2012/07/17

ماذا يطبخون لمصر !!


دعونا نتفق بأن القريحة البشرية لم تتمكن بعد من خلق وسيلة أكثر نزاهة أو موضوعية من صناديق الإنتخابات كوسيلة لإستمزاج هوى ورأي جموع المواطنين في شأن من الشئون ، ودعونا أيضاً نتفق بأن ما تفرزه هذه الصناديق ليس بالضرورة أفضل الإختيارات ، وإنما ربما أقلها سوءاً أحياناً ، وعليه فإنك شئت أم لم تشأ فقد بات مرشح جماعة الإخوان المسلمين د./ محمد مرسي رئيساً لمصر ، وبصرف النظر عن رأيك الخاص في شخصيته ، فإن نسبة أكثر منك عدداً تراه خفيف الظل بهي الطلعة ، قادراً على قيادة الدولة ، بخلاف رأيك الذي تعتبره مهيئاً أكثر لملازمة منزله لمطالعة الصحف وتأدية فروض الصلاة بالمسجد المجاور .

لا ينطوي الأمر على التقليل من شأن الرجل أو الحط من قدره ، إنما هو تقرير واقع لما هو واقع بالفعل ، فهو على المستوى الإنساني الصرف قد يكون إنساناً رائعاً بحق ، قد تشعر بالسعادة لكونه جارك مثلاً ، أو زميلاً لك في العمل ، ولا يوجد بأس في أن تصطحبه إلى رحلة لقضاء مناسك الحج أو العمرة ، وسيكون أمراً معقولاً تماماً أن ترتبط به بعلاقة نسب أو مصاهرة ، أو تجمعكما جلسة لطيفة على المقهى وأنتما تتنافسان في مباراة للشطرنج أو الطاولة ، كل هذا وارد وحسن أيضاً ، لكن أن يكون رئيساً لدولة بحجم مصر ، هذا ما أراني غير قادر على هضمه حتى مع إستخدام أفضل أنواع عصائر الليمون .

منذ أكثر من أسبوعين وأنا أسائل نفسي عن إمكانيات هذا الرجل لكي يشغل هكذا منصب ، ثم أدركت ببساطة أنني إنما أسأل سؤالاً ساذجاً ، ذلك أن الرجل لا يمثل رؤيته الخاصة ولا مشروعه الخاص ، إنما يمثل رؤية ومشروع ظلا يعيشان في الظلام وفي أروقة السراديب لعقود طويلة ، وتعاقب على إعدادهما وطبخهما رجالات كثر ، منهم من مضى ومنهم من بقى ، فتم الدفع بصاحبنا ليشكل الواجهة السياسية البرتوكولية لإنفاذ الرؤية وتطبيق المشروع اللذين يجري إعدادهما خارج أسوار قصر الرئاسة ، وما على الرجل سوى إعداد المائدة وتقديم الأطباق  ، وإذا بدأت تشعر بالصدمة أنك لست بصدد أو إزاء رئيس فعلي يحكم ، فإنك على الأقل بدأت تعلم من هو الرئيس الذي يتحكم ، فما عليك سوى أن تيمم بصرك شطر منطقة المقطم لتدرك من هو الصدر الأعظم بمصر ، والذي لا يسكن بالضرورة في القصر ، فالعبرة دائماً بالمعنى لا بالمبنى ،  وبالمكانة لا بالمكان .

ينبني على النتيجة السابقة - رغم بساطتها - أمر هام يتجلى في أنك قد عرفت الآن إلى من يجب أن تتوجه إليه بحديثك ، فنحوا فخامة الرئيس المنتخب جانباً ، وأريحوه من سهام النقد ، وتوجهوا بدلاً من ذلك إلى فريق الطهاة بمقر جماعة الإخوان المسلمين ، وليس يخالجني شك أن معرفة الوقائع على حقيقتها مهما بدت صادمة أو مرة ، أفضل كثيراً من المناورة والمداورة فيما لا طائل من ورائه ، فهذا الرجل القابع في قصر الرئاسة - ولكي لا تحمله ما لا يُطيق - ليس سوى إسم يرد ضمن كشوف رواتب العاملين بهذا القصر والذي يستحق راتباً بنهاية كل شهر ، وتنحصر مهمته تقريباً في الجلوس بجوار الهاتف إنتظاراً لمكالمة من كبير الطهاة ، أو ترقباً لوصول رسالة مع مخصوص كُتب على مظروفها الخارجي ( عاجل ويُنفذ ) .

هل يستمر هذا الوضع كثيراً ؟ لا أدري ، فهذا يتوقف بالتأكيد على قدرة حواسك على الإستساغة ، وقدرة معدتك على الهضم ، فقط أود تذكيرك بأنه إذا أتى اليوم الذي تمل فيه الطعام ،  ثم قررت في لحظة غضب عنترية أن تقلب الطاولة بما عليها من أطباق ، أن لا تتوجه بالعتب والملامة إلى سفرجي القصر ، وإنما إلى الطهاة القابعين بمطبخ الجماعة .

ليست هناك تعليقات:

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة