2015/06/17

الوصفة !


بقلم : ياسر حجاج
صغيراً .. كثيراً ما كنت أكافح الإرهاب وفق القانون :
زئير النفير يصم الآذان .
ساعة الصفر تبرق من هناك .
فلتتقدم الطابية ، ولتٌزح كل المعوقات على جميع خطوط الطول والعرض .
ليرقص الحصان ، ويطح بحافره كل معتد أثيم .
لتصرخ الفيلة الآن ، فيسقط كل من تراوده نفسه الإقتراب .
بشائر النصر تلوح في الأفق .
يتقدم الجنود لتطهير الميدان .
يرقب الوزير المشهد من بعيد .
يشرب الملك أخيراً نخب الإنتصار .
فلتضئ الشموع ، ولتعلو البيارق .
أين تــــراها الآن .. إبنة الجيران ؟


 كبرت .. فشاركت ، الفريد هتشكوك الخلاص من كل الأعداء :
تم نزع مكابح سيارته .
غرق في مغطس حمامه .
وجد مشنوقاً بملاءة سريره .
أصيب بالإختناق داخل المصعد .
إختل توازنه فهوى من شرفة منزله .
عُثر عليه مذبوحاً داخل مكب للنفايات .
أصابته رصاصة طائشة أثناء رحلة صيد .
صدمته سيارة مسرعة أثناء عودته إلى منزله .

كبرت أكثر.. فعاينت إرهاب الإخوان
فعكفت على مشاهدة فيلم رصاصة في القلب

2015/06/14

حوارات حواري !


بقلم : ياسر حجاج
ربما دون أن تدري ، فلا قضية منتهية تقريباً ! كل نهاية متوهمة ، هي ذاتها إستهلال رتيب لفصل جديد ، ولربما مع أناس آخرين ، تصل به ما سبق ،  وفي طقس يجمع ما بين المحبط والممل ، يبدأ النقاش ، بادئ الأمر في منطقة محددة ، ومساحة زمنية معينة ، دقائق على بدء النقاش ، تجد نفسك ملقى إما في حضن جبل ، او عالقاً بجذع شجرة ، أو تصارع موج من أجل البقاء على اليابسة ، قد تسترد بعض من وعيك ، وتملأ رئتيك ببعض الهواء ، ثم تسأل السؤال الذي لا يعرف أحد الإجابة عنه : ماذا كنت أريد أن أقول ؟ ، لن يجيبك أحد ، فالكل منشغل بالبحث عن إجابة .
  
عجيب أمر هذه الحوارات التي نكون طرفاً فيها ، فأياً ما كان الموضوع ( هام - تافه ) يندر أن يبدأ النقاش وينتهي دون خروج أحد عن صلبه (أنت أو هو) ، وكأن القاعدة هي تلك التفريعات العديدة ، والخطوط الجانبية ، التي غالباً ما تستنفذ الوقت الأكبر ، والمجهود الأوفى ، ليس مستغرباً إذن أن لا قضية منتهية ، فكل طرف من خيط ، يُسلمك إلى طرف آخر ، وهكذا دواليك ، حتي يستحيل الأمر في النهاية ، إلى كومة من الشرنقات المتداخلة التي تنسج حول روحك حبلاً ، سيكون خبراً سعيداً بالتأكيد إن تمكنت من النجاة بنفسك ، هذا بالطبع إن كنت مهتم .

النقاش هو نوع من الفنون ، غير أن إدارته هو عين الفن ، والإلتزام بالخط العام للموضوع ، هو أمر جوهري للغاية ، نوع من المران يُكتسب ، كما أنه أحياناً جزء أصيل من ثقافة المتحاور ، وكلماً كنت حريصاً على الإلتزام به ، بل وجعل غيرك يلتزمه ، كلما كان أمل الوصول إلى نتائج محددة ، وفائدة مرجوة كبيراً ، فعديدة هي القضايا التي لا نجد لها حلاً ناجعاً ، أو لا نجد لها حلاً على الإطلاق ، ليس لأنها في ذاتها مستحيلة أو عصية على الحل ، لا .. ولكننا في الحقيقة لا نتحدث بشانها ، وإنما في شأن من شئونها أو أشباهها ، قديماً تشابه البقر على بعضهم ، وبعد مناورات ومداورات ، أدركوا أن التشابه الذي تراءى لهم ، لم يكن في الواقع له حظ من الحقيقة ، بقرة .. أي بقرة ! .

لسنا أفضل حالاً .. لم يعد الأمر مقتصراً على بقرة ، إنما حتى على البيضة ( مين اللي جابها وسلقها وقشرها وأكلها ) ، صحيح كان هذا فيما سبق ، عندما كنا صغاراً ، ولكن هل كبرنا ؟ خض غمار أي حوار ، ستدرك بسرعة ، انك ما بارحت حجر أمك ، او صدر أبيك ، لابد وأن قصة البيضة لم تزل تستهويك .. أليس كذلك ؟ .

النقاش ليس هدفاً في ذاته ، ولا ينبغي له أن يكون ، هو نوع من التواصل بشكل ما ، صحيح أنك لا تصل غالباً إلى شئ ذي بال في النهاية ، ولكنك على أي حال ربما تكون قد أدركت من خلاله ، أن بوسعك إفحام طرف أو أطراف أخرى ، بدا لي كم كنت سعيداً عندما وضعت أحدهم في زاوية ، وحاصرته بحججك ، وصببت عليه البراهين صباً ، حتى إستغاث ورفع منديله الأبيض ، لكم كنت قاسياً ، وأنت تسفه من أراءه ، وتسوق الأدلة على هشاشة منهجه ، لقد قتلته يا رجل ، ولكن قل لي : هل أنت سعيد الآن ؟ إن كنت كذلك ، فيؤسفني أن أقول لك ، أنك لست أقل تفاهة ، فهذا ليس نقاش ، وإن تسمى بإسمه ، وتزيا بزيه .

كثيراً ما نبتدع أسماءاً جديدة لذات الأشياء ، ونكهات مختلفة نُغطي من خلالها على المذاقات الأصلية لها ، فلما نفعل ذلك ؟ لأننا ألفنا اللعب والمناورة والتبرير ، جزء من ثقافتنا ، أو تراثنا ربما ، حتى بات توأمنا الملتصق ، الذي لا يريد المغادرة قريباً على ما يبدو ، إن أفضل ما رأيته وعاينته من سني العمر المنقضية ، أن فضيلة الإنصات لا تضاهيها فضيلة ، كم هو جميل أن تكون إذنك في مقدمة الركب ، جميلة هي أيضاَ لحظات الإسترخاء العصبي ، المصحوبة بإبتسامات باهتة ، وأنت تعاين الكذب والمبالغة والتنطع ، أيها الأوغاد .. هل أعرفكم من قبل ! عبارة وددت لو ألقيتها على وجوه الكثيرين .

نقاش واحد ، هادئ وصادق ستجده ، لما لا تنظر إلى المرآة الآن ، ها قد عرفته إذن ، جريدتك وفنجان قهوتك ، وإن شئت فسيجارتك ، فر إلى الشرفة أو غرفة المكتب ، إنسحب الآن من كل هذه العوالم الخطرة ، إنفض عن نفسك غبار الحوارات ، خاصم تلك (المكلمات) البائسة ، فنفسك تستحق بعض من الرعاية والتدليل ، قل لي بالمناسبة .. هل جربت أن تستخدم (إصبع روج) زوجتك في الكتابة ؟ لقد وجدته رائعاً .. المهم أن تتعلم كيف تكتب به .. حاول .. لن تندم ، إنما .. لا يكن جل همك أرجوك ، إستنساخ عبقرية يوسف وهبي .

2015/06/10

ماما .. زمانها نايمة !

بقلم : ياسر حجاج
هي هكذا إذن ! فما بين دفقة روح وإنسلالها فثم الحياة ، حيث الكثير من الأماكن والصور والأشياء ، في رحلة التيه تلك ، يلزمك تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، ليس الأمر بهذه البساطة التي تظن  ، فقبل ذلك عليك إجتياز إختبارات عديدة في كمياء الألوان ، لكن حذاري .. أن تتوه منك التفاصيل في الزحام ، إياك أن تتخلى عن الوشوشات ، لا تدع الصراخ يبلغ حد الصدمة ، وإلا فإنه ، وبمرور الوقت ستنطبع الألوان السائدة ، وتختفي أو تكاد خطوط الأناقة ، مرة واحدة تخاصم فيها الذوق ، فتصير جزء من فاترينة العرض ، وتغرق في إقتصاديات السوق .

مناديل موشاة بالدانتيل ، جوارب طويلة ، أحذية ذوات أربطة ، ساعة يد كلاسيكية ، ربطات عنق غامضة ، بالمناسبة قل لي .. ألم تسمع أو تقرأ شيئاً عن فن المنمنمات ، زخرفتك الإنسانية ، ذلك الألق المتواري عن أعين الفضوليين ، فلننظر ماذا ترى ! في ظني ستكون المصارحة هنا أمراً حاسماً .

بت في فصول الصيف ، لعلك تفتقد الآن أكثر المشاعر إنسانية ، سقوط المطر المصحوب بإهمال متعمد لمظلتك الواقية ، لعلك كنت أكثر حكمة عندما تأنيت في مشيتك ، لم يكن هناك ما يستدعي العجلة ، حيث بدأت كل المعزوفات في التألق ، لا أدري حقاً لما كنت تتابع مسبقاً سقوط المطر من الشرفات ؟ كان عليك أن تكون جزءاً من الحدث ، الآن وقد إكتسى زجاج النافذة بالكثير من البخار ، فماذا تريد أن ترسم ؟ قلب يتوسطه سهم ، لا .. موضة عتيقة ، شفاة يابسة تاقت للترطيب .. لست متأكداً ! أم تراك تريد تدوين الأحرف الأولى لتلك التي لم تعرف بعد ؟ لكن تمهل .. هناك من تقف في الخلف ترقب المشهد عن كثب ، لا تتورط .. فلن تنفعك ترنيمة ، إذا مت ظمآناً ، فلا نزل القطر ، فما أكثر الظمأى أزمنة الفيض .

هل ما زلت تذكرها ؟ نعم ..  خمس عشرة سنة ، هي كل العمر الذي كان يفصل بينهما ، ليس بالشئ الكثير ، أليس كذلك ؟ طفلة تزوجت فأنجنب وليداً ، كبرت الطفلة فباتت صبية ، نهض الوليد فأضحى طفلاً ، ترعرت الصبية ، فإستحالت شابة ، كبر الطفل فصار صبياً ، الشابة على أعتاب النضج ترفل ، فغدت سيدة ، الصبي شب أخيراً عن الطوق فلامس حد الشباب ، ولربما قبل الآوان ، في أعمارهما المتقاربة نوعاً ما ، إنقشعت حجب الكلفة ، وحلت الصداقة محل الأرتام الرتيبة ، غدت النقاشات في محلة أسمى من مجرد الصور القديمة المتمثلة في إصدار الأوامر من جانب ، وإطاعتها من جانب آخر ، فكل الأمور موضع أخذ ورد ، لا أحكام مسبقة ، ولا حتى تطبيقات صارمة ، فالصداقة المبكرة والتسامح المفترض ، كانا يفرضان آليات مختلفة في التعاطي والتناول ، كان الأمر أكثر من رائع .

كبرت السيدة قبل أوانها ، وكذا الشاب البكري وأول الفرحة ، بدا الأمر لاحقاً ، وكأن إستدراكاً متأخراً بدأت تلوح بشائره في الأفق ، حيث إعادة موضعة الأشياء ، وإستدعاء كل الأشكال النمطية في العلاقات ، فأنا الأم ، وأنت الإبن .. هكذا صاحت ، ولكن عذراً ليس هذه المرة ، فلن أعود القهقري .. هكذا أسفر عن وجهه الشاب ، إتفقا وإختلفا ، بل تخاصما وتصالحا ، شأن كل الأصدقاء ، وككل سمار الليالي ، كانت تجمعهما حفلات الشاي التي لا تنتهي ، فيكون العتاب ، ومن بعده يأتي التبسم ، فتحضر القفشات ، فالضحات ، فتحية المساء ، ثم .. الختام ، باللهم إجعله خير .

روت له كيف أنها وصديقتها عندما كانتا شابتين ، تم طردهما من مناسبة عزاء في وفاة أم لصديقة أخرى لهما ، ذلك أنهما لم يتمالكا نفسيهما من الضحك رغم محاولتهما المضنية للكف عن ذلك دون جدوى رغم نظرات إستهجان الحاضرات ، يا إلهي .. حتى في مناسبات العزاء كان الضحك حاضراً ، ولما لا ، ( نحن أبناء لن يكون حظهم من ميراث الأسرة سوى الضحكات ) .. هكذا قال له أحد أشقائه .

أكثر المناسبات التي كان يفر منها ، فرار الحُمر المستنفرة إذا ما رأت قسورة ، هي مناسبات العزاء ، فالصورة المروية مطبوعة في المخيلة ، فإن هي إلا لحظات معدودات في سرادقات العزاء ، حتى يستحيل الأمر برمته إلى مسخرة حقيقية ، في مواضع كان يفترض أن يكون فيها من الهيبة والوقار الشئ الكثير ، ولكن هيهات ، في إحدى هذه المناسبات إصطحبه صديق لمواساة زميل لهما في وفاة عمه ، وإذا بالصديق الجالس بجواره يهمس له بصوت خفيض ( الله يرحمه .. كان إبن كلب ) ، في لحظة خاطفة تناول منديله ووضعه على فمه في محاولة لوقف بركان المرح الذي بات على وشك الإنفجار في وجه الجميع ، ومع محاولته إنقاذ ماء وجهه وسط الحضور ، تلآلآ الدمع في عينيه من فرط محاولته إماتة الضحك ، وكبح جماح السرور ، الأمر الذي حدا باحد الحضور أن يقوم من مكانه ، ويهدأ من روعه ، ويطالبه بالصبر الجميل ، لقد حسبه المسكين يبكي على المرحوم ... إبن الكلب .

عادت فأهدته شريط كاسيت ، كان دائم الدوران في أرجاء المكان ، فقالت لقد أزرى بك الدهر بعدنا ، فقلت معاذ الله ، بل أنت ، لا الدهر ، وعلى وقع الذكريات الطربية أيام الوحشة والمرض والتأوه ، أسفرت عن أغنية أثيرة لديها لم تعد تسمعها منذ زمن بعيد ، كانت بالكاد تتذكر بعض من مقاطعها ، لكم كانت سعادتها كبيرة عندما أفلح في العثور عليها ، وقام بإسماعها إياها ، على بعد ألفي ميل ، لقد دخلت الآن الجنينة ، فما عساها ترى الآن ؟ رحمك الله يا أمي .


2015/06/08

سيدي عبد الفتاح


بقلم : ياسر حجاج

هل آتيك بالخبر ، أم أبوح لك بالسر ؟
الخبر .. أني أحبك
أما السر .. فإني أحبك

منذ عام دعوت ربي في صلواتي
 ألا يكتب لي حسنة من صالح عمل
 إلا وجعل لك منها نصيباً مفروضاً
 وما دعوت لأبي بالشفاء وأمي بالرحمة
 إلا وكنت أنت ثالث أضياف الدعاء
 أعلم أنك لا تمشي على ماء
 ولا تطير في هواء
 ولا ترفع يدك إلى سماء فيفيض ماء
 ولكنه الحب يا سيدي يا صاحب البركات .

من دون الناس ولعلي أحدهم  
أرى الحمام الأخضر في الموكب
 والهالة الناعسة على طرف المحيا
 ومن خلف النظارة السوداء أجد الأمل يُبرق ثم يُسفر
 ها قد عرفت الآن كيف هو الصبح إذا تنفس
 ألا ليت أشياخ الطرق يتواضعون
 وليهدأ المريدون
 فلعه الآن زمن المجاذيب .

2015/06/01

أم محمد .. شكراً .


بقلم : ياسر حجاج

صديقتي وزوجتي الحبيبة / أم محمد
بعد التحية

ها قد أطل من جديد شهر يونيه ، كشاهد عدل ، ذو ثقة صدوق ، على هذين الذين إستقلاً وحدهما قطار رحلة منذ 25 عاماً ، تقاسما فيها معاً لقمة عيش ، وفاتورة حساب ، ثم سرعان ما إستقبلاً أضيافاً أعزاء ، أتسعت لهم مطارح قلوب ، وأحداق عيون ، هؤلاء الرائعين والرائعات من الأبناء والبنات ، الذين أضفوا على الرحلة الكثير من البهجة والمرح والسرور ، حيث أعطوا كلينا ، أسباباً وجيهة ، بأن في الحياة حقاً ما يستحق النضال والكفاح من أجله ، لعله يا عزيزتي .. ربع القرن الأسرع في حركة التاريخ مذ كان .

 إن شهر يونيه على قيظه وحره ، رأيته يتواضع اليوم ، وقد داعب المخيلة بنسمات ليست في طبعه ، ولا هي من شيمته ، لعله أراد يا عزيزتي ألا يكون ضيفاً ثقيلاً لهذه العائلة في مناسبة عزيزة على نفوسهم جميعاً .

لعلك تعلمين ، أنني أميل غالباً إلى التقييم ، والنقد اللاذع ، وتتبع الثغرات ، وتسليط الضوء على الهفوات ، ربما بحكم التخصص ، ولكنني اليوم أقف متجرداً ، إلا من سيف الإنصاف لأقر لك ، بأنني لم أجد في محطات الرحلة الطويلة ، ما يستحق الوقوف عنده ، أو النظر فيه ، ويكون محل عتاب أو مؤاخذة ، ذلك أن العكس هو الصحيح تماماً ، فبحكمتك وأناتك ، نجحت الأسرة جميعها في أن تكون مضرب مثل في التماسك ، والإحترام المتبادل والود العميق .

لعلي أذكر الآن تساؤلات بعض من الرفاق والأهل عن حصاد غربتي ؟ يبدو أن المساكين لا يدرون أنهم يتحدثون ألى أمير متوج على عرش أسرة دافئة ، وسلطان مفتون بالوهج العائلي ، فأي حصاد ذاك الذي يعلو على الرضا المنبعث من عيونكم ، وأي ثراء أفضل من الإحساس بأداء الواجب تجاهكم في حدود الإستطاعة ، وأي غنىً أبقى من أن أشعر براحة ضمير ، وهدوء نفس إن ذهبت لأخلد إلى النوم ؟ صحيح أنكم حولتموني من مليونير مُفترض ، إلى مستور مقتصد ، ولكن لا بأس ، فعافيتكم رصيد لا ينفذ ، وحساب جارٍ إلى يوم الدين .

فشكراً لك أن كنتِ زوجة عظيمة مخلصة ، وأم رؤوم ، شكراً لك .. أن تحملتي الأمزجة المتقلبة ، والفصول التي أتت في غير أوانها .. شكراً لك أن تحملتي على مدار أعوام عديدة ، نثريات مملة ، وأشعار مرتجلة وملفقة ، كانت دائمة مصحوبة بقهقهات عالية ، إذا ما قُدر لقائلها التوفيق في الإتيان بوزن متسق ، أو قافية منتظمة .. شكراً لك أن تحملتي كل هذه الثرثرات ، والسرديات البائسة عن عهد الطفولة غير البرئ .. شكراً لك على تعليمي قواعد الوقف والإبتداء ، والتفرقة ما بين المفخم والمرقق ، وكل أنواع المدود .. شكراً لك أن شاركتيني الحلم حتى بات قبضة يد ، بعد أن ظننت أنه قبضة ريح ، شكراً لك أن تحملتي ذاك الصداح في غير أوانه ، الذي لم يمل كل صباح من تكرار بائس وبصوت تخالطه بضعة من نعاس ، مطلعاً من أغنية الفيروز الدائم :

أنا شهر زاد القصيدة   وصوتي غناء الجراح
أنا كل يوم جــــــديدة   أهاجر عند الصبــــاح

2015/05/28

حفلة 6 !


بقلم : ياسر حجاج

- سألنى أحدهم عندما بلغت الخمـــسينً .. كم عمرك ؟
- مبتسماً وبغير تردد .. خمس وعشرون سنة عشتها
، غير أني لم أحيا سوى خمس وعشـــــرون أخرى !

من الأمور التي كنت حريصاً على تحديدها بشكل جاد منذ وقت مبكر نوعاً ما ، هو التفرقة ما بين العيش والحياة ، إذ يختلط الأمر على بعضنا أحياناً ، فيما يخص هذين المفهومين ، حيث يجري تناولهما بحسبانهما شيئاً واحداً تقريباً ، أو مترادفين لمعنىً واحد ، ذلك أن عيشك ، هو جدك وسعيك وكسبك لنفسك ومن تعول ، أما حياتك فهي نفسك وروحك ومرحك ، وتفريعاً على ما تقدم ، نقوم بتقسيم اليوم إلى قسمين متساويين ، نصف الأول للعيش ، ونصفه الآخر للحياة ، والتفرقة التي أعنيها ليست بالتأكيد تلك القسمة الجامدة ما بين توقيتين في يوم واحد ، وإنما هي قسمة ما بين الجد والمرح ،  الحياة عندي بالمناسبة ، تبدأ في السادسة مساءاً حتى مطلع الفجر ... يا مساء الأنوار ! .

ما المساء إذن ؟
أحد الأضياف خفيفي الظل ، السامر الذي يقرع أبوابنا ، كلما رأى الشمس تلملم وهجها إلى ما وراء الأفق ، أنيس أنيق ينضم لجوقة رفقتنا النبيلة .. كتبنا ، قصاصاتنا ، قهوتنا ، وحتى سجائرنا ، فالمساء يعطينا أكثر من مجرد إشارة إلى هبوط الليل ، فهو ينبهنا أن أشباح النهار قد توارت ، وأن أطيافه هو على وشك أن تُسفر عن وجهها بكل دلال ، وعلينا بالتالي الإستعداد لأن نكون صحبة السكون العاصف ، الذي يُؤذن ببدء المغامرات الخطرة ، حيث تستأذن الأمطار الموسمية ببدء الهطول .

لذاكرة المساء .. إثارة لا تُقاوم ، وشهوة لا تصل بك أو معك إلى حد الإشباع أبداً ، دائماً ما تجعلك تلهث وراءها للإستزادة ، فتعطيك طرف من خيط ، أو شعاع دقيق متسرب من خلال نافذة مشروخة ، فقط لتذكرك أنها كانت هناك ، شاهدة يوماً ما ، على الألق والأرق ، على المناديل المعطرة المهداة ، وتلك الجوارب الناعمة التي تجاوزت حدود الساق بكثير ، على الإبتسامات ، ونوبات السهارى تحت أعمدة الإنارة .


إن فاتك الأول .. فالمساء .. ضمير ثان .




2015/05/25

ألف ليلة وليلة

بقلم : ياسر حجاج
      
ألف ليلة وليلة ، لكورساكوف
نبتة من عهد القياصرة 


لا أدرى إن كان بوسع أحدكم أن يستقطع قرابة الـ 45 دقيقة من إحدى أماسيه العديدة هي عمر المعزوفة ، ليعيد ضبط (إعداداته) إلى صورتها الأولية ، فيتقمص دور طائر بحري لم تلامس قدماه اليابسة قط ، لا أدري أيضاً إن كان أحد مهتم أصلاً بإعادة التعرف إلى حواسه ، ليوقن من بعد ذلك ، أن للأذن وظيفة أخرى غير السمع ، وأن العين تعمل إلى ما هو أبعد من حدود الرؤية .

إن هيئاتكم وإن بدت صارمة ، وقسماتكم وإن أسفرت عن شاكلة جادة ، لن يكون بوسعها أن تخفي الجمال المركوم تحتها ، ولا هذه الخمريات المتناثرة ما بين لحم وعظم ، وكتلك التي تشققت فخرج منها الماء ، كذلك هي منابت الروح ، إن هيأت لها سبيلاً - بعد طول خمول واختباء - للإطلالة على العالم من جديد .. فقط يود أحدنا لو مُنح فرصة واحدة ربما ، ليستكشف بنفسه أن المجهول من عالمه الخاص ، أكبر بكثير من المعلوم لديه ، أزعم أن هذه المعزوفة ستؤمن جزء لا بأس به من هذا الجانب ، فلقد جربتها مراراً ، ولم تخيب رجائي ولو لمرة ، وكونك قد إكتشفت ، أو حتى كنت على وشك أن تكتشف زوايا جديدة في شخصيتك ، فإن هذا لا يعني بحال ، أن أمورك ستسير نحو الأفضل ، غاية الأمر ، أن بداخلك ما يصح البناء عليه ، أو الإنطلاق منه ، أو الإستئناس به على أقل تقدير في هكذا أمسيات .

لزم التنبيه .. أن يا حبذا لو إستمعت لهذه السيمفونية منفرداً ، بالنظر إلى الحالة التي قد تتلبسك ، وتجعل منك محلاً لإستغراب المحيطين بك ، ذلك أنه من المؤكد أن القلق سيساورهم بشأنك إن سمعوا دبيب قدميك ، أو عاينوا تلويح يديك ، ولربما بلغ القلق منهم مبلغه ، إن رأوك وقد إنخرطت محاكياً قائد الأوركسترا السيمفوني ، الذي بدا وكأن مس من الجنون قد أصابه ، بينما يقود بإقتدار لافت جموع العازفين على مختلف آلاتهم الموسيقية في نسق بديع ، لامس حد الخيال ، لذا .. عليك الإنتباه ، فلست أنا أو أنت ، في حاجة إلى أن نُعطي الغير ، أدلة أو شواهد جديدة ، على تقدمنا في العمر ، وإذا وجدت نفسك بعد سماعك المعزوفة ، على ذات الهيئة التي كنت عليها قبل سماعها ، فأنا أتقدم لك بالإعتذار مقدماً ، أن قد مررتُ المقالة من تحت عينيك بطريق الخطاً ! .

2015/05/21

تخوم الذاكرة !

 نتيجة بحث الصور عن الذكريات
بقلم : ياسر حجاج
دفقة مطر قصيرة كانت أكثر من كافية ، ليعمل السلم الموسيقى بكامل طاقته ، لتبدأ بعدها أماسي المرح ، دفعة من هواء لطيف عبر نافذة مواربة ، كانت تفي بالغرض لتحيل الستائر المرتعشة إلى راقصات باليه على أنغام سيمفونية ألف ليلة وليلة لريمسكي كورساكوف ، أما وقد إنقطع التيار الآن ، فالترحيب بات لازماً بالكائنات الشفافة السابحة في فضاء المكان ، تبدأ الآن جلسات نقاش أحادية بين الصوت والصدى ، والرهبة المحفوفة بالرجاء ، على ضوء كشاف إضاءة باهت تبرز قصاصة عتيقة في إحدى زوايا المكان ،  مدون عليها : أن أحد أحفاد فيكتور هوجو أديب فرنسا الأشهر دخل عليه ذات يوم فوجد خادمة المنزل بين أحضانه ، وإذا بالحيرة التي إنتابت الحفيد ، تبددها كلمات الأديب الكبير ( أي بني .. هذه هي العبقرية !! ) ، ومع إيحاءات المعنى ، والصورة السينمائية للمشهد يعود التيار ، فينشط عمل الأحداق ، وتعود الخلايا للتكاثر من جديد .

هذه المرة مع أحدث إعلانات مستحضرات التجميل ، حيث أحمر الشفاه المجرب على شفاه الباريسيات الفاتنات ، وذاك العطر الذي يعبق المكان عبر شاشة تلفاز عتيق ، كوب من الشاي الدافئ على عجل الآن ، فلم نلج بعد عصر القهوة التركية ، مع سيجارة مختلسة من علبة دخان الوالد ، تغدو المشاهد في غاية الإثارة .

قربت الأيام السوداء .. لما لا نكب على كتبنا الدراسية الآن ؟ تباً للكمياء والفيزياء والأحياء ، حبذا لو غاص مدرسو هذه المواد في محاليل حارقة فتتآكل لحومهم وعظامهم ، وليذهبوا إلى الجحيم بأنفاسهم التي تفوح منها رائحة الكلور ، كان جاليليو إستثناءاً بحق ، ألم يقل أن الله صاغ الكون بلغة الرياضيات ؟ .

كانت غابات السافانا أهم من أي نظرية علمية ، مشروب الكوكاكولا أكثر فائدة من إكتشاف البنسلين  ، لما لا نجرب خلط الفلفل الأسود بالشاي ، الشقيق الأصغر على وشك أن يعاين الآن تجربة القئ عن قرب ، وعلى دراجة منزلية ذات عجلات ثلاث ، أصدر فرعون الأمر لخدم المكان أن يحملوه عليها جيئة وذهاباً بطول المكان وعرضه ، كانت العصا حاضرة ، وبصوت يتردد لمن يتردد ( العصا لمن عصى ) ، على وقع صراخ الضحكات كانت الأجساد المذعورة تتحاشى أن تكون فى مرمى العقاب ، لا أجمل من أن يكون أحدنا هو الإبن الأكبر ، ليتقاسم مع الوالدين بسط السيطرة والنفوذ .

حدث كبير .. قامت الأم بتركيب قفل لباب الثلاجة لقطع الطريق على الفضوليين ، فليكن .. عود معدني بسيط سيعالج الأمر على أحسن ما يُرام ، باتت الفرصة مواتية الآن لإلتهام المزيد من الزبد الذي أتى لتوه من الجدة المقيمة بالأرياف ، مع آخر لقمة ، سأخرج لساني ، لكل أولئك الأشرار المقيمين بالمنزل ، ستائر الردهة منسابة بأريحية ، ستعانق بعد قليل تسديدات صاروخية من أمهر من لامست الكرة قدميه ، وسط هتاف المشجعين ، يغدو التواضع مطلباً ضروريا ، سأكتفي برفع شارة النصر ، بينما العيون الخجلة تعانق اللا شئ .

ولا أدك ميه يا أبو العين العسلية .. تنبعث من الجوار ، من تراها هذه التي تريد أن تقطع رهبة مطالعة إعلانات التعازي بجريدة الأهرام ؟ الكلمات المتقاطعة بالجريدة كانت غاية في الصعوبة ، يبدو أن شرير آخر يعمل هناك ، يا الله .. لكم أكره الصحفيين !! .

زميلنا سعيد يحب زميلتنا صدف ، صدف تستلطف سعيد ، على عجل إجتماع لمجلس الأشرار من رفاق الشلة ، الخطة .. تشويه السمعة أو الإبتزاز ، صفحة ملخصة من مادة العلوم ، ستتحول إلى خطاب غرامي مختلق من أحدهما للآخر ، مع التهديد بتسليمه لمدرس المادة ، الهدف .. إستخلاص الفتاة الطيبة من حمى هذا المتأنق التافه ، معارك بالحجارة ، وأكياس الرمل الصغيرة ، نصب الأكمنة على أطراف الشوارع والحارات للغريم ، كانت النتيجة مبهرة ، أتت صدف صاغرة لتسليم مفتاح مدينتها ، وبكل نبل الفوارس يأبى الفاتح الجديد سوى أن يهديها قالب من الشيكولاته ، حصيلة مصروف يومين ، ثم يدعها وينصرف دون أن ينبس حتى بكلمة !! . 

2015/05/11

شاعرية العقد السادس



بقلم : ياسر حجاج
في سني أعمارنا الخضراء ، وعلي أسوار البراءة والعفوية ، نجلسُ مُطوحين أقدمنا في الهواء في حالة من اللهوِ البرئ ، ثم ترانا وقد أجلنا أبصارنا وخواطرنا فيمن يمرون أمامنا ، ممن يكبروننا سناً ، أو حتى يفوقننا قامة ، فنغيبً للحظات عن مشهدنا الطفولي الواقعي ، بالسياحة فيما وراء ما لم يأتِ بعد ،  وقد إستغرقنا في اللحظة المنتظرة ، التي نبلغ فيها مبلغ الكبار ، فنصرخ في وجه الجميع ، بدلاً من أن يصرخ في وجهنا الجميع كما الآن ، في هذه السن لا يعرف أحدنا دلالة الأيام ، ولا معنى تدافع السنين .

نكبر فنلامس مراحل الصبا ، فنتجاوزها بخفة إلى مرحلة الشباب ، فإننا شببنا ، تاقت نفوسنا إلى طور الرجولة ، فإن بلغناه ، طالعنا كتاب عن (أزمة منتصف العمر) أو حتى عن (ربيع الأعمار)  ، أي أنه وبدلاً من أن نتعايش مع كل مرحلة بلغناها بكل ما فيها ، ترانا وقد عدنا نلهو من جديد ، مُطوحين أيادينا هذه المرة ، وقد إستغرقنا مجدداً في المرحلة التي تليها ، وهكذا دواليك ، ففي كل مرة ، معايشتنا مؤجلة ، وفرحتنا مجمدة ، والمحصلة ليست سوى إنتظار طويل لموسم قطف الثمار ، الذي يبدو أنه لن ينضج أبداً ، الآن ربما نعرف لما كنا نفكر في مرحلة التقاعد ، على الرغم من أننا كنا لتونا قد إلتحقنا بسوق العمل .

تمادينا كثيراً في حرق المراحل ، واحدة بعد أخرى ، حتى وصلنا أخيراً إلى المرحلة التي لا تتلوها غالباً مرحلة جديدة على سلم الأعمار ، بل خط نهاية ، نرى معالمه من بعيد ، ولكنه كأوضح ما يكون ، ولعلنا قد أبصرنا أولئك الذين بلغوه ، ثم لم يعودوا ليحكوا لنا  تجارب المشاهدات ، وإنطباعات المعاينات ، وإزاء الغموض الكامن وراء خط النهاية ، فإننا نفعل كل شئ لنظل على بعد مناسب منه ، فلا شئ أخوف للنفس من أن تترك قرص الشمس ، لتستظل ببقعة رمادية .

قبل ذلك قد ننتبه ، فتحدثنا نفوسنا المرحة ، بأنه سيغدو من الجميل لو تجاوزنا الواقع ، وتمردنا على المراحل بكل أشكالها النمطية التي يُراد لنا أن نكون جزءاً منها ، فنمسك ريشتنا ، ونرسم بأنفسنا العالم الذي طالما أحببناه فلم نجده ، والناس الذين وددنا لو قابلناهم ، فلم يُتح لنا إلى ذلك سبيلاً  ، فنبتدع عوالمنا ، شخوصنا ، وكل مرئياتنا ، حيث ممارسة الفصام الإرادي بكل معنى الكلمة ، حيث مجاوزة اللحظة الآنية ، والقفز إلى فضاء الدهشة .

وعلى صدى الوجيب الذي يضرب أفئدتنا ،  قد نتوقف ونسأل أنفسنا .. ما المراحل ، بل ما الأعمار ؟ شخصياً لا تهمني أية إجابة قاطعة ، ربما هي رقم في دفتر ، أو منبه باهت يُذكرنا بعيد ميلاد ، وهدايا تأتينا مهنئة إيانا بأننا مازلنا على قيد الحياة ، وأن لقب (المرحوم) ضل طريقه إلينا هذه المرة ، ولأنه ليس لدينا خطط عملية واضحة ، فإننا في الغالب سنهيم في الزحام كما الجميع ، إنتظاراً لكارت أحمر يُرفع في وجوهنا ، فنخرج من ساحة عريضة ،  لم تُراع فيها قواعد وأخلاقيات اللعبة بالقدر المأمول .


صحيح أن بالحياة ، ما يستحق العيش من أجله ، لكننا أيضاً نقول في مواضع أخرى ، أن ليس بها تقريباً ما يدعونا إلى التشبث بها ، إلا بمقدار الشوط الذي نود أن نقطعه في تثيبت دعائم ، أو إزالة معوقات ، أو حتى إضافة بعض النكهات ، وإذا كنا نشعر ببعض الإمتعاض أو الإحباط ، فإننا غالباً ما نعمد إلى خلق حالة من الترضية لأنفسنا ، مفادها أن من سيخلفوننا سيعملون بجد على تقدير ما كان من مسعانا وإجتهادنا ، كل على طريقته ، المشكلة أننا لن نكون هناك ، لنبدي لأحدهم أو إحداهن بعض الإمتنان .

غالباً لن تعطينا الحياة فرصاً جديدة للتجريب ، ولن يكون في وسعنا كل مرة ممارسة فن الإسترخاء عن بعد ، وكوننا قد أحرقنا مراحلنا السابقة ، بالتأبي على معايشتها ، والتمرد على الإنخراط الواقعي بها ، فإن هذا ليس نهاية المطاف ، فبوسعنا خلق مرحلة جديدة ، لعلها الأهم في المسيرة الشخصية لكل منا ، الا وهي المرحلة الشاعرية ، حيث الإطلالة النقية والصادقة ، وربما الأخيرة على العالم بكل ما فيه ، وأياً ما كان العمر الذي بلغنا ، أو التوفيق الذي صادفنا ، فإن شاعريتنا وحدها ستكون كفيلة بضبط زوايا الرؤية ، وتحديد المسارات لنا ، وستعمل على مساعدتنا في لملمة تلك الأشياء الكثيرة التي سقطت من بين أيدينا ، عبر عقود قد خلت من أعمارنا ، فهي مكافأة نهاية الخدمة التي ستتيح المحافظة على قدر معقول من أسباب البقاء .

صحيح أن عجلة الزمن قد دارت بنا ، وضرب الشيب عوارضنا ، لكن لا بأس ، فقليل من الحناء الداكنة ستكون كفيلة بمعالجة الأمر . أما عن مرايانا .. هل تظهر لنا حقيقة ما ؟ ربما ، ولكنها تعكس ما نود نحن أن نراه . مازلنا شباباً .. أليس كذلك ؟ نعم .. نعم .. فربطات العنق الملونة لن تختفي ، وقناني العطر ستظل شاهدة على الألق ، وفناجين القهوة التركية سترسم من بعيد صورة جانبية للمشهد ، أما عن أقراص علاجنا ، فلما نُعرها أي إنتباه ؟ ألم نقل دوماً ، أنه لا أشر من المحامين سوى الأطباء ؟ .

الشاعرية ستقطع الطريق على حالة تململنا ، ولسوف تخبرنا أن لكل مرحلة عمرية طاقتها وحيويتها ، بل وجاذبيتها ، ومهما بدت اعمارنا متأخرة ، أو تراءت لنا وكأنها تلهث في أمتارها الأخيرة ، فلسوف تحفزنا هذه الشاعرية على خوض غمار تجارب جديدة ، ككتابة مذكراتنا مثلاً ، وسنتفاجئ حقاً بأن لدينا الكثير مما يستحق أن يُقال ، وبالتأكيد سنجد من لديه الإهتمام للإستماع أو القراءة ، حتى ولو من باب التسلية أو العزاء ، نستطيع أيضاً - وعوضاً عن كتابة المذكرات - الإكتفاء بدفتر يوميات صغير ، حيث الرصد الحي والأمين للمشاعر والحماقات ، فجميعنا يحب الثرثرة بكل تأكيد . 

الشاعرية بدرجاتها المتفاوتة ، ستعمل معك على إستنبات طاقات حيوية جديدة ، كإستقبال زوار وأضياف جدد ، حيث أحاديث السمر مع صنف لا يشبهنا ، ولا نشبهه ، فن الحوارات الصامتة الطويلة بلا عناء ، دجاجات تصيح ، أرانب وادعة شاهدة على صلف الآدميين ، زهور وزروع ، قصاري ورد بالشرفات ، كاسات ماء مزدانة بالنعناع ، لوحات زيتية مبهمة محنطة على جدار ، صفحة بيضاء بغرف مكاتبنا كُتب عليها (الآن .. الآن .. وليس غداً) .

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة