2018/07/13

والتانجو إذا حكى !



بقلم : ياسر حجاج


ما وددتُ يومًا أن أكون شاهدًا على عراكٍ إلا هذه المرة
يا إلهي !! كيف تمكنتُ من المحافظة على رباطة جأشي حتى النهاية !!
إشتباك بين متناظرين ، ساحته يحدُها الجمال من كل الجهات
مع وعدٍ منهما بأن تبلغَ الدهشةُ منتهاها ، وينل العُجب غايته

الشيلو والجيتار ، رسولا الجمال ، ومبعوثا الدلال
يتسع الأفقُ ، وتخبو الأضواء ، ويعمل السلم الموسيقى كما لم يعمل من قبل
لا يوجد هنا وقت مُستقطع أو جلسات إستراحة ، ولا حتى هدنة لإلتقاط الأنفاس
طوبى لأصحاب الرهافة ، وذوي العقول المُذهبة
والأنفس التواقة لمعاينة حبس الأنفاس حتى اللقطة الأخيرة
رأيتُ كيف تنساب الروح وتتخدر الأطراف
حتى إذا جاء مشهد الختام ، وددتُ أن لو بقيتُ الستائر دون سُدول 
ولمَ لا ؟ أليست هذه هي المباراة التي يفوز فيها الجميع ؟

2018/07/12

كرواتيا .. أي حلم !!


بقلم : ياسر حجاج
يبدو أن محركات البحث على الإنترنت قد عملت بأقصى طاقتها ، لتلبية طلبات المستخدمين الباحثين عن ماهية تلك الدولة البازغة ، التي يحتل إسمها الآن صدارة نشرات الأخبار والمواقع العالمية ، بعد الأداء المبهر لفريقها الوطني لكرة القدم في مونديال روسيا 2018 .


قد تتفاجىء أنه لا توجد معلومات إستثنائية أو خاصة عن هذه الدولة ، تُبرر كل هذا الإهتمام الإعلامي غير المسبوق ، وذاك الإحتفاء الشعبي الحار في أرجاء المعمورة ، وهذا على أي حال دأب الناس في كل مكان ، إذ ينظرون بكثير من الإكبار والإحترام لأولئك البسطاء ( دولًا وأفرادًا ) وهم يرونهم يشقون طريقهم صوب الشمس ، متجاوزين الكبار في تحدٍ ينتزع الآهات ، رغم جبروت كل الأيقونات العتيقة ، كالإسم والتاريخ والجغرافيا والإقتصاد .

لقد بلغ الإنسان منا شأوًا عظيمًا جدًا ، إذ تغيرت - على نحو جادٍ - نظرته للحياة ولكل أنماطها الكلاسيكية المعتادة ، فما عاد يركنُ إلى العزف القديم ، على أوتار حضارة منصرمة ، أو مجد إمبراطوري بالٍ ، وما عادت تغير قناعاته كل المزركشات المعاصرة بتراكيبها المبهرة .
نعم بات الإنسان أكثر وعيًا من ذي قبل ، وصار - رغم كل الصعوبات التي يحيا في ظلها - يُبدي الدعم اللازم للبسطاء ، ويرجو - من صميم روحه - أن تُصادف ثلة المهمشن حظوظًا أفضل من ذي قبل ، والحقيقة أن كل تعاطف نالته هذه الدولة من مشجعي كرة القدم حول العالم ، لهو دليل لا يُستهان به ، أن الإنسان رغم كل شيء ، تحيطه المشاعر النبيلة ، ولا تعوزه سوى الأمثلة الصادقة والجادة ، لتتدفق هذه المشاعر إلى مسارها الذي تستحقه .

أتت رئيس هذه الدولة ، السيدة / كوليندا كيتاروفيتش ، لتضيف للمشهد بعض من السحر والدلال ، من خلال دعمها اللا محدود للاعبي بلدها ، غير آبهة بقواعد البروتوكول الباردة ، فكان حضورها الحار وإطلالتها البديعة ، محل إعجاب الجميع شرقًا وغربًا .
كل التحية لهذه الدولة وحكومتها ورياضييها ، وكل التحية للبسطاء في هذا العالم ، الذي رأوا في هذا النموذج الجدير بالإحتذاء ، ما يؤكد ما وقر في ضميرهم ، من أنه لن يصح في النهاية سوى الصحيح .
ولا يفوتنا في هذا المقام ، أن نقدم خالص التعازي لأحلامنا وطموحاتنا وآمالنا ، التي رجوناها لبلادنا وأنفسنا وأهلينا وأولادنا وأحفادنا ، بعد أن قتلتها - عن عمدٍ - جوقة الحمقى التي تعزف الآن في أوطاننا ، معزوفة الختام لبلدان ، كان مُقدر لها النهوض ، فإذا بها الآن ، تصارع من أجل البقاء !!

2018/04/12

خُلُق القراءة !


بقلم : ياسر حجاج

من المرجح جدًا أن تكون القراءة ، قد أضافت إلى بُنيانك المعرفي ، قدرًا من السموق ، وشيئًا من الرسوخ ، ومن الوارد أنك قد بتَ الآن أكثر قدرة على الإنخراط في مناقشة المزيد من القضايا والأراء المختلفة ، مستعينًا في ذلك بالمخزون الذي ظللتَ عليه عاكفًا طوال سنين ، ترقب إرتفاع منسوبه ،  وتختبر جودة محتواه ، ومن المؤكد أنك قد وصلت الآن إلى شفا المرحلة التي تستطيع عندها المجاهرة بأرائك ، والدفاع عن كل ما تعتقد أنه الأقرب إلى  الحق ، والأدنى من الصواب ، مع القدرة على التعبير بصورة لا يخالطها وهنٌ أو ضعف ، قد ينال من مصداقية ما تقول ، أو يخدش سلامة المنطق الذي تستند إليه .

حسنًا .. لابد أيضًا وأنك طالعت بشئ من الرضا الممزوج بالبهجة أرفف مكتبتك ، ومررت بأصابعك الحانية على مغلفاتها الخارجية المُتربة غالبًا ، وكأنك تتذكر - وقد علت وجهك إبتسامة - في أي مناسبة إشتريتَ هذا الكتاب ، ومن أين دارٍ إقتنيتَ هذه الرواية ، وعلى من قرأتَ تلك النصوص التراثية العتيقة ، وفي أذن من سكبتَ روائع ذلك الديوان ، ولعل من حسن طالعك ، أن تكون قد وُفقت - في مرحلة ما - إلى خوض غمار الكتابة في مفكرة شخصية ، أو دفتر ذكريات .

كل ذلك حسنٌ جدًا ، لكنه يعد لا شئ ، نعم لا شئ ، إن لم تُحدث فيك القراءة ، الأثر المأمول ، والهدف النبيل ، والذي بدونهما تصبح الكتب أكوام حجارة ، وتغدو دواوين الشعر حفنة يابسة أو زرع هشيم ، فالغاية النهائية من القراءة ، ليست المتعة الذهنية وحدها ، ولا هي جمع شتات المعارف والعلوم فحسب ، ولا هي مجرد تحصين العقل أمام غوائل الجهل ، فالأثر والهدف ، ليسا في الحقيقة ، سوى أن تبلغ المرحلة التي يمكن تسميتها تجاوزًا أو حتى تسامحًا (بالطُهر المعرفي) ، الذي أراه لا يتحقق في قارئ ما ، ما لم يكن مستعدًا لمناقشة كل أرائه بقلب مفتوح ، وان يكون لديه ما يكفي من شجاعة ، تؤهله الإعلان عن إنصياعه لرأي مختلف إذا تبينت جدارته ، أو الإصطفاف وراء نظر مغاير ، كان خليق به أن يتقدم الصفوف .

إن أطيب ثمار القراءة ، أن تتمتع بروح نزيهة ، وموضوعية خالصة ، تترفعُ بها عن كل إنحياز سلبي أو تعصب مقيت ، بل وأن تضرب صفحًا عن كل ما تبنيت من أراء أو مواقف في السابق ، إن تطلب الأمرُ ذلك ، لتعاود البناء مرة أخرى ، وفق معايير جديدة ، دون أن ينال ذلك من كبريائك ، أو يوهن من عزمك ، بل العكس تمامًا ، فكل محاولة منك لإعادة تقييم مفاهيمك ، هي رصيد مُضاف إلى حساب ثقافتك ووعيك وإنسانيتك ، فالقراءة عملية ديناميكية مستمرة ، لا تكاد تهدأ ولا تعرف الركون ، وهي في النهاية أنبل ما يمكن أن يمارسه إنسان ، فيكفي أن تعرف هنا ، أن أصحاب الضمائر الحية ، كثيرًا ما يقرأون ! 


2018/03/16

مقدمات الكتب ..فن وذوق !

بقلم : ياسر حجاج

تروقُ لي الكثير من مقدمات الكُتب الأجنبية ، لاسيما عندما تُختتم هذه المقدمات ، بتوجيه المؤلف الشكر إلى بعض الأسماء والجهات ، التي يرى أنها قد أسهمت إسهامًا إيجابيًا ، ليظهر كتابٌه بين أيدي القراء ، فبجانب دار النشر بالطبع ، هنالك سلسلة أخرى غالبًا ما يجري الإشارة إليها ، بحسبانها الجنود المجهولة ، الذين لا يعرفهم القراء ، كمحرري النصوص والمدققين اللغويين ، والسكرتارية الخاصة ، فضلًا عن زوجة المؤلف وأولاده وأصدقائه ، وربما مدبرة منزله ، وذلك لما لهذا القطاع من فضل الإعداد والمساندة ، علاوة على الجهد الإنساني الرائع ، الذي يتمثل في ممارسة الدفع المعنوي لشخص الكاتب ، وبث روح المثابرة والإصرار في نفسه ، وحثه على المواصلة ، إذا ما تعثرت خطواته على الطريق .

مازلت أذكر أني قرأت قبل فترة ليست بالبعيدة كتابًا صغيرًا ، يقل عن 150 صفحة بقليل ، ومع ذلك فإني وجدتُ المؤلف - على صغر كتابه - قد وجه الشكر لأكثر من 50 شخصية (طبيعية وإعتبارية) ، لا على سبيل الإجمال ، بل على سبيل التحديد ، منوهًا - بشئ من التفصيل - إلى الجهد الذي ساهم به كل منهم ليظهر كتابه في الأسواق ، ولقد شعرتُ وقتها بكثير من الإحترام لشخص هذا الكاتب ، لقاء ما أبداه من نبل وتقدير تجاه الأطقم المساعدة له ، لاسيما عندما نوه أن كتابه ما كان ليظهر بصورته الراهنة ، بدون مساعدة وملاحظات وتوصيات أهل الخبرة من أصدقائه .
قد لا يعتبر أحدهم هذا الأمر ذو أهمية كبيرة ، وربما فضل أن يتجه مباشرة صوب موضوع الكتاب ، ولكن الحقيقة ، أن هذا الأمر ينطوي على قدر كبير من الأهمية ، لاسيما بالنسبة للقراء المحترفين ، الذين ينظرون إلى الكتاب غالبًا نظرة بها قدر من الشمولية ، فذلك النوع من المقدمات ، يجعل القارئ يبدأ رحلة القراءة بنفس طيبة مطمئنة ، وصفو خالٍ من كل كدر ، مع شعور مفعمٌ بالدفء والمحبة تجاه الكاتب ، صحيح أن المحصلة النهائية لموضوع الكتاب ، قد لا تنال الإعجاب الذي كنت تنتظره ، ولكنك على أية حال ، لم تخرج أبدًا صفر اليدين ، فإنك لا شك قد تعلمت درسًا بليغًا بنذرٍ قليلٍ من المال ، مفاده أن شكر الناس وإن قل جهدهم أو عطاءهم ، من شأنه أن يبني جسورًا من الثقة والمحبة والحميمية ، لن تتمكن غالبًا من شراء أي منها ، لأنها غير متاحة بالأسواق . !

2016/03/24

أين أنت يا ريما !!



بقلم : ياسر حجاج
غطاء رأس منحسرٌ قليلاً عن مقدم شعر الرأس ، عينان دامعتان ضارعتان ، تستمطران أملاً أو رجاءاً ، جفنان يبتهلان في خشوع ، وعلى أهدابهما نضجت بذور اللوعة والشكوى ، وجه مُترع بالألم والحيرة ، لكن بالتأكيد لا تنقصه البراءة ، وكأني به أتي للحياة ليجسد دور الفطرة في أبسط صورها ، وأدق معانيها . لو قال لي أحدهم أن هذه صورة مُتخيلة لزوجة نبي لصدقته ! .
ها أنا من جديد ، أدفع ثمن التوقف أمام التصاميم الخاصة بأغلفة بعض الكتب ، فما أن يشعر البائعون بإطالة نظري أمام غلاف ما ، حتى يقدموا لي - من فورهم - الخدمة التي لم أطلبها ، والمشورة التي لم أنتظرها ، هذه المرة أتي الصوت من خلفي :-
- سيدي هذه رواية ممتازة ، وظني أنك لن تندم إذا قررت أن تشتريها ! 

لم ابذل أي مجهود بالطبع لأدرك أن الصوت المُترع بالجدية - الذي أتى لتوه من وراء كتفي - هو صوت أنثى ، وأنها على الأرجح بائعة المكتبة ، أفي ذلك شك ! إستدرت لأتحقق من مطابقة الصوت مع الصورة التي رسمتها على عجل ، فلم أجد أحداً قبالي ، وأدركت أنه يتعين علىَّ أن أنزل بمستوي بصري من القامة الأفقية المستقيمة لطول يناهز الـ190 سم إلى ما دون ذلك ولو قليلا ، لأتحقق من مصدر الصوت ! نعم .. الآن وجدتها ، إنها أنثى ، ألم أقل ذلك ؟ شقراء مكتنزة ، متوسطة القامة ، نظارة طبية سميكة ، لباس ذو حشمة ، جديرٌ بمن لامست خط النهاية للعقد الثالث من عمرها ، وما أن إنتهيتُ من عملية (المسح الضوئي) للبائعة ، حتى بادرتها قائلاَ :-
- حسناً .. غير أنني لم أسمع أبداً عن هذه الرواية ، كما أن إسم الكاتبة أيضاً ، لم يسبق وأن وقعت عليه عيناي من قبل !!

بدا أن محاولتي الساذجة للإفلات من شراء الرواية (المجهولة) ستُمنى بالفشل ، بعد أن أبدت البائعة إستغرابها من جهلي بإسم الكاتبة ، أو حتى بالراوية التي تكاد تنفذ طبعتها السابعة والعشرون ، والتي بين يديَّ الآن إحدى نسخها بالطبع ! عدتُ وطالعتُ غلاف الرواية ، ورأيت فيه شيئاً يستحق التأمل من جديد ، ثم جاء العنوان المثير ( في قلبي أنثى عبرية ) لأبدأ من بعده في تحسس حافظة نقودي ، فقد عزمت أخيراً على شراء الرواية لكاتبتها التونسية د. خولة حمدى .


الكاتبة التونسية
د. خولة حمدي
تعاقب عليًّ الليل والنهار ثمانون مرة بالتمام والكمال ، قبل أن اخوض الغمار ، وتواتيني الشجاعة لمجاوزة حدود الغلاف ، والنظر إلى ما وراءه من سطور ، فماذا وجدت ؟ تقول الكاتبة " هذه الرواية مستوحاة من قصة حقيقية ، خطوطها العريضة تنتمي إلى الواقع ، وشخصياتها الرئيسية كانت / مازالت أنفاسها تتردد على الأرض ، لكنها (أي الرواية) لا تخلو من مسحة خيال مقصودة " .
كان هذا التنويه ضرورياً من الكاتبة ، ويبدو لي أنه ينطوي على إحترام منها للقراء ، وإن كان سيُحدثُ بعض الإرتباك لدى عدد منهم ، فقد يصعب عليهم التمييز أو التفرقة ما بين الواقعي والخيالي في أحداث الرواية ، وإن كان هذا جزء من متعة القراءة والإثارة المنتظرة منها ، والحقيقة أن الرواية قد حفلت بالكثير منها ، على الرغم من أنها لم تكن من ذاك النوع المفعم بالنثر المتوهج ، إلا أن النسق الذي كُتبت به كان سهلاً ، عفوياً ، مباشراً ، وصادقاً .

في تقديري فإن الفكرة الرئيسية التي تقوم عليها الرواية بصفحاتها الـ386 ، هي المعتقد الديني ، وما له من تأثير مباشر في بناء العلاقات الإجتماعية لكل منا ، ولكونه أيضاً المرجع الأهم عند الحاجة إلى تقييم أي من هذه العلاقات ، أو حتى عند النظر في إستمرارها من عدمه ، هذا فضلاً عن إلقاء الضوء ولو من بعيد على الثقافة الحاكمة للعقلية العربية ، ومدى نضجها أو صلابتها ، لدى التعامل مع أطراف أخرى لا تشاركها ذات الدين أو المعتقد ، بدا ذلك واضحاً من خلال شخصيات الرواية الرئيسية والثانوية ، الذين توزعت معتقداتهم ما بين (اليهودية والمسيحية والإسلام) ، ولعبوا أدوارهم على مساحة جغرافية محددة (جزيرة جربة التونسية - الجنوب اللبناني) .

أهدت المؤلفةُ هذا العمل لثلاثة من شخوص روايتها ( ريما ، ندى ، أحمد ) ، أما ريما .. فصبية تونسية ، مسلمة ويتيمة ، شاءت أقدارها أن يكفُلها يهودي ، ويتعهد تربيتها في منزله ، وذلك بعد وفاة أمها ، عاملها كأب حقيقي ، بل كانت في كثير من الأحيان أقرب إليه حتى من أبنته وإبنه ، إذ كان يشعر بحبها ومودتها له ، وكيف لا وهو (بابا يعقوب) كما كانت تناديه دائماً ، فقد كان يذهب بها حتى إلى المسجد وينتظرها خارجه ، ريثما تنتهي من دروسها الدينية . تطورت الأحداث بسرعة ، حيث ضاقت زوجة يعقوب يهودية الديانة بريما ، وخشيت من تدينها المتنامى ، وما قد يترتب على ذلك من تأثير على المسار العقدي لإبنها وإبنتها ، ولم يجد يعقوب حلاً ، وحفاظاً على منزله من التداعي ، إلا أن يرسل ريما لأخته المقيمة في لبنان للإقامة عندها ، بمرور الوقت قامت الأخت بإستنقاذ الصبية من بين براثن زوجها الذي كان يؤذيها ويضربها ويهينها ، فأودعتها بدورها عند صديقة يهودية لها كضيفة لبعض الوقت . تمر الأيام ، فتستذلها ربة المنزل الجديدة ، وتكلفها ما لا تطيق من أعمال ، نظير المأوى والطعام ، والصبية ثابتة وصابرة ، تمنى النفس بعودة قريبة إلى مرتع صباها في تونس وبابا يعقوب ، غير أنها لم تكن تعلم أننا أحياناً ندفع أثمان بلا جريرة ، فقضت الفتاة لاحقاً في غارة إسرائيلية على الجنوب اللبناني ، بينما كانت ذاهبة لقضاء حوائج منزل سيدتها ، ماتت ريما غريبة ووحيدة ! .

عند ذلك القدر توقفت عن القراءة ، ونحيتُ الرواية جانباً لبعض الوقت ، فقد إضطربت أنفاسي حقاً ، ودمعت عيناي ، إلى حد النشيج المكتوم ، لم أكن أظن أنني سأكون قادراً على إكمال القراءة بدون ريما ، وجدتني أكتب على الجزء الفارغ من الصفحة رقم 162 التي شهدت وداعها ... أين أنت يا ريما !

أكملت الرواية لاحقاً في خمس جلسات مطولة ، حيث عاينت المزيد من الأحداث والمواقف الإنسانية اللافتة ، والتغيرات الدرامية ، وكذا النهايات السعيدة من خلال الشخصيتين الرئيسيتين ( ندى الشابة اليهودية التي أسلمت والتي باتت شبه داعية ، والتي تزوجت لاحقاً من أحمد ، ذاك المسلم اللبناني المقاوم ، العائدة له ذاكرته بعد غياب ) . والرواية على العموم مفعمة بالأحداث ، وستتباين ردود أفعالنا تجاهها بالنظر إلى الثقافة الشخصية لكل منا ، بقي التنبيه إلى نقطة جوهرية ، وهي التذكير بأن النص ملكٌ لكاتبه ، والتأويل ملكٌ لقارئه ، أما بالنسبة لي ، وبعد قراءة هذه الرواية ، فإنني مازلت أهتف صدقاً .. أين أنت يا ريما ! .

الرواية : في قلبي أنثى عبرية
الكاتبـة : د.خولة حمدي
الناشـر : كيان للنشر والتوزيع - القاهرة

2016/03/15

رواية لكل العصور



بقلم : ياسر حجاج
رواية كل العصور السابقة واللاحقة ، خمس كلمات إستهلت بها إحدى دور النشر تقدمتها لرواية (المسيح يُصلب من جديد) ، للأديب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس ، ولأنني لا أثق في دور النشر غالباً ، وأتوجس من الأراء التي يطرحونها - هكذا - على وجوه القراء ، بحسبانها أراء تقف وراءها إعتبارات تتعلق بالتسويق ليس إلا ، فقد إكتفيت بقراءة هذه الكلمات الخمس ، ويممتُ وجهي مباشرة شطر الرواية ، لأقف بنفسي على قدر الصدق أو المبالغة ، فيما خطته دار النشر من كلمات في حق الرواية ، أو وصفاً للأديب ذائع الصيت .

إرتحلتُ عبر 575 صفحة من القطع المتوسط ، على متن طبعة أنيقة ، وأجرة تطواف لم تجاوز بضع عشرات من الجنيهات ، هي كل ثمن الرواية ، وما أن حططت رحالي في الختام ، حتى أطرقتُ خجلاً من نفسي ، إذ كان يلزمني أن أبدي لدار النشر إعتذاري ، عن سوء ظني ، وها أنا أفعل الآن ، ذلك أن ما قرأته يجعلني أقول أنني كنت حقاً ، أمام رواية لكل العصور السابقة واللاحقة ، تماماً كما وصفتها دار النشر آنفاً ، بل ويمكنني حتى أن أقول بلا أدنى مواربة ، أن الرواية تمثل في ظني ، قصة كاملة للحياة ، بشكل من الأشكال .

نيكوس كازانتزاكيس
26/10/1957 - 18/02/1883

تكمن الأهمية الكبرى للرواية ، في أن قرية (ليكوفريسي) التي إختارها المؤلف مسرحاً لأحداث روايته ، هي ذاتها قريتك أنت بكل ما يموج داخلها ، ويعتمل فيها ، من تيارات إجتماعية وثقافية ، بل وحتى دينية وغيرها ، وإذا كنت أنت شديد المحلية كما اتوقع ، فما عليك إلا أن تستبدل إسم بلدتك - حيث تقبع الآن - بإسم القرية اليونانية المشار إليها في الرواية ، وستكتشف عندها أن التجارب الحياتية تتشابه ، وأن المعاناة الإنسانية لا تفرق بين بني البشر ، وأن الدموع الحارة التي عاينتها بنفسي في اليونان ، هي ذاتها الدموع التي تطفرُ من العيون في القاهرة أو دمشق أو صنعاء ، وأن رجل الدين ، أي دين ، وبإستثناءات قليلة ، ليس سوى ذلك الأكول المبطان ، الذي نصب نفسه كحامل مفاتيح جنان الرحمن ، أو هو كمالك ، خازن أهل النار ، يُبارك أحدهم فيُدخله الملكوت ، ويغضب على آخر ، فتحل عليه لعنة الله والناس أجمعين .  

حفلت القرية ، بالجفاة غلاظ القلوب ، ممن لا تعرف الرحمة إلى قلوبهم سبيلاً ، وكذا أصحاب المال والأعمال ، ممن يكنزون الذهب والفضة ، والزيتون والنبيذ ، ولا يؤدون في شأنها ، لا حق لله ، ولا حق لفقير أو معدوم ، أو سائل أو حتى عابر سبيل ، ومع ذلك فإنهم كانوا يتقدمون الصفوف في الصلوات ، لا يخالجهم شك في أنهم كما تنعموا في الدنيا ، فإنهم سيتنعمون في الآخرة أيضاً ، تراهم وهم يتصفحون الكتاب المقدس ويقفون على آياته ، ولا ينسون التعريج على دفتر صغير لا يفارقهم ، به أسماء  المدينين وذوي الحاجات ، ممن سيُلقون هم وأهليهم -عما قريب - على قارعة الطرقات ، إما خارج منازلهم أو حقولهم ، وفاءاً لدين علق بهم ، فعز سداده .

في القرية ، كان هناك (مانولي) ، السائر على خطى المسيح ، الذي يود أن لو جاد بنفسه ، وبذل روحه ، من أجل سلام قومه ، وأهل قريته ، إلا أن قسيس القرية ، وراعي كنيستها ، رأى فيه خطراً على المهابة التي يتمتع بها في نفوس المؤمنين ، ورأى فيه المتنعمون أيضاً خطراً على أملاكهم وإستثماراتهم ، وكيف لا ! وقد كان ينادي بالمساواة والعدل بين الجميع ، حيث كان يلوح لهم مانولي وعلى شفتيه كلمة المسيح الجليلة ( أن مرور جمل من ثقب إبرة ، أيسر من أن يدخل غنيُ إلى ملكوت الله ) ، فأعدوا له المكيدة ، ونُحر أمام المصلين ، بمباركة القسيس وكل المتنفذين بالقرية ، وقيل للجميع أن هذا مما يُرضي الربُ في عليائه ، وهبت أجراس الكنيسة - من قبل ذلك ومن بعده - تُقرع فرحاً ! .

كانت هناك إبنة القسيس المريضة ، تلك التي أدمعت عيني ، وأنا أرى عظامها وقد نتات من تحت جلدها ، جراء مرضٌ أصابها ، وكيف أنها كانت تتجهز للزفاف حتى أصابتها يد القدر ، فلم تتركها حتى تقيأت دما بعد طول سعال ، وأدركت أن الموت ينسج من قريب خيوط أكفانها ، فأرادت أن تُخفف عن خطيبها وقع الصدمة الوشيكة التي ستطيح بجماع فؤاده ، فقصت ضفيرتيها وأهدتهما له ، فعكف عليهما يبكي ، حتى إنتهى به الأمر إلى الإعتزال في دير ، بعد أن طرح العالم بكل ما فيه ، مخلفاً وراءه ثروة طائلة .

في القرية ، كانت هناك عجوز لم يجرِ ذكرها ، إلا وهي عاكفة على مغزلها ، لا تفارقه ، ومازالت هذه المسكينة تنسجُ جورباً من أول الرواية حتى خاتمتها ، فلم تأتِ على لسانها كلمة ، وكأني بها كانت تمثل هذا الصنف المهمش في الحياة ممن نراهم حولنا ، فلا نكاد نأبه لهم أو نشعر بهم ، ولا نكاد ندري حتى ، أأحياءٌ هم ، أم باتوا من سكان القبور ! .
 في القرية ، كانت هناك الأرملة سيئة السمعة ، مطمع الرجال ، ومهوى أفئدة عشاق الجمال الأغريقي الأخاذ ، حيث كانت المسكينة على وشك تمثيل دور مريم المجدلية ، في عمل درامي مسرحي ، بمناسبة قرب الإحتفال بمناسبة مسيحية ، لكنها قتلت قبل ذلك ، بعد أن طهُرت نفسها ، وجادت بروحها من أجل من إعتقدت انه يمثل وحده الحق والصواب ، وكأنها غدت تماماً كتلك التي غسلت قدمي المسيح بيدها ، ثم عادت فجففت القدمين بشعرها الطويل ، وباتت - بهذا المعنى - رمزاً للتوبة بعد العصيان .

إلى القرية .. وفد بعض الغرباء ، من سكان إحدى القرى البعيدة التي إجتاحها الأتراك ، فجعلوا عاليها سافلها ، وأحرقوا أخضرها ويابسها ، ففر منها ما تبقى من رجال ونساء وأطفال وشيوخ ، بأثمال بالية ، وبطون خاوية ، وعيون أسهدها الأرق والأنين ، وألسنة تلهج بطلب الطعام والمأوى ، لكن للأسف كان هناك السقوط المدوي للمرؤة ، فلم يرحم دموعهم أحد ، فخرجوا مطرودين يلتمسون لهم موطناً جديداً بين الصخور في أحد الجبال المجاورة ، بعد أن جمعوا - قبل فرارهم من قريتهم المنكوبة - عظام أقاربهم واهليهم من المقابر ، وكدسوها في حمل ثقيل حيث عُهد إلى أحدهم بحمله ، إذ كانوا يعتقدون أنه بوسع المرء أن يؤسس وطناً جديداً ، إذا ما قُدر له  - قبل ذلك - أن يجمع عظام أجداده .

الرواية حُبلى بالأحداث ، لكن أشد ما إستوقفني فيها ، شخصية (ياناكوس) البائع الطواف على حماره ، خفيف الظل ، حيث تعود أن يطوف قريته والقرى المحيطة ، حاملاً بضائعه للسيدات والفتيات ، كالأمشاط والمرايا وعطر ماء اللافندر ، ومستحضرات التجميل زهيدة الأثمان ، كان ياناكوس هذا شديد الرأفة بحماره ، وكثير الإعتناء به وبطعامه وشرابه ، بدا لي وكأن حماره ربما كان أقرب إليه من روحه ، كثيراً ما كان يتحدث إليه ويسامره ، ويبثه شكواه ، كانا صديقين حقيقيين ، إلى الحد الذي كان فيه ياناكوس يتمنى على الله إذا ما أدخله الجنة ، أن يكون حماره رفيقه هناك ، فيشرب حماره من ماء الجنة القراح الذي لا ينضب ، ويأكل من عشبها الأخضر الخالد ، ولكم كانت صدمته كبيرة ، عندما قال له أحدهم أن الله لا يُدخل الجنة ، إلا من كانت له روح خالدة ، وأن حمارك يا عزيزي ياناكوس ليس كذلك !.

إنتهيت من قراءة الرواية ، وسجلت تاريخ ذلك بالصفحة الأخيرة كما هي عادتي ، ثم عدت أقول لنفسي : حقاً .. كل شئ بقدر ! ولكن لما تأخرت كل هذا العمر حتى جاوزت الخمسن ببضع سنين ، لأقرأ هذه الرواية ؟ وهل كان من المفيد حقاً لي أن لو قرأتها قبل ذلك ؟ لا أدري .. لكن الخبر السعيد أتى على كل حال ، فقد رأيت ياناكوس هذا وعايشته ، وإرتحلت معه ، وأبديت معه التعاطف المطلوب ، ربما لأنني مثله ، كثير المحبة لهذا الحيوان العظيم (الحمار) ، أو لأنني أراه جديراً حقاً بدخول الجنة ، من دون الكثير من الآدميين ! .



زوار المدونة

أون لاين


web stats

مرات مشاهدة الصفحة