2012/05/29

أنظر حولك !




 تومارس كارليل
كاتب ومؤرخ إستكتلندي

( اجعل من نفسك شخصاً نزيهاً
وسوف تتأكد من أن عدد الأوغاد في العالم قد نقص واحداً )

لسوء حظك لا يقدم توماس كارليل هنا كتيباَ يتضمن السلوكيات والتصرفات التي إن إجتنبتها إنتقلت من قائمة الأوغاد إلى حيث قائمة أصحاب النزاهة الذهنية والسلوكية ، ويبدو أن ليس بوسعه ولا بوسع غيره أن يفعل ذلك بسهولة ، ذلك أن الإنسان منا لديه مقدرة عجيبة ومتجددة على إبتكار أنواع عديدة من الأنماط السلوكية الجانحة ، والمفرطة في غرابتها أحياناً والتي ما كانت لتدور بخلد من سبقه مهما كان خياله خصباً ولديه المقدرة على التوقع ، فكان من الطبيعي بناء على ذلك أن يقدم لك كارليل – بدلاً من ذلك - وصفة عامة دون خوض في التفاصيل ، وحسناً قد فعل ، لأنه بذلك يكون قد ترك لك مسافة تتحسس من خلالها أنماطك وسلوكياتك وردود أفعالك وإنفعالاتك .

من ناحية أخرى تتجلى عبقرية هذه المقولة في ترتيب صياغتها ، فقائلها مثلاً لم يقل لك إبتداءاً .. لا تكن وغدا .. فهو يعتقد انك كذلك بالفعل ، إنما حثك على أن تكون من بين أصحاب النزاهة ً، فأنت - بحسب كارليل - وغد مفترض إلى أن تتجه إلى الضفة الأخرى ، صحيح أن كارليل لم يقل لك كيف تفعل ذلك ، ولم يساعدك ولم يقترح لك سبل وحلول مجربة ، إلا أنه على أي حال - فيما أظن – قد حرضك تحريضاً مرحاً لتفكر في الأمر بجدية وتبحث بنفسك عن السبل المؤدية إلى أن تكون من بين أصحاب النزاهة ، وترك الأمر لك لستقصي بنفسك السبل المعينة لك على معالجة الداء الذي تعاني ، هذا بالطبع مع إفتراض جدلي أنك – من حيث المبدأ - تشعر بوجود هذا الداء أو تستشعر أعراضه ، فإن لم تكن تشعر به أو تستشعره فإن هذا المقولة لن تقدم لك جديداً .

وتشير المقولة – حسب فهمي – إلى أن القاعدة السلوكية لعموم البشر هي جنوحهم الفطري إلى الغوغائية وعدم الإنضباط الذهني والسلوكي ، وفي هذا الأطار فإنه بوسعك بالطبع إختبار هذه المقولة على واقع الحال ، فتستطيع مثلاً أن تتصفح وجوه من حولك وأن تدر خاطرك ولو قليلاً في الظاهر من مسالكهم ، وأن تقف على تفاصيلهم وإن بدت لك صغيرة أو ضئيلة ، وصدقني ستجد نفسك مدفوعاً في مرحلة ما إلى التفكير في هذه المقولة ملياً ، والأمر من بعد متوقف في الحقيقة على المعيار الذي تقيس به مسالك الآخرين ممن تعرف أو لا تعرف .


ولا تنسى في زحمة تصفحك لوجوه الأخريين أن تدير منظارك أو عدستك إلى الداخل أي إلى حيث أنت شخصياً ، وبشكل شبه مؤكد ستتأكد من أن كارليل كان يعنيك أنت بمقولته بصورة من الصور ، وكلما كنت أميناً مع نفسك ومتصالحاً معها فإنك ستجد كذلك أن لست أقل غوغائية أو حمقاً من الآخريين ،  وأرجوا أن لا  تتفاجئ إذا وجدت أن مقولة توماس كارليل هذه لها نصيب كبير من الصحة خاصة عندما تطالع مرآة حمامك .

والغريب أو الطريف أنك قد تجاهد نفسك في أن تكون شخصاً نزيهاً بالفعل ، وقد يُكتب لك النجاح في شأن ذلك ، إلا أنك قد تتحول  – دونما شعور منك أحياناً – وبفعل بعض الأفكار النمطية إلى وغد كبير ، ذلك أنك في النهاية إبن مجتمعك وسليل ثقافته ، فإذا كنت تعتقد أن الأتربة لا تعلق أبداً بنوافذك ، وأن الضجيج مصدره بيت جيرانك ، وأن كل الشرور تسكن في شوارعك الخلفية ، وأن فقط وطنك نظيف..هادئ..خير..وطاهر ، وأن وجهك دون كل الوجوه يستحق إشراقة الشمس ، فإنك ورغم نزاهتك السلوكية البادية وحسن نواياك فأنت معنياً ربما أكثر من غيرك بمقولة كارليل الرائعة .


إن النزاهة الحقيقية هي الشعور الذي يجري داخل كل نفس منا فتحثها على التنزه عن مواطن الحمق والزلل ، وكل ما من شأنه أن ينال من مرؤتها ، وبقدر تمكن هذا الشعور من النفس وهيمنته عليها يكون الحكم على مقدار نزاهة الفرد سلوكياً وذهنياً ، ولن ينطوي الأمر في تقديري على مبالغة إذا حاولت قبل نومك أن تعدد عشرة أسماء نزيهة ممن تعرف ، ثم تتفاجىء أن النوم قد غلبك قبل أن تصل إلى الرقم أربعة .

هناك تعليقان (2):

ليلى يقول...

في كل مرة تتجلى روعه كتاباتك يا أبي
إلى الأمام دائماً

البنات حسنات يقول...

شكرا ليلى .. في إنتظار تدويناتك حسب الشكل المتفق عليه .

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة