2010/01/04

المربع الأول


من المعلوم أنك إنما تنطلق عبر مسارات حياتك المتعددة من مرحلة إلى أخرى ، وترتقي سلم صعودك المتنامي من درجة إلى أخرى ، وكل مرحلة تجاوزها أو درجة تتخطاها فإنها تمثل لك ماضياً أو تاريخاً ترنو إليه بعين الحسرة حيناً وبعين الإكبار حيناً آخر ، فهكذا هي حياة الإنسان دوماً سلسلة لا تنتهي من الإنكسارات والإنتصارات ، والضحكات والدموع ، بل وخليطاً منهما أحياناً ، وأياً كانت أوجه إخفاقاتك أو نجاحاتك فالثابت أنك بواحدة منها تأخرت خطوة في موضع ما وتقدمت أخرى في موضع ثان ، فهذا هو منطق الأمور وطبيعة الأشياء ، ويتساوى في ذلك الجميع على إختلاف أدوارهم في الحياة ، ولكن ما يحيرني حقاً هو أن أحدنا أحياناً قد يظل واقفاً في مربعه الأول دون أن يجاوزه فلا يشعر بخيبة إخفاقه ، ولا حتى بزهو نجاحه .

لا أعلم إن كان هذا الأمر متعلقاً بموروث ثقافي أو بيئي أو نفسي ، ولكن الثابت أن هذا يحدث أحياناً ، فمثلاً قد يشعر المنهزم أو المتواني ببعض الراحة وقدر من الإسترخاء للإخفاق الذي ألم به ، ذلك أنه يجنبه عناء التفكير في الجولات التالية وتراه يفضل الإنسحاب من الميدان عن إستمرار المواجهة ، وقد لا يشعر بأي غضاضة وهو يرفع رايته البيضاء ، ذلك أن الإنسحاب - على هوانه - أفضل من ترقب الهزيمة أو إنتظار أخرى ، وقد سمعت مرة أن المنتحريين الذين أرادوا إنهاء مسيرتهم في هذه الحياة فإنهم في الحقيقة لا يبغضون الحياة ذاتها وإنما أرادوا فقط أن يتوقف الألم .

ولكن هل توقف الألم فعلاً ؟ قد يحدث هذا في الواقع وإنما مع إحداث ألم في منطقة أخرى ، فتعجلك في خلع أحد أضراسك مثلاً رغم قابليته للعلاج هو رغبة منك في أن يتوقف الألم ، وهو إن تحقق فإنه كان على حساب ما كان أن ُيفترض به أن يصاحبك مدة أطول .

من ناحية أخرى قد يشعر المنتصر ببعض القلق إزاء ما حققه وحصله من نجاح ، وهو أمر صحي في الغالب ذلك أن كلفة النصر غالية والتشبث به أكثر كلفة ، ولكن أحياناً يُحدث النجاح في نفوس بعض من أصحابه ما يحدثه الفشل في نفوس ذوي الإخفاق والفشل من ألم يجاوز حتى حد القلق ، وهم ألم مبعثه الخوف من عدم إمكانية إستمرار النجاح أو ثباته ، بل أننا لو دققنا النظر لوجدنا أن طائفة من هؤلاء تتمنى لو أنها بقيت على حالة إسترخائها بعيداً عن لمعان التفوق ووميض الرفعة مؤثرين العيش على جوانب الحياة الخافتة بعيداً عن الضجيج .

وأياً ما كان من شأن الفريقين فإن إختصار المسافات ليس بالضرورة حلاً أمثل في جميع الأحوال ، بل قد يكون قطع الطريق ذو المسارات الوعرة أجدى في المدى المنظور والبعيد ، ذلك أن يربي فينا فضيلة التعامل المتأني والمنظم والحكيم مع ما نجابهه من نتـؤات وزوايا حادة في دروب حياتنا .

فلا ينبغي على من صادفته عثرة أو كبوة أن يقف أمامها طويلاً إلا بالقدر الذي يجيل خاطره فيها ويتأمل من خلالها مواطن العبرة من أجل دفعة جديدة إلى المربع الثاني لا أن يقف متهيباً من معاودة الكرة مرة من بعد مرة ، فما تذوق قط ذو شبع لذةٍ لطعام ، وأما من بؤثرون الإنزواء على مجابهة صخب النجاح مع قدرتهم عليه فإنهم بهذه المثابة يضربون للخاملين أروع الأمثال في كيفية الإنكفاء على الذات والإنسحاب غير المنظم من الحياة ، فما على هؤلاء لتجنب قلق النجاح أو حتى ألمه إلى أن ُيبدوا قدر من التواضع إزاء قفزاتهم الرفيعة وأن يكونوا أكثر عدلاً مع من شاركوه نجاحاته .

هناك تعليقان (2):

غير معرف يقول...

كأن هذه التدوينة هي قد كتبت بنحو "إياك أعني وأسمعي ياجارة".. أثارة فضولي:)
وبما "أننا جزء مما نقرأ" فعبارتك هذه "قد يشعر المنهزم ببعض الراحة.. ذلك أنه يجنبه عناء التفكير في الجولات التالية" أشوفها بالنسبة إلي في حياتنا اليومية جداً صحيحة!
عموماً الله أعلم بظروفهم لأنه ما أتصور أن هناك إنسان لا يحب النجاح - بغض النظر عن طبيعة خطوات من قصدتهم- لكنه في غالب الأحيان يكون سبب هذا الإنكفاء هو بسبب ترجيح ظروفهم!.. راح تقلي: أنه من رحم الآلام تولد الآمال!
بلي.. أن أجمل ما قرأناه قد كتب في ظل ظروف قاسية بالنسبة للكتاب
حتى هذه الإختراعات لولا الحاجة لما شهدنا هذا التقدم المهول!
لكن مو كل الناس متساوين في طاقة تحملهم لقسوة الظروف!
ياربي يسمعني هذا إلي دا تحجي عنه.. ياربي يطلع يستاهل تملقي إياه :)

البنات حسنات يقول...

المهندسة / سراج
بعد التحية ، وعود حميد
لقد سمعك من حكيت عنه ، ويبدو لي يستأهل هذا الذي تسمينه تملقاً ، ولكني أقول من منا ليس هذا الرجل أو المراة بشكل أو بآخر ؟ لا أحد طبيعي يألف الهزيمة أو الإنكفاء ولعل هذا يفسر إستهلال عبارتي ( بقد ) ، تشرفنا بمرورك ومناكفاتك أيضاً

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة