2010/03/23

الموت لحظة .. وأشياء أخرى


بوفاة فضيلة شيخ الأزهر الدكتور/ محمد سيد طنطاوي إنطوت صفحة من تاريخ هذه المشيخة العتيدة والتي ُتصنف تقليدياً على أنها رأس الهرم للمذهب السني في العالم ، كما إنطوت قبلها صفحات كثر بموت غيره من المشايخ الأجلاء الراحلين ، فذهب من ذهب بعدما قدم كل منهم عمله وأفضى إلى ربه ومولاه ، وإزاء حالة كالموت لا يملك المرء منا كثير كلام ، فهذه الحالة الفريدة والإستثنائية لها مقدرة هائلة على الإختصار والإختزال في نفوس المتابعين ، وأياً ما كان وجه رأيك فيمن إعترته هذه الحالة وبات من أصحابها فمن الأفضل لك أن تمسك عن الخوض ، وأن تترفع عن النقد ، فمن كان ينازلك وتنازله ويقارعك وتقارعه قد غاب عن المشهد ومضي بعيداً إلى حال سبيله ، فلا حجة لك بعد الآن عليه ، وليس من المرؤة في شيء أن تظل سهام نقدك تطال عقل وذكرى من لا يقوي على رد ولا بيان بعد أن أبحر بشراعه بعيداً ووحيداً ، فلا أقل من أن نلقي عليه السلام وتتمنى له سلامة الوصول وحسن الوفادة في مبيته الجديد .


ولا أدري حقيقة سر هذه السكينة التي تتلبس بنا ونحن نتابع خبر وفاة أحد ممن نعرفهم ، يبدو لي الأمر وكأنه لحظة عبقرية - وإن كانت عابرة - نقف إزاءها متأملين وبنبل بالغ أحياناً مسترجعين جانباً رأيناه مشرقاً في حياة وسيرة ضيف اللحظة وصاحب مشهدها ، فيما تتراجع على إستحياء كل فنون النقد وتترجل جميع الحجج والدعاوى التي أعملناها طويلاً في أراء ومسالك أحدهم ، وإزاء هذا السمو اللحظي اللافت نتمنى لو أن هذا السمو ظل يعمل عمله فينا فيمتد إلى أولئك الذين لا يزالون يدبون على الأرض ويثيروا من حولنا صخباً وضوضاءاً ، فليس من الحكمة أبداً أن نظل دوماً في إنتظار وفاة أحدنا لنحرم أنفسنا من لحظة عالية القدر كتلك التي نتحلل من خلالها من كل أرجاس النقاش والمناظرات ولوي أعناق الحقائق أحياناً ، فالموت وإن كان لحظة رعد قاصفة تنفلت على أثرها الروح ، فإنها كذلك لحظة برق لامعة تداعب القلوب والنفوس فترفعها إلى مصافٍ من السمو والرقي والنبل .


وأما الضيف الجديد الذي توسد مسند المشيخة فضيلة الدكتور أحمد الطيب فلا أدري حقاً ما هي المعايير التي أهلته لشغل هذا المنصب الرفيع ، ولا أطعن هنا في قدر الرجل ولا مبلغ علمه ، وأما نواياه فموكول أمرها إلى الله ، ولكن من حق المسلمين ليس في مصر فحسب بل في سائر الأقطار الإسلامية أن يعرفوا معيار الإختيار ودواعي الترقي ، ذلك أن الدور المناط بمشيخة الأزهر يتجاوز حدود تخريج حملة الشهادات الجامعية في المجالات الدعوية والفقهية وغيرها من سائر المعارف العلمية العصرية الأخرى ، فالأزهر ومنذ القدم كان مهبط أفئدة التواقين إلى العلم وبات خريجيه يطبقون الأفاق شرقاً وغرباً ، شمالاً وجنوباً ، وينظر إليه المسلمون نظرة روحية ملؤها الإجلال والإكبار بوصفه إحدى قلاع الإسلام الشامخة ، فلا أقل من أن نبدي قدراً من الشفافية والوضوح حول أسس الإختيار أو حتى دواعي الإقصاء التي شملت نفر ممن رشحوا لهذا المنصب الجليل ، والحقيقة أن عدم وضوح المعايير في هذا الشأن وغيره من الشئون إنما يفتح باب الإجتهادات الظنية وإن شئت فقل الشطحات الفكرية التي قد تبعد أو تقترب من الحقيقة ، وأتمنى أن يأتي اليوم الذي يتم فيه إختيار شيخ الأزهر من خلال المجامع الفقهية الإسلامية المختلفة ورابطة علماء المسلمين حتى ولو أفضى الإختيار إلى ترشيخ شيخاً غير مصرياً أو حتى غير عربي لتولى وإدارة شئون المشيخة التي يجب أن ننأى بها عن الأهواء والسياسة والأفق الضيقة والمصالح غير بعيدة المدى ، ولا أرى في النهاية منطقاً في أن نقارب بين مشيخة الأزهر وغيرها من الهيئات الإقليمية التي يحرص القائمون وأصحاب الهوي والسياسة على أن يكون رئيسها من دولة المقر ، فالأزهر مشيخة عالمية جاوزت ولا تزال تجاوز الحدود الجغرافية الحمقاء .

هناك تعليق واحد:

peace يقول...

سمهت ان تسمية شيخ للأزهر من مهام مبارك فهل هذا صحيح ؟

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة