كان أفلاطون أحد الذين حبتهم السماء بكل هبة يمكن أن يتصف بها إنسان ، فقد إجتمع له نبل الأصل وعراقة المحتد وثراء الوالدين وجمال الصورة ورجاحة العقل وقوة الجسم حتى لقد لقبوه بأفلاطون ومعناها باليونانية عريض كناية عن عرض كتفيه ، أما أسمه الصلي فكان أريستوكل .. على أن أهم ما إتسم به كان شغفه الشديد بالحكمة والمعرفة .. ذلك الشغف الذي قاده في سن العشرين إلى التتلمذ على يد المعلم الأكبر سقراط الذي كان وقتئذ في الثانية والستين من عمره .
ومن البداية تعلق أفلاطون بسقراط وإنضم إلى حلقة مريديه وحوارييه النابهين الذين كانوا يتبعونه في شوارع أثينا أينما سار مثل ظله ويصغون إلى مناقشاته وأرائه وأسئلته العسيرة التي لا تنتهي .. ما هي الفضيلة ؟ ما هي الشجاعة ؟ ما هي الأمانة ؟ ما هي التقوى ؟ ما هي الديمقراطية ؟ ما هو العدل ؟ ما هو الحق .. ما هو .. ما هو .. وماذا تعرف عن ... ؟وبهذه الإستجوابات اللحوحة الفاحصة رفع سقراط من أمام أعين الأثينيين مرآة الغرور ووضع لهم مكانها مرآة الحقيقة فأفزعتهم النتيجة ، فإنهم لم يروا في المرآة صورة آدميين ، بل صورة وحوش .. حتى إنتهى الأمر بهم إلى محاكمته بتهمة إفساد الشباب ثم الحكم بإعدامه وأفلح بعض تلاميذ سقراط ومنهم أفلاطون في رشوة حارس السجن كي يتيح لسجينه فرصة الهرب ، وطالبوا معلمهم بإنتهاز الفرصة المواتية لكنه رفض في إباء .. لقد حلت ساعته ، فليواجهها بشجاعته المألوفة التي طالما واجه بها الموت في شتى مراحل حياته ، إذ من الخير له أن يموت الآن وهو بكامل قوته من أن يعيش حتى تدهمه الشيخوخة والعجز ، وهو الذي لا يطيق الحياة بغير قوة وصحة ونشاط ، والذي ينفرد دون مواطنيه بالقدرة الخارقة على السير حافي القدمين فوق الجليد في زمهرير الشتاء .
وعندما مات سقراط رأى أفلاطون أنه من الأوفق له أن يغادر أثينا ، إذ أنه جهوده لإنقاذ سقراط جعلته في نظر السلطات رجلاً موصوماً ، فبدأ رحلة حول العالم الذي كان معروفاً وقتئذ .. حيث زار إيطاليا وصقلية ، حيث صدمته حياة الشهوات والمجون التي يحياها أهل هذه البلاد ، ومنها عرج على مصر وفلسطين ، فلما عاد إلى أثينا بعد إثني عشر عاما كان قد إختزن في ذهنه حكمة العالم القديم بأسرها ، فإفتتح مدرسة للفلسفة في حدائق أثينا الجميلة وسط إطار من التماثيل والأشجار والمعابد الثرية ، وأطلق عليها الأكاديمية ، وكان من تلاميذه فيها الفيلسوف أرسطو ، وحمل أفلاطون على عاتقه أن ينشر تعاليم أستاذه الأعظم سقراط القائمة في أساسها على فكرة تقديس العدالة .

وفي سبيل توكيد معنى العدالة كتب أفلاطون سلسلة محاوراته الخالدة التي قال فيها المفكر إمرسون فلنحرق جميع المكتبات فإن كل محتوياتها يتضمنها هذا الكتاب ، وفي الواقع أنه يندر أن يوجد موضوع إنساني لم يتعرض له أفلاطون خلال سعيه الدؤوب طيلة حياته بحثاً عن العدالة ، فقد تعرض في مؤلفاته الستة والخمسين لمسائل الإشتراكية ، وأخوة بني الإنسان ، وتحسين النسل وتحديده ، وحرية الخطابة ، وخلود الروح ، وطبيعة المعرفة ، وطبيعة العالم المادي ، ومقاييس الأخلاق ، والملكية العامة ، ولكنه وهو يبحث عن كل هذه المشكلات كان يهدف إلى هدف واحد لا يحيد عنه وهو أن يرى البر والخير والصلاح موطدة الدعائم على الأرض .. يرى صرح الدولة وصلاح الفرد ، يرى دولة لا تقتل سقراط وإنما تختاره ملكاً ، وقد صور جنته الموعودة هذه في أعظم حلقات محاوراته (الجمهورية) أول يوتوبيا في تاريخ البشرية ، وفرغ أفلاطون من وضع حلمه الفلسفي العتيد وبناء تصميم مدينة الإنسان الأسمى .






ًُُُ





إذا كان الإدمان يطلق في الغالب على عدد غير قليل من العادات السيئة أو السلبية التي يستحيل معها في بعض الأحوال الفكاك منها إلا في ظروف إستسنائية جداً ، فإني قد عرفت وعلى مدار سنوات طويلة نوع آخر من الإدمان لا أدري إن كان إيجابياً أم سلبياً ألا وهو إدمان العمل ، فأنا لا أكاد أكف عن العمل صباحاً ومساءاً أثناء تأديتي لمهام وظيفتي ، بل أكاد لا أطيق الإبتعاد عن محيط عملي ، وقد إكتشفت بعد طول التجربة والملاحظة أني أصاب بدوار وقدر من الصداع ، مع إرتفاع نسبي في ضغط الدم في أيام العطل والإجازات الرسمية ، وفي الحقيقة فإني لم أكن صاحب الفضل في إكتشاف هذا الأمر إنما يعود الفضل في هذا الإكتشاف المذهل إلى زوجتي التي لاحظت إنتظام حالتي الصحية وإرتفاع روحي المعنوية أثناء ساعات عملي الرسمية والتي تمتد إلى فترتين صباحية وأخرى مسائية ، وفي الواقع أني في حيرة من أمري فأنا بالكاد أحاول الإستمتاع بإجازاتي داخل المنزل وسط زوجتي وأولادي حيث تربطني بهم علاقة ود ومحبة ورحمة عميقة ، إلا أن هذا الإستمتاع مرهون في جميع الأحوال بالعمل والتلهي بأي شيء من شأنه قطع الوقت ، وحيث أن زوجتي قد فطنت لهذا الأمر فإنها تعمل بذكاء من وقت لآخر على ترتيب بعض المهام المتعين إنجازها بالبيت خلال إجازاتي كتجهيز قوائم المشتريات المطلوبة للمنزل أو إعادة ترتيب وضعية الغرف وخلافه ، الأكثر من ذلك فإنه وبإنقضاء الساعات الأخيرة من إجازاتي تنشط حالتي الذهنية وتنتابني حالة من النشوة لقرب موعد نومي وبالتالي الإستعداد ليوم عمل جديد في صباح اليوم التالي ، وبمجرد أن يلوح نور الصباح أنشط من عقالي وأتهيأ ليوم عمل جديد أبدو فيه كمحب ولهان على وشك أن يلقى محبوبه بعد طول غياب ، وبمجرد الإنخراط في العمل تتبدد كل وحشة أو إغتراب وأنغمس في العمل ولا ينتشلني من هذه الحالة الجميلة سوى أن ساعات العمل تكون قد إنقضت وأنه يتعين المغادرة فأذهب ممنياً النفس بيوم عمل جديد .









