقال له النحاس باشا ممازحاً بأن رغبته تلك لن تجعل منه الشيخ حسن ، بل الشاطر حسن .

هذه اللمحة القصيرة من حديث الأستاذ البنا والنحاس باشا – على بعد العهد بها نسبياً - تظهر وكأن الحديث كان وليد الساعة أو الأمس القريب فقط ، فهاهم أبناء الجماعة الآن يحملون على عواتقهم ذات الأمنية التي طالما راودت الأستاذ البنا ، ولم تتحقق قط في حياته ، فحمل ابناء الجماعة أحلام الماضي وذكريات الأمس بدموعه ودمائه ويمضون الآن بها صوب المستقبل دون أن يكلفوا أنفسهم عناءاً قليلاً يتمثل في التحلل من هذه التركة الثقيلة ، معتقدين أن مثل هذا التحلل سيعتبر بمثابة إنقلاباً على الأفكار والأهداف التي نشأت الجماعة من أجلها ، وأن التراجع عنها سيشكل إنتكاسة للمشروع الإسلامي الذي تقول الجماعة أنها تحمله للأمة ، فضلاً عما ينطوي عليه ذلك من خيانة لدماء شهدائهم وفي المقدمة منهم مرشدهم الأول ومؤسس الجماعة الأستاذ البنا ، فآثروا إلا الجمع بين العملين دعوياً وسياسياً ، مع ما لهذا من مخاطر تتمثل في إمكانية طغيان أحد العملين على الآخر ، وفي أفضل الأحوال خلط وتخليط بينهما بحيث يتماهى أحدهما في الآخر ، فلا تكاد تميز بين الدعوي والسياسي ، وينتهي الأمر بإضاعة الدعوى في دهاليز السياسي ، وإكتفاء السياسي بلافتة دعوية .

في تقديري أن جماعة الإخوان المسلمين – في جيلها الحالي على الأقل - تعد واحدة من أكثر الحركات الإسلامية التي مارست العمل السياسي حماقة ، إن لم تكن أكثرها حمقاً على الإطلاق ، ذلك أنه في إطار الحكم على جماعة أو تيار فإن الإهتمام ينصب في المقام الأول لا على المشروع الذي تتبناه هذه الجماعة أو ذلك التيار فحسب ، وإنما أيضاً على مدى إستيعابها لفكرة الزمن ودوران عجلة التاريخ ، فما كان جائزاً بالأمس ليس بالضرورة أن يكون ممكناً اليوم ، وأن ما صح العمل به في الماضي قد لا يكون بالضرورة صحيحاً الآن ، ذلك أن الأمر يتطلب قدراً أكبر من الحكمة في معالجة التطورات المتلاحقة التي تعج بها حياتنا المعاصرة بكل تعفيداتها التي لا تخفى على أحد ، وأنا هنا لا أطلب من الجماعة أن تتنكر لفكرتها الرئيسية ، أو أن تتبرأ من أبائها المؤسسين ، إنما فقط أن تعي المصلحة والمقاصد العامة والقواعد الكلية التي تقوم عليها فكرتها وأهدافها ، وضمن نطاق مصلحة الدولة المركزية ومصلحة المواطنين بها .

فالجماعة لم تُحسن أبداً البناء أبداً على  التعاطف الذي حظيت به قبل ثورة يناير 2011  ، ولم تحاول تغيير الصورة النمطية المتجذرة في أذهان الكثيرين ممن يختلفون معها فكرياً ، بل أنها وبغباء لا تُحسد عليه ساهمت في ترسيخ هذه الصورة ، بل وتسليط الضوء عليها أكثر فأكثر ، وأعطت لقطاع كبير من الناس ممن صوتوا لها ألف سبب وسبب ليلوموا أنفسهم أن كانت أصواتهم لهم في أول إنتخابات برلمانية بعد الثورة .

يحاول الإخوان إختزال التاريخ ، والقفز على حواجز طولها آلاف السنين هي عمر الدولة المصرية ، متوهمين أن هذه الدولة العتيقة قد دانت لهم ، وأن رفع رايات التدليس سيجعل جموع الشعب تلهث وراءها بلا أي وعي ، متناسين أو متوهمين أن المعدة المصرية قادرة على هضمهم كما هضمت من سبقهم ممن يفوقنهم حجماً ودسماً ، وسيأتي اليوم – لا أعلم متى – الذي تتمنى فيه جماعة الإخوان أن لو بقيت جماعة دعوية كما كان يتمنى المؤسس الأول والمرشد الأول الأستاذ / حسن البنا ، ولكن منهج الشطارة مازال هو المهيمن على لب الجماعة وفؤادها ، والإستحواذ بعد خرافة التمكين مازال سيد الموقف ، وإن أردتم التيقن فما عليكم إلا سؤال شاطراً آخر منهم .. إسمه خيرت .

شاطر يا خيرت

2012/07/04

سينما الإخوان

سكوووووت .. هنصور



منذ حوالي ثلاثون عاماً أو يزيد قليلاً عرض برنامج نادي السينما بالتليفزيون المصري فيلماً كوميدياً أمريكياً بعنوان ( كيف تقتل زوجتك ؟ ) للممثل الأمريكي الراحل جاك لمون ، وعلى أثر ذلك قام أحد المشاهدين بالكتابة إلى الباب المخصص لبريد القراء بجريدة الأخبار للتعليق على هذا الفيلم بقوله ( أن برنامج نادي السينما لم يكن بحاجة لعرض هذا الفيلم ، فنحن نعرف كيف نقتلها جيداً ) ، تبسمت وقتها وأنا أطالع الجريدة من خفة ظل هذا المشاهد الذي إستكثرعرض فيلم يعرف هو أكثر من كاتب السيناريو كيف ينجز مهمته بنفسه .

ولعل أهم ما في مقولة هذا المشاهد الرسالة الضمنية التي حوتها كلماته الطريفة والتي أظهرت في ظني أن العامة - كما يسموننا دائماً - ليسوا بالضرورة غائبون عن الوعي أو الإدراك ، بل أنهم وبصرف النظرعن ظروفهم المعيشية الصعبة ، فهم قادرون على الدوام على تلقي الرسائل مهما كانت مبهمة أو ملفقة ، ولديهم آلية عجيبة في تفكيك شفرتها ، ولديهم أيضاً المقدرة على الرد عليها بأساليبهم الخاصة وبشكل يتحدى أحياناً خيال أعظم الكتاب والمبدعين .
 
 
هذه الأيام تلح على ذهني كثيراً مقولة هذا المشاهد اللطيف محاولاً إسقاطها على واقع الأمة المصرية الحالي بعد أن تم إرتهانها منذ أيام قليلة من خلال جماعة الدائنين لحين سداد ثمن متأخر مع الفوائد منذ عام 1928 ، حيث يتعين على الجميع القبول بحالة وضع اليد على الوطن تمهيداً لسداد فاتورة الحساب مهما بدا الثمن باهظاً والفائدة فاحشة .

وكلما حاولت التحلل من هذه الملاحقة التاريخية التي إحترفت هذه الجماعة توظيفها ، فإنني أفشل في الدنو حتى من أقرب معامل للأمان ، فأترك لخيالي السفر قبل النوم ، وأمني النفس أن أشاهد نسخة معدلة من فيلم ( رصاصة في القلب ) .

2012/07/03

دين الله أم دين المرشد ؟


تكثر مرويات التاريخ التي تنقل لنا الواقعة التي كانت جزء من مشهد أدى لاحقاً إلى ترسيخ الحكم المطلق في دولة الإسلام ، وإقرار مبدأ توريث الحكم دون مواربة ، ففي قصر الخلافة بدمشق كان معاوية بن أبي سفيان يعد العدة لولده يزيد لتولي ولاية العهد ، ثم إمارة المؤمنين من بعده ليصبح خليفة للمسلمين ، ويبدو أنه كان يستشعر المعارضة لهذه الخطوة من قبل جمع من صحابة النبي صلي الله عليه وآله وسلم على إعتبار أن من بينهم من هو أحق بالخلافة من ولده ، وأن ترك الأمر لشورى جماعة المسلمين لهو خير من فرض خليفة عليهم بحكم الأمر الواقع ، إلا أن معاوية على الرغم من ذلك فتح قصر الحكم للوفود لتزكية ولده يزيد بولاية العهد ، وهي الخطوة التي لم يسبقه إليها أحد ممن تولى الخلافة قبله .

كان من بين الحضور في قصر الحكم رجلاً فيما يبدو أتى ممثلاً لإحدى الجماعات أو القبائل التي وفدت لمباركة خطوة معاوية بن أبي سفيان وتقديم بيعة مبكرة لولده ، حيث بادر الرجل الجميع بخطبة غاية في القصر.. آية في البلاغة ، إذا قال مخاطباً جميع من حضروا :-

( أمير المؤمنيـن هذا ) وأشار إلى معاوية .
( فإن هــــــــلك فهذا )  وأشار إلى يزيد .
( فمن أبـــــــى فهذا  )  وأشار إلي سيفه .
وهنا بادره معاوية بالقول ( إجلس .. فأنت سيد الخطباء ) .

كان الرجل في تأييده لخطة معاوية صريحاً ، واقعياً ، وربما حاداً ، لكنه لم يكن – بأي حال – لا مناوراً ولا متلاعباً ، بل أنه ومنذ اللحظة الأولى أفصح عن موقفه بوضوح ودون أن يضطر إلى مماحكات ومناكفات وتطمينات ولا حلول وسط ، ولا أعتقد أن واحداً منكم سيكون بحاجة لبذل جهد إستثنائي لفهم مراد الرجل .

وأنا في الحقيقة أرتاح أكثر إلى هذا النمط من التفكير ، فمن تقابلهم في حياتك على هذه الشاكلة ، وإن بدوا لك مباشرين أكثر من اللازم سيكونون أيسر في التعامل والتعاطي معهم من حيث وضوح الرأي الذي يتبناه أي منهم ، أو حدود القضية التي يدافعون عنها ، وسيسهل عليك بالتالي مناقشتهم أو مناظرتهم ضمن أطر واضحة وليست مائعة أو ملتبسة ، ومن حقك بطبيعة الحال أن تختلف أو تتفق مع هذا الصنف من الناس كيفما شئت ، ولكن صدقني ستشعر في مرحلة ما أنك تمارس مبارزة مع فارس عاقل متصالحاً مع نفسه ، متسقة مواقفه مع أفكاره ، يعرف ما يريد ، ويدافع عما يريد بكل قوة ووضوح .

ولعل أهم ما لفت نظري في هذه الواقعة أن الخطيب سالف الذكر لم يلعب على وتر المشاعر الدينية للحضور ، إذ كان بوسعه مثلاً أن يُذكر الجميع بأن من تُطلب له البيعة في هذا المقام هو إبن لأحد كتاب الوحي ، وأن عمته هي زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإحدى إمهات المؤمنين وذلك بنص القرآن الكريم ، وأن لأبيه من المناقب ما له ، لكن الرجل آثر فيما يبدو الولوج مباشرة إلى صلب القضية ومربط الفرس دون المرور على تخريجات أو حيل ممجوجة .



نسيج آخر من الناس يسيرون صوب ذات الهدف وهو هنا الزعامة أو الرئاسة أو التمكين بمفهومه العام والشامل ، إنما هذه المرة بطرق إلتفافية وغير نزيهة ، فهم في مسيرهم يعرجون بك أولاً على المضامين والتأويلات ، ويستدعون لك كل الرموز التي تقتل في نفسك وبشكل مسبق أي نية للمعارضة أو التحدي أو حتى مجرد النقاش ، حيث يجري بغرابة شديدة تاويل النصوص ذات القدسية والمكانة العالية في نفوس المؤمنين بها لتتناسب والغاية التي ينشدونها ، فلا تملك أنت حيالها سوى التصديق والقبول والإقرار ، ومن ذا الذي يملك في نفسه شجاعة الوقوف حيال نص مقدس أو حتى رمز ديني معتبر صُور له إفتراءاً أنه يناسب واقع الحال أو المآل ؟ .

وبعد فترة تنطلي الخديعة على بسطاء الناس وعامتهم ، فيُعاد بخبث إعادة تموضع عمل حواسك الخمس ، وتغيير مواطن الفهم والإستشعار داخلك ، وعليه فإنك – وفي ظل هؤلاء - لن تبصر بالضرورة بعينيك ، ولن تسمع حتماً بأذنيك ، وستكون مطلقاً من كل قيد يفرضه عليه عقلك أو توجهه إليك فطرتك السليمة ، وتصبح يقيناً ضحية لذوي الوجوه الباردة منزوعة الملامح ، ويخبرك التاريخ المدهش أن أصحاب هذه الوجوه على تباين الحقب التي عاشوا فيها ، فأنهم غالباً ما إستخدموا ذات الوسائل والحيل ، وأياً ما كانت درجة التقدم الفكري الإنساني أو تخلفه في عهد من العهود ، فإن ذات البضاعة لطالما كانت جاهزة للتسويق والعرض متى دعت الحاجة إلى ذلك ، فيستخدم الدين كمحرض مثلاُ على الثورة أو التغيير ضد الأنظمة الفاسدة والمستبدة ، وهو ذاته الذي يُستخدم أحياناً للإبقاء على هذه الأنظمة وتبرير إستمراريتها .

إن دين الله يجب أن يظل بمنأىً عن التلاعب والتوظيف والصفقات ، فهذا الرابط الروحي الشفاف بين الله وخلقه أكثر نبلاً من ألاعيب بعض الساسة المتأسلمون المتماحكون المتوائمون المدلسون الكذابون ، فليأخذوا الرئاسة ويتوسدوا مساند الحكم كيفما رغبوا أو شاءوا ، ولكن لا يقولون لنا أن هذا كان عهد الله لهم ، أو أنهم أبناء الله أو أحباؤه .

2012/06/26

أم الدنيا .. أم العجائب

مين ده !!!


صنف من الناس الآن يستعد لتصدر المشهد في مصر بعد إنتخابات رئاسية لم يكن من المنطقي ألا يفوزوا بها تحت وطأة التهديد والوعيد ببحور من الدم والنار أتى ذكرها على ألسنة نفر من قادتها البارزين ، وقد حبس الناس أنفاسهم إنتظاراً للمجهول الذي يطل برأسه من مكتب إرشادهم ، حتى أتت اللحظة التي أعلن فيها فوز مرشحهم بمنصب الرئاسة ، فإرتاح جمع كثير من الناس ، وغضب آخرون ، فوضعت الفتنة أوزارها حتى حين ، وبدت لي مصر كورقة صفراء ذابلة لم تعد تقوى على البقاء فوق غصن مهترئ ، فأسلمت نفسها – طوعاً أو كرهاً – لعبث جماعة لا يشغلها سوى اللهو والمرح مع طقس لعوب .
  
وعلى عكس ما يعتقده الكثيرون فإن الجماعة التي فازت بالمنصب الأرفع في مصر هي الخاسر الأكبر في هذه الإنتخابات ، ذلك أن مقتضيات الربح لا يُنظر إليها بالضرورة من ناحية إرتفاع أرقام الجانب الدائن في حساب النتائج ، إنما يُنظر وبشدة كذلك إلى حساب الجانب المدين في هذه العملية الحسابية المعقدة ، لاسيما إذا كان جانب المدين محملاً بخطايا أخلاقية وإنسانية .

إن الأرقام لا تكذب ، هذه حقيقة ، ولكنها ليست بالضرورة هي الناتج الصحيح لعملية جرى فيها كم هائل من المغالطات على كل صعيد ، وفي كل إتجاه ، وأظهرت النتائج ومن قبلها المشاهد والوقائع أن التدليس والكذب والإفتراء ما كان ليفضي إلا لهذه النتيجة الصادمة ، ومرة أخرى تثبت الجماعة للمتابعين لها أنها لا تتعلم من أخطائها قديما أو حديثاً ، وأنها لم تبلغ بعد سن الرشد ، فشبقها المحموم للسلطة أدار رأسها وأخمر عقلها ، فأطاحت بأذرعها وسيقانها في كل إتجاه ، فلطمت من لطمت ، وأصابت من أصابت ، وقامت بتصدير بضائعها ذات المكونات القلقة إلى قطاع كبير من المصريين .

نعم .. قد تستمر الجماعة في السلطة لبعض الوقت ، ولكن أوان سداد الفواتير سيحين بلا شك بعد أن يتيقن الجميع أن ممارسة القمار الفكري والسياسي والديني أحياناً لن يكون مجدداً على منضدة بعرض الميادين والأوطان ، وأن الشعوب مهما كانت درجة معاناتها لن تتحمل طويلاً العيش على حافة المنحدرات ، ولا السير في الطرق المتعرجة بحسبانها أقصر الطرق لبلوغ المراد ، ولن تكون لعبتها المفضلة هي العبث بأعواد الكبريت ، كما ستمل الشعوب من خديعة خلط المقدس بالمدنس ، وإصطحاب الحق في نزهة لفظية مع الباطل ، وسيأتي من يقول لهم وبأي سبيل متاح ( هذه بضاعتكم .. رُدت إليكم ) .

 إن رحله التيه مع الجماعة ستستمر لبعض الوقت ، ولا يغرنكم المتانة الظاهرة لقوارب إبحارهم ، وتوفر أطواق النجاة بها ، ووجود بوصلة صالحة للعمل ، مع نشرات جوية مشجعة ، لأن المشكلة ستبقى في الملاح ذاته الذي تتشابه لديه خطوط الطول والعرض ، فيؤثر الإبحار على تلال الرمال وأكوام الصخور المتاخمة للشاطئ بحسبان الماء واليابسة شيئاً واحداً .

وأياً ما كانت مشاعري وأرائي فإني مصر مازالت لديها القدرة على الإدهاش والتفكر ، ففي مصر فقط :-

-  يزيد الإيمان وينقص أمام صناديق الإنتخابات .
- ربما تكون آخر من يبذر ، ولكنك ستكون أول من يحصد .
- تستطيع أن تكون متعاطياً للمخدرات ويمثل موتك أيقونة ثورة .
- يُلعن فرعون في الصباح ، ثم يبيت الجميع سكارى في حديقة قصره .
- لا يهم أن تكون مجهولاً خامل الذكر ، مادام بوسعك أن تكون رئيساً للجمهورية .

2012/05/29

أنظر حولك !




 تومارس كارليل
كاتب ومؤرخ إستكتلندي

( اجعل من نفسك شخصاً نزيهاً
وسوف تتأكد من أن عدد الأوغاد في العالم قد نقص واحداً )

لسوء حظك لا يقدم توماس كارليل هنا كتيباَ يتضمن السلوكيات والتصرفات التي إن إجتنبتها إنتقلت من قائمة الأوغاد إلى حيث قائمة أصحاب النزاهة الذهنية والسلوكية ، ويبدو أن ليس بوسعه ولا بوسع غيره أن يفعل ذلك بسهولة ، ذلك أن الإنسان منا لديه مقدرة عجيبة ومتجددة على إبتكار أنواع عديدة من الأنماط السلوكية الجانحة ، والمفرطة في غرابتها أحياناً والتي ما كانت لتدور بخلد من سبقه مهما كان خياله خصباً ولديه المقدرة على التوقع ، فكان من الطبيعي بناء على ذلك أن يقدم لك كارليل – بدلاً من ذلك - وصفة عامة دون خوض في التفاصيل ، وحسناً قد فعل ، لأنه بذلك يكون قد ترك لك مسافة تتحسس من خلالها أنماطك وسلوكياتك وردود أفعالك وإنفعالاتك .

من ناحية أخرى تتجلى عبقرية هذه المقولة في ترتيب صياغتها ، فقائلها مثلاً لم يقل لك إبتداءاً .. لا تكن وغدا .. فهو يعتقد انك كذلك بالفعل ، إنما حثك على أن تكون من بين أصحاب النزاهة ً، فأنت - بحسب كارليل - وغد مفترض إلى أن تتجه إلى الضفة الأخرى ، صحيح أن كارليل لم يقل لك كيف تفعل ذلك ، ولم يساعدك ولم يقترح لك سبل وحلول مجربة ، إلا أنه على أي حال - فيما أظن – قد حرضك تحريضاً مرحاً لتفكر في الأمر بجدية وتبحث بنفسك عن السبل المؤدية إلى أن تكون من بين أصحاب النزاهة ، وترك الأمر لك لستقصي بنفسك السبل المعينة لك على معالجة الداء الذي تعاني ، هذا بالطبع مع إفتراض جدلي أنك – من حيث المبدأ - تشعر بوجود هذا الداء أو تستشعر أعراضه ، فإن لم تكن تشعر به أو تستشعره فإن هذا المقولة لن تقدم لك جديداً .

وتشير المقولة – حسب فهمي – إلى أن القاعدة السلوكية لعموم البشر هي جنوحهم الفطري إلى الغوغائية وعدم الإنضباط الذهني والسلوكي ، وفي هذا الأطار فإنه بوسعك بالطبع إختبار هذه المقولة على واقع الحال ، فتستطيع مثلاً أن تتصفح وجوه من حولك وأن تدر خاطرك ولو قليلاً في الظاهر من مسالكهم ، وأن تقف على تفاصيلهم وإن بدت لك صغيرة أو ضئيلة ، وصدقني ستجد نفسك مدفوعاً في مرحلة ما إلى التفكير في هذه المقولة ملياً ، والأمر من بعد متوقف في الحقيقة على المعيار الذي تقيس به مسالك الآخرين ممن تعرف أو لا تعرف .


ولا تنسى في زحمة تصفحك لوجوه الأخريين أن تدير منظارك أو عدستك إلى الداخل أي إلى حيث أنت شخصياً ، وبشكل شبه مؤكد ستتأكد من أن كارليل كان يعنيك أنت بمقولته بصورة من الصور ، وكلما كنت أميناً مع نفسك ومتصالحاً معها فإنك ستجد كذلك أن لست أقل غوغائية أو حمقاً من الآخريين ،  وأرجوا أن لا  تتفاجئ إذا وجدت أن مقولة توماس كارليل هذه لها نصيب كبير من الصحة خاصة عندما تطالع مرآة حمامك .

والغريب أو الطريف أنك قد تجاهد نفسك في أن تكون شخصاً نزيهاً بالفعل ، وقد يُكتب لك النجاح في شأن ذلك ، إلا أنك قد تتحول  – دونما شعور منك أحياناً – وبفعل بعض الأفكار النمطية إلى وغد كبير ، ذلك أنك في النهاية إبن مجتمعك وسليل ثقافته ، فإذا كنت تعتقد أن الأتربة لا تعلق أبداً بنوافذك ، وأن الضجيج مصدره بيت جيرانك ، وأن كل الشرور تسكن في شوارعك الخلفية ، وأن فقط وطنك نظيف..هادئ..خير..وطاهر ، وأن وجهك دون كل الوجوه يستحق إشراقة الشمس ، فإنك ورغم نزاهتك السلوكية البادية وحسن نواياك فأنت معنياً ربما أكثر من غيرك بمقولة كارليل الرائعة .


إن النزاهة الحقيقية هي الشعور الذي يجري داخل كل نفس منا فتحثها على التنزه عن مواطن الحمق والزلل ، وكل ما من شأنه أن ينال من مرؤتها ، وبقدر تمكن هذا الشعور من النفس وهيمنته عليها يكون الحكم على مقدار نزاهة الفرد سلوكياً وذهنياً ، ولن ينطوي الأمر في تقديري على مبالغة إذا حاولت قبل نومك أن تعدد عشرة أسماء نزيهة ممن تعرف ، ثم تتفاجىء أن النوم قد غلبك قبل أن تصل إلى الرقم أربعة .

2012/03/25

مهلاً




برتراند راسل
فيلسوف وكاتب إنجليزي

( لن أموت أبداً دفاعاً عن قناعاتي .. فقد أكون مخطئاً )

بقلم : ياسر حجاج

عزيزي .. عزيزتيِ

هذا هو إذن دأب المفكرين الحقيقيين ، الذين مهما تعاظمت تجاربهم وخبراتهم ، فإنهم دائماً ما يضعونها على موائد البحث والتجريب ، ولا يرسلونها هكذا لك معلبة وجاهزة للإستخدام الفوري ، مع عبارة أنيقة تقول ( لم يثبت وجود أية أعراض جانبية ) ، بل هم على العكس وبكل تواضع الكبار وعلمهم يقولون لك .. حسناً .. هذا ما بدا لنا ، وعليك كمتلق أن تجيل البصر والفؤاد فيما تقع عليه عيناك ، وما يخالط سمعك ووعيك ، فتأخذ منه ما تعتقد أنه يستحق الوقوف عنده ، وتطرح عن كاهلك كل ما عداه .

في تقديري وبخلاف الأمور العقائدية الكبرى والثابتة ، فإنه لا توجد قضية منتهية وحاسمة ، فكل رأي جديد أو إجتهاد مبني على منطق معقول ، هو بمثابة فصل جديد مضاف إلى هذه القضية ، ومن هنا تأتي ربما أهمية الإدراك أن الرأي مهما بلغت وجاهته ودقة أسسه ، لا ينبغي النظر إليه بحسبانه خاتمة المطاف ، أو اللبنة الأخيرة في البناء ، فقد يأتي من بعدك من يجرد رأيك من منطقه ، أو يثبت مثلاً تناقضه ، أو يُريك أن مقدماتك لم تكن لتتسق مع نتائجك ، وأن ما حسبته نوراً ساطعاً كان في أفضل الأحوال بقعة ضوء خافتة ، وعليه فإني أتصور ولتجنب ذلك ، يجب أن نحتاط دوماً في إبداء أراءنا بشكل حاسم أو جازم ، فنبتعد قدر الإمكان عن التأكيد في موضع يغلب عليه الظن ، وعن الحسم في مواضع الإحتمال ، وذلك عن طريق تخير الكلمات وضبط الألفاظ والمصطلحات ، أعلم أن الأمر ليس على هذا النحو من التبسيط ، ومن هنا تاتي ربما أهمية المران وترقب النتائج .

(في ظني أو تقديري) ، (من المحتمل) ، (قد يكون) ، (لعله كذلك) ، (ربما) ، (قد يبدو الأمر على هذا النحو) ، (لا أعلم على وجه الدقة أو اليقين) ، (في الأمر نظر) ، (حسب فهمي للموضوع) ، (وفق إجتهادي) ، (من المرجح) ، (أرى ما لم أكن مخطئاً ( إن إستخدامك لألفاظ أو عبارات إحترازية من هذه النوعية قد يكون له فوائد عديدة من بينها الإنعكاس الإيجابي على شخصيتك ذاتها والتي ستتعود على التوقف أمام القضايا الخلافية غير المنتهية ، في محاولة لمزيد من البحث والتعمق ، قبل الخروج على الآخريين برأيك ، والفائدة الأهم تتمثل في أنك لم تصادر حرية غيرك في تقييم ما يصدر عنك من أراء وإجتهادات ، فالشرور على وجه العموم إنما تنبت من الجنوح إلى الإستبداد بالرأي ، مهما بدا بحاجة إلى مراجعة وإعادة نظر ، كما أن نظرة عابرة وسريعة في فضاء المكتوب والمسموع والمشاهد ، سيشي لك بالشطط الحاصل في آليات الحوار بين الجميع ، فلا مصطلح منضبط ، ولا عبارات دالة على المضمون ، ولا تحوط ولا تواضع في إبداء الأفكار ، فالكل - إلا من رحم ربك - يريد أن يكون حازماً حاسماً قاطعاً منهياً للقضية بنفسه ، مستأثراً بالنقطة التي هي بنهاية كل السطور ، ونتيجة لهذا الجنوح ربما ظهرت عوارض لتضخم الذات لدى قطاع كبير ممن تقرأ لهم أو تسمع منهم أو تشاهدهم ، وباتت العبثية إلى حد كبير تمثل عنوان المرحلة الراهنة .


فأنت إذا كنت ذا رأي معتبر ، وصاحب تجربة معقولة في شأن من الشئون ، فلتجعل رأيك هذا محاطاً بقدر من الإحترام ، بالتنويه بأنك لن تموت أو تناضل إلى الأبد من أجل هذا الرأي ، فقد تكون مخطئاً أو متجنياً أو مبالغاً ولو بدون قصد أحياناً .

2011/11/04

نظرة إلى الداخل


ألبير كامو
فيلسوف وأديب فرنسي



( ليست لوحاتك هي ما أحب ... بل رسمك )

عزيزي .. عزيزتي

هنا مقولة تُعظم من شأن النظر إلى ما هو خلف الخطوط والألوان التي وإن بدت جميعها بديعة للناظر فإن وراءها ولا شك إبداعاً من نوع آخر وهو المعاناة الإنسانية التي حركت خيالاً خصباً فدفعت صاحبه إلى أن يمسك بقلم أو ريشة ليخوض تجربة المخاض بشكل مختلف ، ومن البين أن المقولة لا تعالج حسب رأيي نوع أو لون خاص من الفنون رغم أن كلماتها لأول وهلة يظن معها القارئ أنها قاصرة على صنف واحد من الفنون ، ذلك أنه وبتدقيق قليل سنكتشف أنها تصلح لكل شأن في الحياة تقريباً ، فالمقولة فيها تحريض لطيف على تحسس الصور غير المرئية للوجوه والأشكال والأشياء عموماً ، وكلما كانت لديك قدرة على رؤية الأبعاد الأخرى – وإن بدت غائبة عن المشهد أو الصورة - كلما كان إنفعالك بها أكثر صدقاً وتأثيراً من أولئك الصنف الذين سقطوا أسرى الخداع البصري ، فما أروعك حقاً إن تمكنت من أن ترى الدموع تختبىء وراء صوت متهدج ، وما أروعك إن لمحت الأسى وراء شفاه بدت باسمة .

تصدق هذه العبارة ربما أيضاً في حق من يتجاوزون قوالب العبارات والجمل إلى حيث المعاني والمقاصد ، فسيكون من الجميل هنا أن تسمع ما لم يقله محدثك أو ما عجزت كلماته عن التعبير عنه أو البوح به ، وقد يكون من اللافت أن ترى مواطن الجمال في الأشياء التي تتبدى في عينيك مزرية أو مهملة ، فالجمال ساكن في كل شئ تقريباً ، كل ما عليك أن تحاول أن ترنو إليه بعينين برئيتين وجميلتين ومتصالحتين ، وساعتها قد تدرك أنك أضعت عمراً طويلاً في النظر لا في التبصر ، فقد يروقك الخط المستقيم ، ولكن المتعرج ليس بالضرورة منسخلاً من كل فضيلة ، قد تعلمك هذه العبارة أيضاً ليس فنون الغوص داخل تيارات المشاعر الإنسانية بحرارتها وبرودتها فحسب ، وإنما تعلمك ما هو أهم وأعمق وهو أن ألا تحسب الحرارة بالضرورة مجلبة للدفء ، ولا البرودة بالضرورة مجلبة لنزلات البرد والإرتعاد ، فالشئ أشياء والوجه أوجه ووجوه أحياناً .

2011/10/15

منتهى الحكمة



أبا إبيان
سياسي و دبلوماسي إسرائيلي

( الرجال والشعوب يتصرفون بحكمة بعد أن يستنفذوا جميع الخيارات الأخرى )


عزيزي .. عزيزتي

في طريق سعيه إلى الحكمة يرتكب المرء منا الكثير من الحماقات ، ولديه منطق معقول وحجج لطيفة تقوم على فكرة أن الأمر إذا كان يتعلق بأخطاء وعثرات هنا وهناك وصولاً إلى غاية محددة ودقيقة فلا بأس ، ذلك أن الحياة الإنسانية هي بشكل ما حقلاً لغرس ونمو التجارب والخبرات ، وما كان لأي منا أن يصل إلى غايته ومنتهاه إلا بتجريب واسع ونظر يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ ، وأن الإجتهاد مبرر طالما الغاية النهائية تستأهل هذا النوع من التجريب والنظر ، وأنه قلما يبلغ أحدنا حاجته على أية حال دون وقوع خسائر على الطريق .

في ظني أن مقولة أبا إيبان السابقة لا تعني هذا الصنف من الناس ، إنما ما تعنيه هنا هو أن البعض يروم الحكمة لا لذاتها وإنما لأنه ربما لم تعد لديه المزيد من الحماقات لإرتكابها ، وهذا هو الفارق بين أن تكون أخطاؤك مبررة أو متفهمة على اقل تقدير في سبيل وصولك لغاية على الأرجح تكون نبيلة أو مشروعة ، وبين أن يكون إستهدافك الحكمة التي تسعي إليها بمثابة الملاذ الأخير لإستنفاذك كل سبل الحمق الأخرى .

أحياناً تكون الحكمة على مرمى حجر منا ولا نكلف أنفسنا عناء خطوات قليلة لإلتقاطها ، ولربما نرمقها بأبصارنا ولكننا في الحقيقة لا نريد أن نراها ، ونفضل عوضاً عن ذلك أن نجوب الكرة الأرضية طولاً وعرضاً قبل أن نعود إليها من جديد بعد أن نكون قد إستنفذنا طاقة ووقت فيما لا طائل من وراءه ، إن قليل من التبصر والهدوء من شأنهما أن يعيدا إنتاج خلايا جديدة تساعد على الإقتراب أكثر وأكثر من باب الحكمة الكبير ، قد لا تلج هذا الباب ، قد لا تملك حتى القدرة على طرقه ، قد تعجز ربما عن الإحاطة بحدوده ، قد لا تساعدك قدراتك على مجرد النظر إلى مقابضه ومفاتحه ، ولكن لئن تكون أبعد قليلاً من أبواب الحكمة لهو أفضل بكثير من أن تكون قريباً جداً من أبواب الحماقة ، إن نظرة واحدة حولك وفيمن حولك ستثبت لك أن سحب الحماقة تكاد تغطي الجميع الذين يتفاوتون فيما بينهم فقط على مقدار ما يستوعبونه من هذه السحب الأمر الذي سينتج لك مشاهد متنوعة من اللا معقول واللا مفهوم ، يستوي في ذلك الأفراد والمجتمعات والشعوب .

على أية حال فقد ذكرتني هذه المقولة بأحد الحكماء الذي ناظر الإسكندر الأكبر فسأله :-

  • ماذا ستفعل بعد أن تغزو مصر ؟
  • قال سأغزو بلاد الفرس .
  • وماذا ستفعل بعد أن تغزو بلاد الفرس ؟
  • قال سأغزو بلاد الروم .
  • وماذا ستفعل بعد أن تغزو بلاد الروم ؟
  • قال سأستريح .
  • فقال له الحكيم ولما لا تستريح من الآن ؟

نعم .. فإذا كان بوسعك أن تسترح الآن ، فلما لا تفعل ذلك الآن ؟ وإذا أمكنك أن تشعر ببعض الغبطة والإرتياح الآن ، فلما المماطلة والتسويف ؟ إن اللحظة التي تنتظرها هي الآن وليست لاحقاً ، ذلك أن اللحظات اللاحقة في الواقع قد لا تأتي أبداً ، وإن أتت فأدركتك فلا توجد ضمانة حقيقية أنها ستكون لحظات راحتك وسعادتك .

*****

في الختام أقول أنه في زماننا هذا ليس من (الحكمة) أن تصف شخصاً ما بأنه (حكيم) ، غاية الأمر أن تصفه - إذا كان متسقاً ذهنياً وسلوكياً - بأنه (أقل حمقاً) .

2011/10/02

خبرة الإختزال


بليز باسكال
الفيزيائي والفيلسوف الفرنسي

( وددت أن أكتب خطاباً أقصر .. ولكن لم يكن عندي ما يكفي من الوقت )

بقلم : ياسر حجاج

عزيزي .. عزيزتي
هذا صحيح تماماً ، فنحن نستهلك وقتاً أطول لنجعل كلماتنا مختزلة وقصيرة ومعبرة ، بينما الكتابة المطولة - كيفما إتفق - تستهلك منا وقتاً أقل بالتأكيد ، والفارق هنا إنما يكمن بين عاملين إثنين ، عامل المعرفة ، وعامل الخبرة ، فتستطيع وفق سعتك المعرفية العادية أن تكتب كثيراً في وقت قليل ، إنما خبرتك فقط هي التي ستتيح لك تبسيط هذه السعة وإفراغها في كلمات معدودة وذات مضمون جيد إنما في وقت أكبر بعض الشئ .

فالكتابة فن للنقش ، إنما إختزالها فن للنحت ، وليس من نقش كمن نحت ، وهذا الأمر لا ينسحب على الكتابة فحسب ، إنما على كل شيء اريد له أن يكون دائراً ما بين الواقعية والجمال ، فبوسع ثمار الفاكهة – وإن كثرت - أن تأخذ طريقها إلى فمك مباشرة في ثوان قليلة ، إنما إن أردت أن تتحول هذه الثمار إلى عصير مركز فلا بد أنك ستأخذ وقتاً أكبر بلا شك لإنجاز ذلك ، وقد تتمكن أيضاً من بناء سور عال حول حديقة منزلك في أيام قليلة ، ولكن إن أردت أن يتوسط الحديقة تمثال صغير وأنيق فإنك ستستغرق أسابيع لنحته .

من ناحية أخرى فالواقعية هي ترتيب منطقي للأفكار ، بينما الجمال هو ترتيب شاعري للأفكار ، فما يعد عابراً لأصحاب الرؤى الواقعية يضحي عميقاً وبعيد الأثر في نفوس أصحاب الرؤى الشاعرية ، فالقمر مثلاً ينير ليلاً فلا يلتفت إليه الواقعيون إلا كما ينظر أحدهم إلى مصباح غرفته وبطرفة عين عابرة ، هذا إذا إلتفت إليه أصلاً أو شعر بوجوده ، إنما أصحاب الخيال وحدهم هم من ينظرون إليه مطولاً ويجيلون ابصارهم فيه بكل حواسهم ويديرون معه ربما حواراً أفلاطونياً كل مساء ، فقصيرة جداً هي الألفاظ التي تكتبها ، وطويلة حقاً هي المعاني التي تحسها ، ولهذا السبب يحب الناس الحكماء ، ويبغضون السياسيين الذين لا يملون الثرثرة والكذب أيضاً .

2011/09/24

حلول مرحة !


ونستون تشرشل
رئيس وزارء بريطانيا الراحل
1874 - 1965 م

( المدخن الشره الذي يقرأ كثيراً عن مخاطر التدخين 
لابد أن يقلع يوماً عن القراءة )

بقلم : ياسر حجاج
إذن فهناك لدينا دائماً وسيلة للهروب من المواجهة ، ولدينا صبر لا بأس به على التبرير ، ولدينا مقدرة فائقة على الدفاع عن خياراتنا الخاطئة ، وبمرور الوقت ولعوامل من بينها التكرار ، تترسخ شيئاً فشيئاً المتغيرات فتصبح ثوابت ، وتضحى فكرة التغيير عصية أكثر من أي وقت مضى ، وعليه فإننا إما أقلعنا أو مازلنا نقلع عن كل ما من شأنه أن يثير أدنى زوبعة في فنجان قهوتنا الصباحي المصحوب بسيجارة أمريكية الصنع ، أيا ما كانت التحذيرات من آثار التدخين وتأثيرات الكافيين .

وبصفتي مدخناً - عافانا الله وإياكم - كان لدي فكرة هلامية عن التحذيرات الطبية لمخاطر التدخين والمكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية وبوضوح فج على علب الدخان ، وكنت أقول في نفسي .. حسنا .. هذه التحذيرات لم يكتبها سوى أطباء - لا ضمير لهم - يقبضون رواتبهم من الشركات المصنعة للدخان ، ذلك أن هذه الشركات - حسب تحليلي التآمري المرح - هي ذاتها الشركات المصنعة لبعض أنواع من الأدوية والحبوب التي تعيد تأهيل المدخن نفسياً وجسدياً لمرحلة ما بعد الإقلاع عن التدخين ، فإن خسرت شركات الدخان عميلاً مدخناً ، كسبته مرة أخرى كزبوناً صالحاً لمنتجها الطبي الجديد ، وبالتالي فستبقى أرباحها في مستواه المعهود أياً كان مؤشر عدد المدخنين أو المقلعين .

وإذا لم يكن المدخنون بالصلاح المأمول وظلوا على عادة التدخين فإن ذات الشركات ومن باب المماحكة تنتج لهم معجون أسنان خاص لإزالة إصفرار الأسنان مع إسبراي معطر لرائحة الفم ، وإذا كان المدخن في منزلة بين المنزلتين (الطلاح - الصلاح ) فإن عين الشركات هي ما تنتج له بعض ألوان (العلكة) التي من شأنها - عند مضغها - تقليل الإحساس بالرغبة في التدخين .

ومما سمعته في بدايات إستخدام الحاسوب أن الشركات المصنعة لبرامج التشغيل هي ذاتها - أو من وراء حجاب - من تقوم في الوقت ذاته بصناعة أنواع عديدة من الفيروسات التي تأكل حاسوبك لحماً وتتركه لك عظماً ، ثم تعيد بيعك لاحقاً برامج لمكافحة الفيروسات ، وهكذا دواليك ، فلست وحدي من يشعر بالتآمر هنا .


بالعودة إلى مقولة تشرشل فإننا نجدها صادقة تماماً ، إذ تضعنا أمام مرآة الحقيقة لنرى بوضوح ليس فقط الخطأ الذي وقعنا فيه ، وإنما الخطأ الأكبر في معالجتنا إياه ، فأنا مثلاً أشعر بالإنزعاج الشديد من صوت المنبه الصباحي بهاتفي النقال الذي يشير إلى وجوب الإستيقاظ ورفع الوسائد من فوق رأسي ، والإستعداد للذهاب للعمل ... لحل هذه المشكلة - وبدلاً من النوم مبكراً - بدأت أفكر جدياً في التقاعد .

2011/09/22

الألوان جميعها .. لوناً واحداً


هنري فورد
مؤسس شركة فورد لصناعة السيارات الأمريكية

(سياراتنا متوفرة بجميع الألوان بشرط أن تكون سوداء)


عزيزي .. عزيزتي

هذه مقولة تجمع بين الطرافة والتصالح مع النفس ، قلما يكون أحدنا كذلك ، لا نجيد في الواقع تحديد أهدافنا بدقة ، وإن حدث فلا نملك زاوية الإتجاه الصحيحة لتحقيقها ، فنفضل أن نقف أمام الباب لوقت طويل قبل أن نبادر بطرقه هكذا بكل بساطة ، لدينا القرار مسبقاً ولكننا نناور ، نناقش قبل أن نقول كلمة بسيطة واحدة هي (لا) أو (نعم) ، والحقيقة أن هنري فورد في مقولته هذه حسم خياره بكلمة واحدة ولكن عبقريته تبدت في صياغتها بذكاء ومرح .

تمثل هذه المقولات على ما ترون من بساطتها أو عفويتها نتاج خبرة رائعة ، لا يسع الكثير منا أن يحذو حذوها ، كلنا يود لو يكون مباشراً ومرحاً ، إنما المعضلة تكمن في أننا نريد أن نكون كذلك ولو ذهب الجميع إلى الجحيم .. لا يهم ، كما أننا أحيانا ننفعل بمقولة أحدهم ونتمنى أن لو كانت لنا ، فنعيد إستنساخ المعني وصبه في قوالب جديدة ، فنعيد إنتاجها وتسويقها وكأننا أصحابها الحقيقيين ، ولله في المدلسين شئون ، ولأنني لست بدعاً من أحد فأنا أعيد إستنساخ مقولة فورد حسب فهمي لها فأقول :-

  • أنا مستمع جيد ولدي الوقت الكافي للإنصات ، والتعرف على كل وجهات نظرك ، وليست لدي أية حساسية في أن تجاهر حتى برأيك المخالف لي ، ولكن يا عزيزي .. هناك في النهاية رأياً واحداً يجب أن يأخذ طريقه إلى النور ، وهذا الرأي لي أنا .
  • لا بأس .. سأصطحبك إلى افخر المطاعم ، لا تقلق سأتولى دفع فاتورة الحساب ، لكن أستميحك عذراً فأنا من سيختار قائمة الطعام .
  • ليس من المرؤة ألا تعبر عن غضبك مني ، وأظنك لن لا تمانع لو اشرت عليك أن تتجه إلى الحائط المجاور لك لتختبر مدى صلابة رأسك .
  • جميل حقاً ما تكتبين ، ولكني قليل الإنفعال بما لا يخطه قلمي .
  • ساحر عطركِ عزيزتي .. لكن لا أعلم لماذا لا يعلق بملابسي ! .

2011/09/17

قول على قول


عزيزتي / مدام شويكار
تحيتي ومودتي ،،،

كيف حالكِ ؟ علمت أنكِ جنيتِ محصول الزيتون لهذا العام ، لعلك الآن تشعرين ببعض الغبطة فأنا أعلم كم تحبينه زيتاً وثمراً ، على أية حال وددت قبل أن أوافيكِ بردي على جوابكِ أن أورد لكِ أولاً قصة مختصرة حسبما أسعفتني به ذاكرتي بعد إدخالي بعض التعديلات عليها لتتناغم مع الخط العام للرسالة .

ففي لقطة سينمائية هوليوودية ، تمددت سيدة في منتصف الخمسينات تقريباً على فراش المرض بإحدى المستشفيات بينما كانوا يهم الأطباء بإجراء عملية جراحية أخيرة لها وكانت نسبة نجاحها فيما يبدو ضئيلة للغاية ، وإصطحب رئيس الفريق الطبي المعالج أربعة من شباب المتدربين من الأطباء المتخرجين حديثاً من كلية الطب إلى حيث غرفة المريضة وطلب من كل واحد منهم حسب دوره في الفريق أن يسأل المريضة سؤالاً واحداً عن حالتها المرضية فدار بينهم الحديث التالي :-

  • الطبيب الأول : سيدتي .. هل هناك تاريخ مرضي في العائلة لذات المرض الذي تعانينه ؟
  • المريضة : أجل أيها الطبيب ، كانت أمي مصابة به ، وبه ماتت .
  • الطبيب الثاني : سيدتي .. إذا تم بتر ساقك فهل تقبلين التعايش مع أية أطراف صناعية تعويضية أم أنك تفضلين إستخدام مقعد متحرك ؟
  • المريضة : تبدو خياراتي محدودة أيها الطبيب .
  • الطبيب الثالث : سيدتي .. هل لديك علم بأنه حتى في حال نجاح العملية فإن أجزاء أخرى من أطرافكِ قد تكون معرضة للبتر في وقت لاحق ؟
  • المريضة : أطرقت هنيهة ثم قالت .. ها قد علمت منك الآن أيها الطبيب .

وهنا تقدم إليها الطبيب الرابع ببطء وجلس على حافة فراشها وأمسك بيدها ثم طوق بأصابعه أصابعها ثم نظر في عينيها ملياً ثم سألها .. سيدتي .. كيف هي معنوياتكِ ؟ فنظرت إليه وقد أدهشها السؤال وإرتسمت إبتسامة ملؤها الحياة على صفحة وجهها الشاحب .. فأجابته .. أنا بخير أيها الطبيب .. شكراً لك .. ولكن كيف حالك أنت ؟ فأومأ إليها باسماً أنه على ما يرام كذلك ، ثم بادر بإرخاء ستارة النافذة المقابلة لها قليلاً ، وقال لها إن الشمس اليوم مشرقة ، أعتقد أنه سيكون يوماً رائعاً ، فإبتدرته باسمة .. لعله كذلك فعلاً .

وبعدما خرج الجميع من غرفة المريضة إبتدره رئيس الفريق الطبي قائلاً .. أيها الطبيب .. لما لم تسأل المريضة سؤالاً عن حالتها المرضية كحال أقرانك ؟ فقال له .. بلي قد فعلت يا سيدى ، لو دققت قليلاً فيما قلت لعلمت أني قد سألتها السؤال الأهم ، ثم تركه وإنصرف .

*****

عزيزتي .. هل أدركتِ الدلالة ؟ هل كفتكِ الإشارة ؟ هل تريدين مزيد من البيان والتبيين ؟ حسناً .. سيتسع صدري الآن على الرغم من أنه لم تجرِ بذلك عادة ، ففي تقديري أنكِ في ردكِ لي لم تفعلِ أكثر مما فعله الأطباء الأول والثاني والثالث ، صحيح أنك كنت في معرض للجواب وكانوا هم في معرض للسؤال ولكن النتيجة واحدة ، فليس يكفينا أن تكون لدينا القدرة على طرح الأسئلة ولا إقتراح الأجوبة ، وإنما الأهم هو كيف نطرح السؤال بإنسانية ونقترح الجواب بنبل ، إن طرح الأسئلة الصادمة وإن كانت واقعية كسهم نغرزه بلا رحمة في النفوس دون إعتبار منا ولا تتبع لأثر الألم وموضع الإصابة ، وكذلك الحال هي الأجوبة ، فما لم نكن على يقين من أن الجواب سيقع في أفضل ما نحب من مكامن النفوس ، فالإمساك عنه أفضل ، فليتكِ أمسكت ِ .

عزيزتي .. غالباً ما تشكل الأجوبة مآزق ومتاهات ، فالجواب يفترض به أن يُحرر المسألة لا أن يضيف إليها معادلة ، ولا أخفيكِ أنني نظرت إلى أجوبتكِ نظرة الشاك المرتاب ، ثم رأيت بعد إجالة الخاطر فيها أنها لم تكن أجوبة بقدر ما كانت فتحاً لأبواباً جديدة من الجدل والأخذ والرد ، ناهيكِ عن كونها قد ِصيغت بأسنة أقلام مدببة ، حادة وموجعة ، فعلى رسلك يا عزيزتي ، فما هكذا تورد الأبل ، ذلك أن الأبل إذا ما ظمأت سقناها إلى المسقى وليس إلى المرعى ، ورقيق السؤال لا يُقابل بجفاء الجواب ، ولا جد المسألة بساخر الأجوبة ، فما هذا هو العهد بك ولا المرتجى من حلمكِ ، فما أعجب تحولكِ من السعة إلى الضيق ، ومن الملاطفة إلى المناكفة ، حبذا أخيراً لو تنظرين إلى مسلك الطبيب الرابع في القصة الآنفة ، فتجعلي للود حيزاً وللأمل موضعاً ، ولا تتجاسري على من ألجأته إليك الحاجة ، وأما السائل فلا تنهر .

دمتِ ودام معشرك ،،، والسلام

أبو البنات

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة