2015/04/27

الأزهر وسنينه !!

نتيجة بحث الصور عن الأزهريون

بقلم : ياسر حجاج

نعم .. فقد نجح الأزهر الشريف جداً ، في دفع قناة فضائية إلى وقف بث برنامج يدعوا إلى التفكر والتثبت والمراجعة ، بينما لم يفعل الشئ ذاته عندما قامت ذات القناة ببث مجموعة  حلقات من مسابقة مونديال الراقصات ، اللائي تبارين في إظهار مهارتهن ومفاتنهن فيما يًسمي بالـBelly Dance  أي الرقص الشرقي .
ويبدو أن هناك أحد ما قد قام (كالعادة) بعمل (التخريجات المناسبة) لتبرير هذه الإزدواجية ، تأسيساً ربما على قاعدة أن (إظهار المفاتن) ، أخف ضرراً من (إبراز المخازي) ، ومن ناحية أخرى ، لا أدري حقيقة الثمن الذي قد ينتظره صاحب القناة ، إن لم يكن قد قبضه بالفعل .

عند كل محاولة للفهم ، وفي ضوء كل تحريض على الوعي ، كان هناك دائماً فرسان المعبد عبر العصور ، في وضع الإستعداد الدائم لإنجاز المهام ، وفي خلفية المشهد ستجد أن هناك من يرقب من بعيد ، من خلال أستار داكنة ، ونوافذ عتيقة الطراز ، حيث يجري من خلفها العكوف على إستنبات بعض من مقاطع لغة تليدة ، يتم مزجها بأقوال أهل الأمصار ، وما بين راجح ومرجوح ، وفاضل ومفضول ، وجاذب ومجذوب ، وكل شئ وضده ، تأتي مرحلة (الضرب والقسمة) ، (والحذف والإضافة) فيطيب الطهى ، على نار لم تنطفئ جذوتها منذ قرون ، وما أن تفوح الرائحة ، ويسيل الدهن ، يصدر التكليف ، فتنطلق السهام المصقولة في كل إتجاه ، فتصيب ما شاء لها أن تصيب ، وتردع كل من تحدثه نفسه (الآثمة) بمحاولة إعادة تأمل النصوص ، أو التمرد على قانون (المحفوظات) ، وفقه (الُمعلقات) ، وعندما يبدى أحدنا تساؤلاً ، أو يُظهر إمتعاضاً ، يجد نفسه مُلقى - بلا رحمة- خارج أسوار الأبجدية بكل تفعيلاتها وتلويناتها البلاغية .

عجباً .. مازالت للآن تروق للقوم أحاديث السمر والنميمة بدار الندوة ، وإستراق السمع للجدل الدائر بسقيفة بني ساعدة ، والشماتة في الفرزدق من قول جرير ، والتشنيع على الحسن بن هانئ (أبو نواس) ، وإبداء قدر من التعاطف مع قيس المشبوب بحب ليلى ، والتبسم لدى مطالعة قدر من نصوص كتاب الإمتاع والمؤانسة ، أما محاولات الفهم وحسن الإدراك ، فغالباً ما يتم الإحاطة بها من كل جانب ، وإحباطها منذ الوهلة الأولى ، لأن إستفحال الأمر ، وما يستتبعه ذلك من بسط سلطان العقل ، سيجعل بضاعة القوم راكدة ومكدسة في الطرقات ، لا تجد من يلتقطها ولو بأزهد الأثمان ، فينشأ صراع إستقطاب الزبائن (أنا وأنت) ولو بالقوة ، ويغدو الدين مغروزاً وتائهاً في آليات وإقتصاديات السوق ، وقوانين العرض والطلب ، والنشر والحجب ، والإتاحة والحرمان ، دون مراعاة لأية معايير دينية أو أخلاقية .

لا أدري إن كان بوسع الأزهر أن يقدم كشف حساب للأمة عن العقود الأربعة الأخيرة ، يبين من خلاله إنجازاته ، ونتائج مجهوداته الروحية (جداً) ، والدعوية (جداً) ، والوسطية (جداً) ، إزاء المشكلات التي تعصف بالمجتمع كالبطالة والفساد وسوء الأخلاق والضائقة الإقتصادية والعنف والإرهاب وغيرها ، اللهم إلا تلك الأقوال (المتكلسة) فارغة المضمون ، تافهة المحتوى ، التي لا ينبني عليها عمل حقيقي ، ولا تصلح بذاتها لأي نهضة ولو في حدها الأدنى ، وإلا فإن واقع الحال يُنبئ أننا تقريباً لا نكاد نشعر بوجود الأزهر إلا من خلال تشنجات بعض من مشايخه ، وتلك الحالة العصبية الضاغطة عليهم لدى أي حديث من أي أحد عن ضرورة تجديد خطابهم الديني ، حيث تنتفخ أوداجهم ، ويظهر بوضوح عصبهم العاري الذي يحاولون بكل وسيلة مداراته ، إنما فقط بعمائمهم الحمراء .

2015/04/23

هزيمة رئيس !!



بقلم : ياسر حجاج
مرة أخرى ، وليست أخيرة فيما يبدو ، إنتصر الكهان ومانحو الصكوك ، في إيقاف برنامح الباحث الشاب / إسلام البحيري (مع إسلام) ، على قناة القاهرة والناس ، التي أصدرت بياناً من ضمن ما جاء به ، أن القناة لا تشجع المناظرات أو حتى البرامج التى تفرق بين المسلم وأخيه المسلم ، واستجابة للإمام الأكبر للأزهر الشريف فى تحكيم العقل ، حيث أكدت القناة أنه من الأفضل أن تدع علماء الدين وعقول الأمة المستنيرة هى التى تتصدى لقضية تجديد الخطاب الدينى بعيدا عن الإعلام المرئى، الذى يسعى بطبيعته ، إلى الإثارة والجدل حفاظاً على وجه الإسلام الصحيح ! .

 *****
هذا بيان أقل ما يُوصف به أنه تلفيقي بإمتياز ، ومراوغ حد الصدمة ، به من الميوعة والخنوثة الشئ الكثير ، وذلك - على أي حال - شأن أي تبرير هزيل عبر التاريخ ، وشأن أي عنوان تقليدي سقيم ، يتم إستدعاؤه على عجل ، كلما دعت الحاجة إلى إسكات صوت ، أو الحد من سطوع ضوء يُراد له أن لا يقع على مخازي القوم وإسفافهم وخيالهم البليد .
إذن .. فقد إنتصر الأزهر وأشياخه ، وغيرهم من السلفيين ، من أصحاب (النطاعة الفكرية) ، في معركة - بالتأكيد - سيكونون هم - وليس غيرهم - الخاسر الأكبر فيها ، ولو بعد حين .

هذا ليس نهاية المطاف ، ولعلها بدايته ، وليكف الرئيس المصري / عبد الفتاح السيسي ، عن دعواته المتكررة إلى تجديد الخطاب الديني ، وإحداث ثورة دينية حقيقية بشأنه ، فهاهي دعوتك فخامة الرئيس قد مُرغت بالتراب ، حيث أعاد لك سدنة الخطاب الديني هذه الدعوة ، وردوها على وجهك بكل صفاقة ، مع عنوان بسيط يحمل عبارة ( عذراً فخامة الرئيس ... برجاء المحاولة في وقت لاحق ) !! .

إن الرئيس المصري بدا متململاً أخيراً من كثرة مناداته بتغيير الخطاب الديني ، وإحداث ثورة دينية حقيقية إزاء التفسيرات والإجتهادات ، والقراءات التقليدية القديمة لبعض من أصول ومنابع الدين ، والتي ساهمت إلى حد كبير في (طبع) صورة سلبية تماماً عن الدين في أذهان غير المسلمين عبر العالم ، ناهيكم عن قطاع غير قليل من المسلمين الذي بدأ (بحك) رأسه ، في محاولة للفهم ، وفك الإلتباسات العديدة ، والأحاجي الغامضة ، ولكن دون جدوى ، وبدا الرجل من كثرة مناشداته ، وكأنه فقد القدرة على إدارة المسألة ، أو الدفع بها إلى مسار أكثر إيجابية ، متحسباً في ذلك - ربما - دعاوى وأباطيل وتهم ، يتم الدفع بها غالباً في هكذا أحوال ، وإذا كان الرئيس يشعر بغصة أو إحباط جراء التفاعل السلبي مع دعوته ، فهذا - على كل حال - شأن كل من أراد حفظ البلاد والعباد ، فأناط الأمر بالمارقين من سلطان العقل، والهاربين من شرطة التاريخ  .

*****
 يستمد كل دين سماوي قوته المعنوية ، ليس من خلال أتباعه والمؤمنين به فحسب ، ولكن من قدرته الذاتية على الإستمرار والصمود ، بما يحمله من معايير أخلاقية سامية ، ورؤىً إنسانية عميقة ، وتكاليف ربانية جرى الأمر بها ، والحض على إتباعها من الله رب العالمين ، لما سبق في علمه سبحانه من أن هذه (التكاليف) ، لا يمكن أن تناقض أخلاقاً ، ولا أن تصطدم مع الفطرة الإنسانية بأي حال من الأحوال .

إن رجال الدين الذين لا يصمدون أمام رؤى مختلفة ، وتضيق صدورهم حرجاً بالإجتهادات المتنوعة ، والأراء الجديدة والتي لا تتناقض لا مع جوهر المعتقد ، ولا مع سلامة الفطرة ، هم في الحقيقة رجال يصعب بالتأكيد الدفاع عنهم ، أو إيجاد العذر الملائم لمواقفهم المدافعة بإستماتة عن كل ما هو قديم وعتيق ، لاسيما إذا كان محل دفاعهم ، ليس سوى إجتهادات أيضاً سبقنا إليها نفر من المسلمين ، يجري عليهم ما يجري على سائر البشر من الصواب والخطأ ، والغفلة والنسيان ، بل والطيش والجموح أحياناً .
*****
 إن وقف برنامج الباحث / إسلام بحيري ، ليس سوى (حلقة) ، سبقتها ، وستتلوها حلقات ، فالجهل سلسلة لها إبتداء دون إنتهاء ، ومن الضروري التأكيد في الختام على أن المؤسسات الدينية في مصر ، ومن بينها الأزهر الشريف في حاجة ماسة إلى إدراك حقيقة مفادها ، أن ليس كل قديم عريق ، وليس كل جديد بهيج ، فالحاكم بينهما ليس سوى العقل والإستدلال المنضبط والقراءات الواعية للنصوص ، وإلا فبوسعي القول وفق (قاعدة القدم والتاريخ) ، أن الأزهر بمعاهده ورجاله يتعين تبعيتهم إلى الهيئة العامة للآثار .

2015/04/21

الهلال الشيعي .. هل يكتمل بدراً ؟


بقلم : ياسر حجاج  
                   
نتيجة بحث الصور عن ملك الأردن
منذ أكثر من عشر سنوات وتحديداً في العام 2004 ، أثار الملك عبد الله الثاني عاهل الأردن جدلاً سياسياً (جاداً) حول التمدد الشيعي الإيراني إلى دول جوارها ، وكذا إلى دول أخرى في المنطقة العربية ذات أغلبية أو أقلية شيعية ،  فيما أسماه وقتها (الهلال الشيعي) والذي صُك بإسمه بعد أكثر من عام ، على غزو قوات التحالف الدولي للعراق ، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، فيما سمي بحرب الخليج الثانية ، التي إندلعت إنطلاقاً من ، وتأسيساً على ، مبدأ ضرورة تجريد العراق من أسلحة دماره الشامل ، حيث تبين فيما بعد وبشهادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، وكذا المفتشيين الدوليين ذوي الإختصاص ، خلو العراق من أية أسلحة دمار شامل ، وسقط بالتالي كل (مبرر أخلاقي) أو (قانوني) لهذه الحرب .
وبعيداً عن المآسي الإنسانية التي خلفتها هذه الحرب ، فإن رابح كبير ، كان يرقب المشهد من بعيد (إيران) ، والآن .. يبدو أننا بحاجة إلى إبداء قدر من الإمتنان لجلالة الملك عبد الله الثاني ، لسعة أفقه ، وحسن إستشرافه للمستقبل ، فالخريطة العربية والإقليمية  ، تُعاد صياغتها الآن بأكثر من طريقة ، من بينها -  موضوع المقالة - مسألة التمدد الشيعي في المنطقة العربية ، وبمباركة غربية ربما .

إستدراك :
يكاد لا يجد المرء مثالاً حياً ونابضاً ومتجدداً على (خلط الدين بالسياسة) ، مثلماً يجده في الفكر الشيعي القديم والمعاصر ، فكل قضية سياسية ، لها أصل ثابت عندهم في التاريخ الإسلامي القديم ، فمنذ عقدين من الزمن ، كانت تربطني صداقة محفوفة بالود والإحترام بأحد الأصدقاء الشيعة الكويتيين ، وكانت النقاشات بيننا ، تُشرق وتُغرب ، في الحالة السنية الشيعية ، وفي نهاية كل نقاش تقريباً، كان هذا الصديق يعود بي إلى النقطة التي يعتبرها سبباً رئيسياً للتمذهب والفرقة بين جناحي الأمة المسلمة ، حيث كانت هذه النقطة - في ظنه - الواقعة التاريخية المبكرة ، التي تولى فيها الصديق أبو بكر ، خلافة المسلمين ، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وأله وسلم ، متجاوزاً علي بن طالب ، الذي نُـحيَ عن إمامة المسلمين بفعل الهوى والسياسة ، حسب رأيه .

بمرور الوقت ، وبإطلاع لافت على الكثير من الكتب والمراجع الشيعية ، وزيارات عديدة لمجالس عزاءهم (الحسينيات) ، وبالحديث إلى عدد لا بأس به من أتباع هذا المذهب ، بدا لي أن رأي صديقي ليس سوى صدىً لغالبية الأفكار والأراء التي يعتنقها هؤلاء ، فأتباع مدرسة (آل البيت) ، مازالوا للأن ، يعتبرون أنفسهم الأحق بتولي خلافة المسلمين ، بحسبانهم أحفاد عترة النبي وآل بيته ، وما على أتباع مدرسة (الصحابة) من أهل السنة ، سوى الإنصياع للأمر ، والعمل على (تصحيح) خطأ تاريخي ، وقعت أحداثه في سقيفة بني ساعدة يوم وفاة النبي محمد (ص) .

والحقيقة أن الشيعة ، لا ينفكون يذكرون الناس ، بمصاب آل البيت ونفر من عترة النبي (ص) ، هذا المصاب الذي ما كان له أن يحدث ، لو أن الخلافة الراشدة قد وصلت إليهم ، مستندين في ذلك ، إلى العشرات من الأحاديث ، الروايات ، والحكايا ، ببطون كتب التراث السنية والشيعية على السواء ، وبالتالي فإن أي تراجع شهدته الأمة في زمن من الأزمنة ، لم يكن سوى نتيجة طبيعية ، لتجاوز أئمتهم ، في تقلد الولاية ، أو إمامة المسلمين ، كما أن أي تراجع مستقبلي ، لن يكون - حسب معتقدهم - إلا بسبب إستمرار إقصاءهم عن هذا الدور ، و
يبدو أن الشيعة ، وفي القلب منهم إيران بالطبع ، قد ملوا أخيراً طول الإنتظار ، فعكفوا على رسم هلالهم بأيديهم ، بعد أن خرجوا أو كادوا من (طور المحاق) .

*****

فأين يقع الهلال الشيعي ؟
يمتد الهلال الشيعي ، بشكله المحيط ، وطرفيه المدببين ، ليغطي عدد من العواصم العربية التاريخية ، التي كانت في حقبة تليدة وملفتة ، مهد لأنظمة الحكم (السنية) ، كبغداد عاصمة الخلافة العباسية ، ودمشق عاصمة الخلافة الأموية ، فنظرة بسيطة على الخريطة الشيعية في المنطقة ، قد تُعطيك شاهد من الخبر .

 فمع سقوط بغداد عام 2003 ، وتنامي المد الشيعي ، بل وصعود رموزه لسدة الحكم في البلاد ، بدا أن أحدهم في إيران المجاورة ، أخذ يتنفس الصعداء ، ويرى من خلال عدسة تاريخه مكبرة ، أن الأمور ربما في المستقبل القريب ستنحو المنحى المثالي ، الذي من شأنه أن يُحيل غابر المشاهد ، إلى واقع معاش تراه الأعين ، دون الإكتفاء بتمنيات وأدعية وصلوات .

ومع الحرب الدائرة الآن في سوريا ، كان المشهد مختلفاً ، فالأمل يراود الإيرانيون ، أن لا يسقط نظام الحكم هناك ، وبأي ثمن ، بحسبان الطبقة الحاكمة ، تتحدر من فرقة شيعية علوية ، وإن تكن مختلفة بالطبع عن الفرقة الغالبة للشيعة (الإثنى عشرية) أو (الجعفرية) أو (الإمامية) ، فبقاء رموز شيعية حاكمة وقابضة على المشهد ، حتى ولو من مدرسة مختلفة ، هو أمر يحرص عليه الإيرانيون أيما حرص ، إلى الحد الذي حدا بأحد كبار المسئوليين الإيرانيين إلى التصريح بفجاجة ، أن فقدان جزء من الأراضي الإيرانية سيكون أخف وطأة بالنسبة لهم ، من أن يسقط النظام الحاكم في دمشق .

وفي دولة الجوار السوري (لبنان) ، فحدث ولا حرج ، فحزب الله اللبناني ، بقيادة أمينه العام حسن نصر الله ، ليس سوى وكيل معتمد لإيران في لبنان ، ورقم صعب للغاية في المشهد السياسي اللبناني ، ناهيكم عن حركة أمل الشيعية ، التي يترأسها ، رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري ، حيث غالباً لا يتم تمرير أي قانون أو تعيينات حكومية بارزة ، إلا بموافقة هذين الفصيلين البارزين ، ومن دونهما ، فإن كافة الإجراءات والقضايا ذات الأهمية القصوى ، ستظل تراوح مكانها ، وليس أدل على ذلك ، من أن لبنان وحتى هذه اللحظة ، ليس لديها رئيس توافقي للجمهورية منذ قرابة العام ، وعندما تحين لحظة الإحتقان ، ويتململ آيات الله في طهران ، فسترى بالتأكيد ، جموع الشيعة اللبنانيين ، بملابس كربلائية سوداء يغطون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت ، رافعين أعلام حزبهم ، وصور مراجعهم الدينية ، مع عنوان عريض غير مكتوب هذه المرة ( نحن هنا ) ، لتذكير من عساه تخونه الذاكرة .

في صنعاء اليمن ، الذي كان سعيداً ، ميليشيا (أنصار الله) الحوثية الشيعية الزيدية ،  ذات الأقلية العددية ، التي كانت قابضة على المشهد إلى وقت قصير ، أدارت صراعها المذهبي بفجاجة ، فقد اسقطت الحكومة المركزية ، وأجبرت رئيس الجمهورية على  الإستقالة ثم الفرار إلى عدن جنوباً ، فإندلعت عاصفة الحزم ، التي يبدو أنها لم تكن حازمة بما فيه الكفاية حتى الآن ، وها هي إيران تجوب المياه الدولية القريبة من الحدود اليمنية ، آملاً في تحرش ما ، يكون من شأنه تخفيف وطأة الحصار المضروب على أنصارهم هناك .

لا أنسى بالطبع التعريج على منامة البحرين ، وإحساء وقطيف المملكة السعودية ، ولا جزر دولة الإمارات الثلاث المحتلة ، ولا التحرشات الخفيفة ببعض أحياء القاهرة الفاطمية بعتباتها (المقدسة) ، فكل هذا يصب في النهاية لمصلحة صقل ألوان الهلال الشيعي ، الذي سيغدو متواضع الشكل والمعني في قريب العهود ، إذا  ما قُدر له أن يتمدد أكثر وأكثر ، ليغطي مساحات أوسع من العواصم العربية الكبرى ، فيغدوا الهلال بدراً ، ترنو إليه أفئدة المحبين ، والذين ينظرون بمزيد من الأمل إلى معاودة الإستماع إلى مقاطع من الشاهنامة الإيرانية التراثية ، ومعاودة ترديد إسم فارس من جديد ، مع التعريج على الأيقونات الإيرانية التليدة كقورش ، وداريوش ، وخلافهما ، التي غالباً ما يتم إستدعاؤها ، وسط صخب الطبول المؤذنة بالحـرب ، فبوسع الإيرانيون أن يقدموا للعالم ولجيرانهم من الخليجيين خصوصاً ، بضائع خشنة وغير تقليدية ،  بخلاف فستقهم الشهير ، وكافيارهم ذائع الصيت .     

2015/04/19

ولكنها تدور .. !!



بقلم : ياسر حجاج
في أجواء غير حيادية ، وطقس مسموم ، أجريت ما أُعتبر مناظرة بين كل من الباحث / إسلام بحيري من جهة ، والداعية الصوفي الحبيب علي الجفري ، والدكتور أسامة الأزهري من علماء الأزهر الشريف من جهة أخرى .
لم يتسن لي متابعة هذه المناظرة ، ولكن قرأت عدد كاف من التعليقات حولها ، وأياً ما كانت النتيجة التي يتبناها أنصار كل فريق ، فقد بدا لي من الوهلة الأولى أنها تفتقد لأبسط قواعد الحياد والموضوعية ، ذلك أن إثنين من المتناظرين يمثلان وجهة نظر واحدة كانا في مواجهة شخص واحد وهو الباحث إسلام بحيري ، ناهيك عن الأجواء التي سبقت المناظرة ، التي نالت من الأخير إلى حد إخراجه من الملة بالكلية ، ولم يتبق سوى أن يكون أحدهم مهيئاً لتنفيذ الحد على هذا الذي أسموه مارقاً .

إنقضت المناظرة ليهلل السلفيون والأزهريون التقليديون والمتنطعون ، لما إعتبروه نصراً حاسماً وكاسحاً على الباحث إسلام بحيري ، الذي تسبب بنفسه - فيما أظن - في النتيجة التي يتحدث عنها الكثيرون الآن ، ولعل أهم ما خرجت به وتعليقاً على هذا الأمر ، أنه بوسع المرء أن يكون لديه - من حيث المبدأ - قضية عادلة جديرة بالدفاع عنها ، لها من الأدلة والشواهد والقرائن وشهود الإثبات عليها ، ما يجعله موقناً بها ، مطمئناً إلى سلامة موقفها ، ولكنه لم يحسن عرض وقائعها ، أو توظيف الظروف المحيطة بها بالشكل الذي يخدم قضيته ، فتكون النتيجة على غير المأمول والمرتجى ، فتضيع بالتالي عدالة القضية ، ونبل المقصد ، ويتوارى صوت العقل ، وسط صراخ الغوغاء المختلط بالتكبير والتهليل .

إذا أعتبر كل من الحبيب علي الجفري ، والدكتور أسامة الأزهري ، قد فازا في هذه المناظرة غير المتكافئة ، كما تؤكد ذلك أغلب التعليقات ، فليكن ، ولا يحزنني الأمر على كل حال ، رغم تعاطفي اللا محدود مع جوهر القضية التي يوليها الباحث / إسلام بحيري جل إهتمامه ، وعليه أن أراد مواصلة السير في هذا الطريق الوعر ، أن ينتبه لموضع قدمه ، فالكل الآن مشغول بعرقلته ، وإيقاف مسيره ، بل وتغييبه عن المشهد إن إستطاعوا ، كما عليه أن يتبنى طريقة أخرى ، أو مساراً بديلاً ، يقلل به حدة الإنتقادات التي نالت منه والتي كانت تصب في الأساس حول بعض (التفلتات اللفظية) هنا أو هناك ، فنجح المناؤون في إصطياده من خلالها غير مرة ، صارفين بذلك أذهان الناس عن التفكر حول حقيقة الأمر ، وجوهر القضية .

إن محاكم التفتيش لم يعد من الممكن الآن قراءاتها في سياق تاريخي ممل ، فأنا وأنتم أناس محظوظون حقاً أن أتيحت لنا رؤية بعض من مشاهدها على الهواء مباشرة .
صحيح أن هذه المحاكم تصدر أحكامها المسبقة قبل التحقق والتمحيص ، وصحيح أن قضاتها يعتبرون أنفسهم على حق طوال الوقت ، وصحيح أن المجددين والراغبين في قراءة واعية للنصوص كثيراً ما أنزلت بهم العقوبات ، أو أجبروا على التبرؤ منها ، ولكن صوتاً ما داخلهم ، كان يئـن - وإن يكن في صمت - من أنهم على حق .

*****
نص توراتي قديم كان موضع جدل ، حيث البطل العظيم (جوشوا) ، الذي طلب من الله أن تتوقف حركة الشمس ، ولا يهبط الظلام ، حتى يتسنى له القضاء على أعداءه في رابعة النهار ، فكيف لعالم كبير مثل جاليليو جاليلي أن يأتي ويقول أن الشمس ثابتة أصلاً لا تتحرك ، بينما الأرض هي من تدور حولها ؟
حُمل الرجل الذي ناهز السبعين من عمره آنذاك ، إلى حيث محكمة التفتيش التي يترأسها رجال دين ، حيث خُير ما بين الحرق ، او التبرؤ من نظريته ، فإختار صاغراً النجاة بحياته ، واصفاً نفسه بالمسكين البائس ، ولكنه عندما ، أخرج من المحكمة ، سمعه البعض يقول (ولكنها تدور) ! وتمضي الأيام ، وتثبت صحة نظرية (المسكين البائس) ، الذي أراد قراءة مغايرة لنص عتيق .

في الختام ، إن كان لي من نصح للباحث / إسلام بحيري ، فهو أن يعمل ويجد ويجتهد طالما كان مؤمناً بعدالة قضيته ، ولا بأس إطلاقاً من تغيير الطريقة والنهج ، مع المحافظة على جلاء الهدف ، وصفاء الغاية ، وأقول له ، يا عزيزي إسلام .. لا عليك من أولئك الذين لا يعرفون سوى الإختباء المريب وراء عمامة أو قفطان ، فأنت إنما قد دنوت - ربما بغير حساب - إلى لقم عيشهم ، وبضائعهم المزجاة .
وإعلم وفقك الله ، أنه لم يكن لمكعب زبد أن يقهر نصلاً حاداً يجرى التأكد من حدة شفرته عبر قرون ، ولكن كن على ثقة من أن طعم الزبد ورائحته ستصيب النصل أيضاً على كل حال ، وأن الدماء قد إنتصرت على حملة السيوف أحياناً .

2015/04/18

الشيخ المعجزة !


بقلم : ياسر حجاج
 إذا كنت ممن يبغضون الحقبة الناصرية الممتدة من أواسط الخمسينات إلى نهاية عقد الستينات ، فلا شك أن بغضك قد طال بشكل أو بآخر ، واحداً من أكابر منظريها ومفكريها ، إن لم يكن أكبرهم على الإطلاق ، ألا وهو الأستاذ / محمد حسنين هيكل ، الذي إلتصق بهذه الحقبة ، ولم يزل ، إلتصاق اللحم بالعظم .
أما إذا كنت من المتشيعين للزعيم جمال عبد الناصر "رحمه الله" ، فسيكون من نافلة القول ، أو التزيد غير المبرر ، التأكيد بأنك محب للأستاذ ، بإعتبار أن ذلك من المسلمات والفرضيات البديهية ، والتي بها من الوضوح والجلاء ، ما يجعلها حقيقة قائمة بذاتها ، دونما حاجة إلى دليل أو إثبات ، شأنها في ذلك شأن أي قياس منطقي بسيط بمقدمات واضحة بينة ، وبالتالي فإنه لا مجال للحديث عن نتائج متناقضة .

عرفت الأستاذ في سن مبكرة نوعاً ما ، من خلال الوالد "شفاه الله" ، الذي كان ومازال مبغضاً للحقبة الناصرية بمعظم رموزها وأطيافها ، وفي القلب منهم بالتأكيد الأستاذ / هيكل ، وذلك من واقع ما شاهده بعينيه ، ووقع عليه سمعه من المعارك والأحداث المريرة التي صاحبت هزيمة يونيه 1967 ، وذلك بمكان الميلاد ، والنشأة ، ومراتع الصبا (الإسماعيلية) ، والتي هُجرنا منها لمدة سبع سنوات تقريباً ، قبل العودة إليها من جديد في العام 1974 ، في ظل زعامة أخرى ، وحقبة جديدة .

روى لي الوالد كيف كان شاهداً على سقوط إحدى طائرتنا الحربية في بحيرة مائية بإحدى ضواحي مدينتنا الساحلية الرائعة ، حيث بدا له ، ولرفاقه من الوهلة الأولى ، أن الطائرة التي سقطت كانت إحدى طائرات العدو الإسرائيلي ، حيث تمكن قائدها من فتح مظلته قبل أن تسقط الطائرة في هذا البحيرة ، فهُرع الجميع للإمساك به ، ظنا منهم أن جندي أو ضابط إسرائيلي ، حيث وجدوه مختبئاً في أنبوب مائي كبير ، وبإخراجه منه ، علت الدهشة وجه الجميع ، ونال العجب من نفوس المتحلقين حوله ، فالطيار كان ضابطاً مصرياً ، والطائرة التي هوت إلى قاع البحيرة كانت مصرية ، سقطت في معركة جوية كانت الغلبة فيها لسلاح الطيران الإسرائيلي آنذاك ، وفي محاولة لتهدئة روع الطيار ، إنخرط الجميع في بكاء من صدمة الواقعة التي لطخت الكبرياء الوطني إبان ذلك العهد .

هذه إحدى مرويات الوالد الكثيرة عن هذه الحقبة ، والتي غالباً لا يأتي ذكرها على لسانه ، إلا مقرونة بالتعريج على (شيطان الحقبة) ، و(عراب النكسة أو الوكسة) الأستاذ / هيكل ، بكل ما تستطيع تخيله من عبارات القدح واللوم والتجريم ، والحقيقة أنني قد ظللت فترة متبنياً وجهة نظر الوالد ، بإعتباره مصدر أخباري ، ونبع معرفتي في هذه السن الصغيرة ، وبتدافع الأيام ، ومرور السنوات ، بدا لي وكأنني إتخذت موقفاً مغايراً لموقف والدي من الحقبة الناصرية ، عندما وجدت أخيراً مصادر أخرى للمعرفة والأخبار ، وإن كنت أوافقه كثيراً في طرحه عن هذه الحقبة التي هي مثار للجدل الدائم وحتى الآن .

عودة إلي الأستاذ الآن ...
أنا من الحريصين على إقتناء كتب الأستاذ هيكل التي هي غالباً غالية ثمن ، أنيقة الطباعة ، حسنة الإخراج ، وأستطيع بشكل محايد أن أؤكد لك أنك بوسعك أن تتناول الأستاذ / هيكل من زاويتين ، زاوية أراءه السياسية ، وزاوية حرفيته الصحفية ، ذلك أنه بوسع الجميع الإختلاف حول أراءه وتوجهاته ، أو حتى بشأن الحقبة التي يمثلها ، ولكن لن يستطيع منصف - في ظني - أن ينال من مهارته الصحفية الرفيعة ، وثقافته السياسية الحادة ، وذاكرته الحديدية الجامعة لكل أشكال التناقضات والمتماثلات والمتشابهات ، طوال سبعين عاماً على الأقل من عمله الصحفي الثري ، ولا أنسى في هذا الإطار من أن نذكر بعضنا البعض بأن الأستاذ / هيكل كان مراسلاً عسكرياً إبان الحرب العالمية الثانية من القرن الماضي ، فنحن - بهذه المثابة - إنما نتحدث عن آلة زمن تمشي على قدمين ، رصدت أفول شمس الملكية المصرية ، وبزوغ فجر الجمهورية ، بنسخها السبعة حتى الآن .

عاين الأستاذ / هيكل وشاهد ، ونظر ، وكتب ، وحاضر ، وأرخ ، عن الأزمات الدولية - ذائعة الصيت - كالثورة المصرية عام 1952 ، وأزمة السويس ، الحرب الكورية ، حرب فيتنام ، حرب الأيام الست ، الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي ، الثورة الإيرانية ، إنهيار الشيوعية ، القطب الأمريكي الأوحد ، كارثة يناير 2011 في مصر ، وثورة الـ 30 من يونيه 2013 ، فبصمته الصحفية القدرية مطبوعة على كل الأحداث تقريباً .

وبحسبانه (شيخ طريقة) ، فله من المريدين والمحبين والمقلدين ، ما يجعله محط إهتمامهم ، فتجدهم وقد تحلقوا حوله ، إلتماساً لرأي أو بيان في شأن من الشئون ، وبقلمه الرصاص الذي لا يفارق يديه ، وبدلته الزرقاء القاتمة ، وشعره الأبيض الشاهد على عمق التجربة وأثر السنين ، تراه يروى ظمأ المتعطشين بقدر معلوم ، وبينما لم يبلع الرواء منهم مداه ، يعودون فيسألون ، فتتصدر كلماته مانشتات الصحف ، وتعقد الندوات للتحليل ، والمقالات للتوضيح ، وما بين قادح ومادح ، ومحب ومبغض ، يظل الرجل حالة صحفية معجزة علي أي مقياس من المقاييس ، فهذا رجل إن (عطس) ، أصابت الإنفلونزا كل الأوساط هنا وهناك .

على المستوى الشخصي ، فإن أشد ما يلفت نظري في شخصية الأستاذ / هيكل هي قدرته على أن يظل محتفظاً بلقب (الحكاء الأكبر) ، دون أن ينازعه في ذلك أحد ، بل ودون أن ينال الملل من شخوص المستمعين والمتابعين له ، على إختلاف أمزجتهم الشخصية أو السياسية ، وهو في هذا الإطار صاحب مدرسة خاصة ، جرى ويجرى تقليدها من حين لآخر ، من خلال كتاب وإعلاميين وسياسيين كبار ، وكيف لك أن تمل ممن يصطحبك ويغوص معك ، أو بدونك ، أو حتى رغماً عنك ، إلى حيث السياسة ، والإقتصاد ، والتاريخ ، والجغرافيا ، وإن شئت الشعر ، وأنت جالساً أمامه متحيراً من تنقلاته المفاجئة ، وتنوع شخوصه وأبطاله ، ممن لا حصر لهم ، ولا عد .

 إن لم تكن تصدقني ، فعليك التجريب بنفسك ، بينما يصف لك الأستاذ / هيكل الأجواء الودية التي أحاطت بإفطار صباحي باريسي ، رفقة الرئيس الفرنسي الراحل ، فرنسوا ميتران ، تراه ذهب بك - فجأة - إلى الشرق حيث التجربة الصينية ، والثورة الثقافية لماوتسي تونج ، وقبل أن تلتقط أنفاسك ، إما ستجد نفسك في لندن حيث يشير على الراحلة مارجريت تاتشر إلى النهج الذي عليها إتباعه عند خوضها تجربة كتابة مذكراتها ، وإما ستكون تتصبب عرقاً بكيب تاون إن كان قُدر للأستاذ أن يجري مقابلة صحفية مع زعيم قبائل الزولو بجنوب أفريقيا ، ولكنه في جميع الأحوال سيسمعك أبيات من الشعر العربي القديم ، أو عبارات من النثر المتوهج ، إذا إقتضي جو النقاش شئ من الترطيب ، فإن وجدك منصتاً جيداً من خلال قرون إستشعاره الفريدة ، زادك من الشعر بيتاً وأبيات ، ثم يصمت ليعاين بنفسه ، وقع الإعجاب على محياك .

وبينما لم يزل الأستاذ / هيكل يعجن لك خليطاً متماسكاً ومختمراً ، ومطهواً على طريقته ، ويقدمه لك بأناقته الملفتة ، أرجوا أن لا تتفاجئ من أن الوجبة التي باتت بين يديك الآن ، من العسير تصنيفها تحت أي عنوان تقليدي ممل ، ذلك أنه يحرص على أن لا يُضبط متلبساً بالإجابة المباشرة عن أي سؤال ، وهو وإن قدم لك فاكهة الصيف في الشتاء ، أو نصحك بإرتداء ملابسك الشتوية ، في شهور الصيف القائظ ، فله على ذلك أدلة كثيرة ، وشهود دائمين ، بشرط أن يكونوا جميعاً قد فارقوا الحياة ، ليبقى هو وحده الراوية المفرد كما يقول بعض من مبغضيه .


ختاماً .. لست من انصار الرجل ، ولا من الذين ينافحون عنه بحال ، ولكني وللإنصاف أراه نسيج وحده ، حيث أتابع كتاباته وأحاديثه التليفزيونية منذ زمن ، لأتعلم كيف تكون الثرثرة مفيدة أحياناً ، وكيف لمدرسة (المتاهة الصحفية) ، أن تظل قادرة على الصمود  ، لما يزيد عن تسعة عقود ، هي عمر الأستاذ الكبير ، أطال الله عمره .

2015/04/15

حديث لجاجة بن مجادل !!

نتيجة بحث الصور عن أصحاب اللحى

بقلم : ياسر حجاج

أن تكون عقلانياً في مواجهة النصوص
هو أمر لا يقل في خطورته من أن تكون مسيحياً في زمن نيرون .

إذا أردت أن تُنحي حجراً صغيراً من طريقك ، فلابد أنك سترفعه بيدك ، أو تزحه حتى بقدمك ، وأما إذا أردت أن تزيل جداراً عالياً وصلباً ، فلابد أنك ستضطر إلى إستخدام معولاً كبيراً ، وأما إذا أردت أن تكتفي بمجرد إثبات الظهور في كادر الصورة ، مع إلتقاط مشاهد (سيلفي) للذكرى ، بينما تحاول إزالة هذا الجدار العنيد بدفعة بسيطة من يدك ، أو بمجرد ركلة من قدمك ، فلا شك عندي أن قائمة الحمقى ستزيد واحداً . بوسعك أيضاً إيثاراً لسلامتك ، أن تبتعد عن الجدار بالكلية ، مواصلاً طريقك ، إما بالإلتفاف من حوله ، كانك لا تراه ، أو حتى بالقفز من فوقه ، بالمناسبة كثيرون منا يفعلون ذلك .

عندما يُغلق باب الإجتهاد ، أو يُراد له ذلك ، فإن أبواب أخرى - في المقابل - تغدو مشرعة على كل الإحتمالات ، وعندما يُنظر إلى نفر من الناس ، على انهم مهرطقين  ، أي ذوي عقائد غير صحيحة ، أو ملتبسة ، لمجرد محاولتهم عرض صور حضارية حقيقية للدين ، في إطار من قيمه العامة ، ونسقه الإنساني البديع ، فإننا سنكون إزاء معضلة حقيقية .

كان الدين ، ولم يزل ، وسيظل واحداً من أكثر عناصر التشويق لدى أولئك الذين لا يمثل الدين بالنسبة لهم سوى عنصر جاذب ، شديد الإثارة ، من شأنه أن يوفر لهم قاعدة شعبية فارغة المضمون ، إما خدمة لمصالحهم ، أو خدمة لمشروع رجعي بليد ، أو خدمة لطبقة سياسية حاكمة آنية أو حتى محتملة ، تريد الإتكاء على عصا الدين ، في محاولة لإيجاد صيغة أخلاقية تبريرية لكل ما يناقض روح الدين ومضمونه ، كان هذا فيما مضى ، وهو كذلك الآن .

سيظل الصراع محتدما - إلى أمد بعيد - بين أنصار الأدلة النقلية والعقلية في فهم المرويات التراثية ، وإن كانت نتيجته ستكون محسومة - وإن طال الزمن - لصالح أصحاب الرجاحة العقلية التي حثنا الخالق على إتباعها غير مرة في قرآنه الكريم .

في اليهودية ، والمسيحية ، كما في الإسلام حُرق الناس ، وقتلوا ، وصُلبوا ، وأُبعدوا ، وحوصروا ، لأن أحدهم قرر - في وقت ما - إستخدام المعول ، بمعناه المجازي الواسع ، الذي يُعلي من شأن العقل والمنطق والإستنباط والقياس ، وكل صنوف التأويل المبناة على قواعد فكرية منضبطة ، لا تجافي الفطرة الإنسانية ، ولا تصطدم مع أي حقيقة تواضع عليها الناس ، ويرضى عنها الخالق ، فأينما تكون المصلحة ، فثم شرع الله .

ما يلي ، حديث مختلق فيما بيني وبين نفسي أردت من خلاله ، إبداء رأيي الخاص من جديد - وإن يكن بشكل مختلف -  في الجدل الذي دار ، ولم يزل ، حول الطرح الذي كان يقدمه الأستاذ / إسلام بحيري على قناة القاهرة والناس ، وتدخل الأزهر بأشياخه التقليديين على الخط ، وجنباً إلى جنب هذه المرة - ويا للعجب - مع عتاة السلفيين ، من أجل لقم إسلام بحيري حجراً ، وإسكات صوته إلى الأبد ، ورغم الملاحظات التي يبديها البعض حول الطريقة أو النسق الذي يقدم به المذكور برنامجه - وبعضها محق - فإنها يجب ألا تكون تكئة لغلاظ القلوب ، وجفاة المشاعر ، ممن تيبست عقولهم ، وجمدت الدماء في عروقهم ، إلا من نزف أسود يريدون به تلطيخ وجه الأمة ، ومن قبلها الدين .

*****

حدثني نصُ بن التراث ، عن قلم بن محبرة ، عن شيخه قصاصة بن الصفراء الذابلي ، عن مماحك الأعور ، عن مناكف ذا المعاريض ، عن المتكلف من بني المتنطع ، عن كليل بن الأهوج أنه قال : ( أن العقل بضاعة ، وأن النقل صناعة ، فإشتغل بالصناعة ، ودع عنك البضاعة ، تسلم لك الدنيا ، ويصفو لك الدين ) .

قلت لراوي الأثر نص بن التراث ، انه قد إستغلق عليِّ الفهم ، وإستقبحت المراد من الأمر ، بحسبانه يدعوا إلى العمل بالمنقول ، دون إلتفات إلى المعقول ، فرماني ببصره حتى وجلت ، ثم أطرق هنيهة ، وإلتفت إليِّ وقال :

- يا هذا .. إن المرء إذا كان في شغل من عقله ، وأُعجب بمنطقه وقياسه ، علا واستكبر ، وأما إذا تتبع المنقول من شرفاء المسلمين ، وسادات المؤمنين ، فقد تواضعت نفسه ، وحُجب عقله عن متاهات التأويل .

- قلت .. سيدي ، ناشدتك الله البيان ، هل الشرفاء والسادات ممن ذكرت ، بأعلم بنفسي مني ، أم تراهم إطلعوا عن كنهها ، ودخيلة أمرها ، أم عساهم ضربوا مرابط خيامهم بين السماء والأرض ، فلا ينزل قضاء إلا بإجازتهم ، ولا يصعد دعاء إلا بمباركتهم ، ولما عليَّ الإنصياع لمنطقهم ، والنزول على إجتهاداتهم ؟ وقد حباني الله العقل كما حباهم ، وهو سبحانه سائلني ، كما أنه سائلهم .

- قال .. في حديثك زغل وجدل ، ولا أراك إلا قد تنكبت الطريق أو كدت ، ثم ماذا الذي حملك على أن تنظر بعين الريب والظنون إلى المنقول ، إلا هذا الذي تسميه عقلاً ، فصور لك الأمر على غير هدى ، فألقى في روعك تلبيس وخلطه بتدليس ، فحثك على نبذ الأثر ، والإعراض عن الخبر .

- قلت .. ما كان لي شئ من ذلك ، ولكني أُنزل الأمور منازلها ، فما إستقام منها قبلته بلا غلو ، وأما ما إعوج منها طرحته بلا علو ، وأما ما إلتبس عليَّ إدراكه ، ولم يبلغ الشك فيه مداه ، ولا اليقين منه مناه ، توقفت عنده ، حتى يقضي الله فيه أو فيًّ أمره .

2015/02/16

نصائح المسيح للدواعش

بقلم : ياسر حجاج

إذن .. فقد قُدم عدد من المسيحيين المصريين
العامليين بليبيا ، كقرابين ذبيحة للشيطــان ،
قُدموا وقد بُتت رؤسهم ، تشخب دمـاً حراماً ،
وتنضح بعار إنساني مريع ، قُدموا صرعـــى
غرباء من أجل أرغفة خبز ضــــن بها عليهم
-في أوطانهم- من لا يهمه أمرهم ، فمن لهم!
بل من للأيتام والأرامل والثكالى والمكلومين،
من للملتاعين من بني وطنهم ومحبي مهجهم
بل من لنا نحن .................؟



هاكم نصيحة المُعلم
لكل دواعش الفكر والمعتقد

سأُريكم طريقة أعظم .. 

- إذا تحدثتُ بلسان البشر والملائكة ، وليس في قلبي المحبة ، فما أنا سوى جرس طنان ، أو صنج رنان.

- إذا ما كنتُ أستطيع أن أرى الغيب ، فأملك ُ سر كل ما غمض ، وأفقه كل علوم الدنيا ، وأمتلك كل الإيمان الذي يُمكنني من تحريك الجبال ، وليس في قلبي المحبة ، فأنا لا شئ من دون المحبة .

- إذا تخليتُ عن كل ما أملك ، وقدمتُ جسدي ليُحرق ، وليس في قلبي المحبة ، فما ربحتُ شيئاً .

المحبة هي المعاناة الطويلة ، هي الطيبة .
المحبة لا تحسد .
المحبة لا تتباهى .
المحبة لا تُسئ التصرف .
المحبة لا تسعى إلى مصلحتها .
المحبة لا تُستثار بسهولة .
المحبة لا تحمل الضغينة .
لا تسعد المحبة بالشر ، ولكن تحتفي فقط بالحقيقة
المحبة تقي الجميع ، تثق بالجميع .
دائماً تأمل ، دائماً تتحمل .
المحبة أبدية .

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة