2008/09/14

1- إرث وورثة

إن من عادة العرب أن يختص الأب إبنه الأكبر بكرائم ما خلفه من منصب أو جاه أو غيره على سائر أبنائه بإعتباره ولي العهد ، ولا زالت هذه العادة متأصلة في المجتمع العربي حتى الآن ، وهي ليست مقصورة على العرب وحدهم بل أنها موجودة في كثير من المجتمعات ، ويطلق عليها علماء الإجتماع "التعاقب" وهو إنتقال حقوق المنصب والدرجة والجاه والوضع .. هذا ما يقوله الأستاذ / خليل عبد الكريم "رحمه الله" في كتابه { قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية } ويؤكد عالم الإجتماع الراحل د./ مصطفى الخشاب أن بقايا هذه الظاهرة ورواسبها موجودة في كثير من المجتمعات المعاصرة مثل وراثة المهنة والوضع الإجتماعي ووراثة الفرق الدينية ومشايخ الصوفية والطوائف الحرفية وما إليها ، وإزاء هذا التعاقب أو التوريث وجدت أنه ربما يكون من المناسب لو نلقي الضوء قليلاً على جذور هذه الظاهرة في مجتمعنا العربي والإسلامي لعلنا نفهم ولو قليلاً ماهية الرواسب العميقة التي خلفتها هذه الظاهرة على مجتمعاتنا المعاصرة لاسيما فيما يخص الجدل الدائر والمستعرعن آفة التوريث في بعض البلدان العربية لاسيما بمصر... بداءة فإن التوريث لا يكون إلا في النظام الملكي فحسب وليس في غيره من أنظمة الحكم الديمقراطية الأخرى ، والسؤال هنا هل النظام الملكي يخالف نظام الحكم في الإسلام ؟ وإذا كان يخالفه هل يعتبر خروجاً على الإسلام ومجافياً لتعاليمه ؟ يجيب د./ محمد السيد الوكيل في كتابه القيم { الأمويون بين المشرق والمغرب - ج1 } أن نظام الحكم الملكي يخالف نظام الحكم الذي كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده ، فقد توفى الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يعين خليفة من بعده ، وإختار أبو بكر الصديق الخليفة بعده وهو ليس من عائلته ولا من أقربائه ، وترك عمر بن الخطاب الأمر شورى بين الستة الذين توفى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ، وإختار المسلمون خليفتهم بعد مقتل عثمان بن عفان ، وأما النظام الملكي ففيه يختار الملك ولي عهده في حياته ويكون من أبنائه وعائلته ، ويستطرد د./ محمد السيد الوكيل قائلاً أنه ليس بوسع أحد من المحققين أن يقول أن النظام الملكي فيه خروج عن الإسلام ولا مجافاة لتعاليمه ومبادئه ، ذلك أن الإسلام لم يعين طريقة خاصة بنظام الحكم ، ولو أنه إختار طريقة بعينها وجاء نص صحيح صريح بها لما جاز لأحد مخالفتها ، وقد رأينا الخليفة الأول رشحه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ثم بايعه المسلمون ، والخليفة الثاني إختاره أبو بكر الصديق وحده وحمل المسلمين على مبايعته ، وأما الخليفة الثالث فقد أُنتخب من بين ستة رجال وهو واحد منهم ، والخليفة الرابع علي بن أبى طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه فقد إجتمع عليه المسلمون لما قُتل عثمان بن عفان .. وهكذا نلاحظ أنه ليست هناك طريقة واحدة لإختيار الخليفة ، ومما يدل على أن النظام الملكي لا يجافي الإسلام ولا يخالف مبادئه أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا موجودين في عهد معاوية بن أبي سفيان وحضر كثير منهم بيعة يزيد بن معاوية وبايعوه ولم يقل أحد منهم أن معاوية قد خرج على الإسلام ، وحتى الذين إعترضوا وأنكروا لم يكن إعتراضهم وإنكارهم أن معاوية خرج عن الإسلام أو جافى تعاليمه وإنما كان ذلك لأن من ولاه معاوية ليس على مستوى الخلفاء الذين عهدوهم وتعاملوا معهم ، وكانوا يرون فيه من الصفات ما لا يناسب مقام الخلافة ، وكان بعضهم الآخر يرى أنه الأحق بالخلافة من إبنه يزيد ، وكان هذا وحده وجه الإعتراض .

يُتبع

هناك 5 تعليقات:

سراج يقول...

أعتقد أن العللة اليوم- خاصة في الدول العربية- ليس التكفير لأن حكامها متأكدين أنه لا يجرؤ أحداً أن يكفرهم لأن سلطة الإفتاء منضمة تحت لواءهم، نعم من السهل تكفير فئة ما إلا الحكام، عموماً ذكرتم {وحتى الذين إعترضوا وأنكروا لم يكن إعتراضهم وإنكارهم أن معاوية خرج عن الإسلام أو جافى تعاليمه} كيف يكون تنصيب يزيد شارب الخمر ملاعب القرود لا يعتبر تجافيا لتعاليمه، أن لم يكن كذلك فلماذا نأن اليوم من الحكام العرب، أما القول {أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا موجودين في عهد معاوية بن أبي سفيان وحضر كثير منهم بيعة يزيد بن معاوية وبايعوه }، هو عين التجافي للحقيقةلأن عيون المجتمع الإسلامي آنذاك وهم عبدالله بن عمر والحسين بن علي وعبدالرحمن بن أبي بكر وعبدالله بن الزبير، لم يبايعوا بل شرعوا في المعارضة من خلال إعداد العدة كما فعل الحسين عبر أرساله رسله إلى بقاع الأرض حتى أنتهى الأمر واقعة الطف، كذلك عبدالله بن الزبير لم يبايع بل ظل يقاتل حتى الرمق الأخير وقصة مقتله معروفة..

البنات حسنات يقول...

مرحباً بك مجدداً ، ويبدو أني سأشهد هنا على غير العادة نقاشاً جاداً، على كل حال فإن مداخلتك وإن كانت بعيدة بعض الشيء عن الهدف العام للمضمون الذي أردته لمجموعة التدوينات يما يخص هذا الموضوع ، فإني لا أرى باساً لاسيما وأن المجموعة التالية كانت ستتناول قرباً وبعداً مضمون ما اشرتي إليه ، ولكنه التعجل المستحب أحياناً ، فأهلاً وسهلا بك .

سراج يقول...

مقدماً أنا لم أقصد أن يكون النقاش عقائدياً، وأنما من قراءتي لما كتبتموه سابقاً رأيت أنكم لا تضفون برأيكم على ما تقتبسون وكأن ما أُقبص معصوماً ولا يمكن نقده.. أن الذي كتبه لم يكن معصوماً، كما أن لا معصوم من النصوص سوى القرآن، وهذا الأمر كلنا نتفق عليه، لذا ليس من الضير أن يتم مناقشته لأثراء البحث.. وأخيراً أتمنى لكم دوام التوفيق

م/ الحسيني لزومي يقول...

الشريعة الاسلامية تصنف الحكم نوعين:-
الاول:- حكم الوارث او الغالب
الثاني:-حكم المرشح المبايع
والنوع الاول يسلب الامة حقوقها التي يفرضها الاسلام ويجعل من افرادها عبيدا ويدفع الحكام الي التصرف في حقوق الامة ومستقبلها وارواح ابنائها دون حسيب او رقيب وحرمان الامة من استكمال حق الشوري مما ينتهي بالحيف علي حقوق الافراد والاستئثار بالامور العامة واقامة الحكم علي الاثرة والمحاباة والمحسوبية والظلم والجور.
ومن نتائج هذا الحكم ابتعاد الناس عن الدين وفساد الاخلاق واشاعة الفاحشة وتصدع وحدة الناس وتعدد احزابهم واتجاهاتهم وكلما زادت الفرقه زاد استعباد الحاكم للناس واذا كان بعض الفقهاء قد رضوا بولاية العهد (الوراثة) وبامامة الغالب وبالسكوت علي الظلم والفسوق وذلك للخشية من الفتنة الا ان ذلك ادي الي فتن اشد.
كما ان هذا النوع من الحكم يعطل امر الشوري بين المسلمين وهي واجبه( وامرهم شوري بينهم)
اما حكم المرشح المبايع فهو ليس الا عقد طرفاه الحاكم من ناحية والامة من الناحية الاخري ولا ينعقد الا بترشيح الحاكم للامامة اولا من اولي الراي ثم بالايجاب من الحاكم ثم المبايعة من غالبية الناس والعقد مقيد بشرط التزام الحاكم بمبادي الشريعة الاسلامية ومن اهمها الشوري في الحكم مقابل التزام الشعب بالسمع والطاعة .فالاسلام يعطي الامة حق اختيار حكامها وعزلهم ويجعلهم بمثابة النواب عنها ويقيم الحكم السياسي علي اساس البيعة والشوري وهو ما عرف في النظام الديمقراطي بنظرية العقد الاجتماعي وان كانت تختلف عن الاسلام في عدم وجود حدود مرسومة بين الحاكمين والمحكومين فهي تعطي الحكام او الحزب الحاكم سلطات شبه مطلقة في رسم منهاج حياة الشعب بالصورة التي يرتضونها دون حدود او قيود الا حدود الدستور وحتي هذا الاخير يكون قابل للتغيير والتعديل ..اما الاسلام فيضع حدود للمنهاج غير قابلة للتغيير او التعديل مهما اختلف الزمان والمكان وهي الحدود المستنبطة من الكتاب والسنة والمتفق عليها في عالم الاجتهاد.
وبهذا فان النظام الاسلامي يتميز عن الديمقراطية الوضعية بانه يحفظ للشوري قيمتها النظرية ويحقق صلاحيتها العملية ويحشد كل القوي لخدمة الجماعة ويدفع الناس الي التجرد والابتعاد عن الاهواء والمصالح الشخصية عند ابداء الراي ويجعل مصلحة الامة فوق مصلحة الحزب ويحقق الاتزان الاجتماعي علي اساس من التعاون بين الحكام والمحكومين.

البنات حسنات يقول...

إلى سراج ... ولا أنا قصدته عقائدياً لأنه ليس كذلك على أي حال ، فقد يكون التعجل محبباً أحياناً ولكن ليس كذلك في جميع الأحوال ، وعليك التريث لقراءة بقية التدوينات .

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة