2012/07/08

جماعة الإخوان المسلمين .. والشاطر حسن


من نوادر ما يروى عن حقبة الأستاذ حسن البنا "رحمه الله" هذه المحادثة القصيرة التي جمعته بمصطفى باشا النحاس رئيس وزراء مصر الراحل عندما لمس الأخير رغبة الأستاذ البنا في الإنخراط في العمل السياسي والترشح لعضوية مجلس النواب آنذاك ، فخيره النحاس باشا ما بين العمل الدعوي والعمل السياسي ، فأخبره الأستاذ البنا بأنه يريد الجمع بين العملين ، فقال له النحاس باشا ممازحاً بأن رغبته تلك لن تجعل منه الشيخ حسن ، بل الشاطر حسن .

هذه اللمحة القصيرة من حديث الأستاذ البنا والنحاس باشا – على بعد العهد بها نسبياً - تظهر وكأن الحديث كان وليد الساعة أو الأمس القريب فقط ، فهاهم أبناء الجماعة الآن يحملون على عواتقهم ذات الأمنية التي طالما راودت الأستاذ البنا ، ولم تتحقق قط في حياته ، فحمل ابناء الجماعة أحلام الماضي وذكريات الأمس بدموعه ودمائه ويمضون الآن بها صوب المستقبل دون أن يكلفوا أنفسهم عناءاً قليلاً يتمثل في التحلل من هذه التركة الثقيلة ، معتقدين أن مثل هذا التحلل سيعتبر بمثابة إنقلاباً على الأفكار والأهداف التي نشأت الجماعة من أجلها ، وأن التراجع عنها سيشكل إنتكاسة للمشروع الإسلامي الذي تقول الجماعة أنها تحمله للأمة ، فضلاً عما ينطوي عليه ذلك من خيانة لدماء شهدائهم وفي المقدمة منهم مرشدهم الأول ومؤسس الجماعة الأستاذ البنا ، فآثروا إلا الجمع بين العملين دعوياً وسياسياً ، مع ما لهذا من مخاطر تتمثل في إمكانية طغيان أحد العملين على الآخر ، وفي أفضل الأحوال خلط وتخليط بينهما بحيث يتماهى أحدهما في الآخر ، فلا تكاد تميز بين الدعوي والسياسي ، وينتهي الأمر بإضاعة الدعوى في دهاليز السياسي ، وإكتفاء السياسي بلافتة دعوية .

في تقديري أن جماعة الإخوان المسلمين – في جيلها الحالي على الأقل - تعد واحدة من أكثر الحركات الإسلامية التي مارست العمل السياسي حماقة ، إن لم تكن أكثرها حمقاً على الإطلاق ، ذلك أنه في إطار الحكم على جماعة أو تيار فإن الإهتمام ينصب في المقام الأول لا على المشروع الذي تتبناه هذه الجماعة أو ذلك التيار فحسب ، وإنما أيضاً على مدى إستيعابها لفكرة الزمن ودوران عجلة التاريخ ، فما كان جائزاً بالأمس ليس بالضرورة أن يكون ممكناً اليوم ، وأن ما صح العمل به في الماضي قد لا يكون بالضرورة صحيحاً الآن ، ذلك أن الأمر يتطلب قدراً أكبر من الحكمة في معالجة التطورات المتلاحقة التي تعج بها حياتنا المعاصرة بكل تعفيداتها التي لا تخفى على أحد ، وأنا هنا لا أطلب من الجماعة أن تتنكر لفكرتها الرئيسية ، أو أن تتبرأ من أبائها المؤسسين ، إنما فقط أن تعي المصلحة والمقاصد العامة والقواعد الكلية التي تقوم عليها فكرتها وأهدافها ، وضمن نطاق مصلحة الدولة المركزية ومصلحة المواطنين بها .

فالجماعة لم تُحسن أبداً البناء أبداً على  التعاطف الذي حظيت به قبل ثورة يناير 2011  ، ولم تحاول تغيير الصورة النمطية المتجذرة في أذهان الكثيرين ممن يختلفون معها فكرياً ، بل أنها وبغباء لا تُحسد عليه ساهمت في ترسيخ هذه الصورة ، بل وتسليط الضوء عليها أكثر فأكثر ، وأعطت لقطاع كبير من الناس ممن صوتوا لها ألف سبب وسبب ليلوموا أنفسهم أن كانت أصواتهم لهم في أول إنتخابات برلمانية بعد الثورة .

يحاول الإخوان إختزال التاريخ ، والقفز على حواجز طولها آلاف السنين هي عمر الدولة المصرية ، متوهمين أن هذه الدولة العتيقة قد دانت لهم ، وأن رفع رايات التدليس سيجعل جموع الشعب تلهث وراءها بلا أي وعي ، متناسين أو متوهمين أن المعدة المصرية قادرة على هضمهم كما هضمت من سبقهم ممن يفوقنهم حجماً ودسماً ، وسيأتي اليوم – لا أعلم متى – الذي تتمنى فيه جماعة الإخوان أن لو بقيت جماعة دعوية كما كان يتمنى المؤسس الأول والمرشد الأول الأستاذ / حسن البنا ، ولكن منهج الشطارة مازال هو المهيمن على لب الجماعة وفؤادها ، والإستحواذ بعد خرافة التمكين مازال سيد الموقف ، وإن أردتم التيقن فما عليكم إلا سؤال شاطراً آخر منهم .. إسمه خيرت .

شاطر يا خيرت

ليست هناك تعليقات:

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة