2007/02/24

وجهة نظر


أرتدي نظارة طبية منذ أكثر من ربع قرن وبالتحديد عندما بدأت أول مراحل دراستي الثانوية ، ويوماً بعد يوم كان حمل العدسات يضغط بشدة على أنفي بفعل سماكتها المتزايدة ، ومرت الأيام وباتت نظاراتي هذا العبء الثقيل أحد أهم مكوناتي الشخصية ، بت أعتبرها عنواني وهويتي والمدخل لعالمي لاسيما إن إرتداؤها في ذلك الحين قد إرتبط بشدة بعادة القراءة الملازمة لي حتى الآن .. رويداً .. رويداً لم تعد نظارتي حلاً طبياً مذهلاً لضعف نظري الذي جاء نتيجة أساب وراثية كما قيل لي ، إنما كانت هي رداءي الحقيقي الذي بدونه أكون عارياً مجرداً من أهم أسلحتي وهو ثقتي بنفسي ... مرت الأعوام وإذا بوالدتي حيناً وزوجتي أحياناً ترجواني أن أقوم بإجراء عملية ما إصطلح على تسميه بالليزك ، كنت أراوغ في إجراء العملية متعذراً بعلل وأسباب ، وما كان أكثر أسبابي وعلاتي .. وفي أثناء زيارتي الأخيرة لمصر إذ أنني من طيورها المهاجرة أو المهجرة بفعل فاعل عقد الجميع العزم على قيامي إجرائها ... بعد يومين إثنين من وصولي تم مراجعة الطبيب .. ُحدد موعد ومكان العملية وتكاليفها بالطبع .. لا بأس .. أصر والدي وصهري على الحضور ... كما أصرت زوجتي على الحضور كذلك ربما لأنها ستكون شاهدة على عصر زوجها الجديد ... أًدخلت غرفة العمليات ، ألبسوني ثياباً خضرا .. تمددت على طاولة العملية كأي لوح مسند بلا حراك وكأنها عملية إنتقال إلى العالم الآخر ... بدا الطبيب بالعين اليمنى وبدا شعاع وخيوط وألوان آشعة الليزر تداعبني وأنا في صمت ذلك الذي لم ير في حياته سوى الأبيض والسود ، إنتهت العملية أخيراً بعد قرابة النصف ساعة .. خاطبني الطبيب متودداً بأنني سأشعر ببعض الحرقة الخفيفة بعدما يبدأ مفعول البنج في الزوال ، قلت له لا مشلكلة ... بعدها بقليل وبينما كنت في السيارة التي تقلني إلى المنزل فإذا بأشرس البراكين حمماً يقذف ألسنته في عيني ، كانت المعاناة شديدة ولولا بعض من رباطة الجأش لأجهشت بالبكاء ، ولم تنفعني تآوهاتي التي أصابت من في السيارة بالوجل حتى أنهم أوقفوا السيارة أكثر من مرة للبحث على صيدلية لجلب نوع من القطرة مهدئة للعين ، بعد أمداً رأيته طويلاً وصلت لمنزلي وعيناي لم تزلا مغمضتين رغماً عني فلم أكن لأتحمل رؤية الضوء ، زاد الألم ... ومن كثرة التعب أخلدت إلى فراشي حيث نمت بشكل ثلاثي الأبعاد بحيث لا يتمكن أحدهم من النوم بجواري أو حتى الجلوس إلى أطراف فراشي ... بعد منتصف الليل بساعتين ونصف نهضت من نومي وقد تبخر الألم ... ذهبت للجلوس قليلاً على مقاعد صالوننا العتيق وبلا نظارة لأول مرة منذ ربع قرن ، بد لي المشهد مختلفاً ، فالعوالم حولي غريبة ، كانت التفاصيل أكثر دقة ووضوحاً ، جلست زوجتى إلى جواري وبدأت تطالعني كأنها تريد تلمس أي شيء مني يفيد بنجاح العملية ، أول ما طالعت كان ساعة الحائط المحنطة منذ دهور ، رأيت العقارب بوضوح كامل حتى عقرب الثواني بدا لي نشطاً لطيفاً ويتحرك بإنسيابية ، وكأنني به أقول أني أراك .. أني أراك ، تبسمت لزوجتي وكانت إبتساماتي لها دليلاً إضافيا على نجاح العملية ... بعد يومين قمت بمراجعة الطبيب للإطمئناني ... فاجئني بخبر سعيد ... إذ قال لي أنني حيث قد جاوزت الأربعين فإن قوة نظري بعد العملية لن تعود كما أتوقع إلى النسبة التي أتوقعها وهي 6/6 ، ولكن ربما ستنخفض درجة أو درجتين بفعل السن وعوامل أخرى ، وأنني بناء على ذلك مضطر لإرتداء نظارة طبيبة خفيفة لاسيما عند قيادة السيارة أو إستخدام الحاسوب ، شعرت بالسعادة ، إذ لن يكون بوسع أحد حتى بعد العملية أن يجردني من نظارتي ، صحيح هي الأن خفيفة الوزن بفعل رقة عدساتها إلا أنني أحتفظت في النهاية بشكل من أشكال هويتي ، ورغم أنني في الواقع بوسعي الإستغناء عنها في كثير من الأعمال بفعل تحسن قوة الإبصار التي عادت لي بعد العملية إلا أنني في الغالب لا أفعل ولا أريد ... إذ يصعب على أي منا أن يتنازل هكذا وببساطة عن إسمه وهويته وعنوانه .

هناك تعليقان (2):

Alaa Elalfi يقول...

مبروك نجاح العملية..
بالطبع انت حتى الآن ما زلت تبحث عن النظارة ولم تعتاد بعد على عدم
وجودها معك.. والآن العالم تغير

زوجتي قامت بنفس العملية .. والحمد لله تمت بنجاح ..والطريف انني شرحت لها طريقة اجراء الجراحة قبل العملية بساعة واحدة .. وكانت لولا الحاحي عليها ستنسحب في الوقت الأخير .ز فالوصف العلمي للعملية صعب .. ولكنها الآن تراني بشكل مختلف فلم أعد أقصر ولا أطول ولا أبعد مما سبق ..

أنا الآن حقيقي و بدون وسيط زجاجي

فلنشكر الله أولا ثم العلم والعلماء
" وعلم الانسان مالم يعلم "

زركوش

البنات حسنات يقول...

عزيزي / زركوش
بعد التحية
مرحباً بك مجدداً ، وكم لطيف هو تعقيبك مبروك لزوجتك ... ومبروك لك أنك بت متمتعاً بالحجم والمسافة الطبيعيتين في ناظري زوجتك ، ولكن السؤال هو كيف تراها أنت يا زركوش الآن ؟

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة