2014/12/23

إلى فينوس ... مع التحية



عزيزتي / فينـوس

     روما , إيطاليا
تحية طيبة .. وبعد

طالعتُ رسالتكِ ، ووعيتُ مقالتكِ ، ووقفتُ على موضع لومكِ ومعاتبتكِ ، ثم أنني عرضت أمركِ على نفسي لتُدلي لها بدلو ، فإستمهلتني ثلاثاً فأمهلتها ، فلما أبطأت حثثتها ، وقلت لها هلمي إليَّ فإن هناك من ينتظر قولاً على قوله ، وأخشى أن يُحسب السكوت عليَّ قبولاً ، ذلك أن العرف قد جرى أنه ولئن كان لا يُنسب لساكتٍ قول ، فإن السكوتَ في معرض الحاجة إلى بيان يعد قبولاً ، وما ورد برسالتكِ - في ظني - بحاجة إلى ما هو فوق البيان والتبيين ، ولا أظن تستوعبه رسالة موجزة فحسب  .

عزيزتي .. لقد دعوتيني إلى الرد على رسالتكِ ، ولكنني يبدو - قبل ذلك - مضطر هنا إلى الإفصاح عن بادئة لازمة إقتضتها ظروف الحال ، فما نراه هيناً يسيراً في شأن لا يكون كذلك بالضرورة في غير شئون ، فما عهدت نفسي - قبل اليوم - في موقف المدافع عن نفسه ،  الأمر الذي أحدث لديَّ قدراً من الإرتباك نوعاً ما ، فكما أن أسوأ أنواع المرضي هم الأطباء إن أرادوا تشخيصاً لأوجاعهم ، فكذلك هم المحامون إن تصدوا للدفاع عن أنفسهم وإبانة سلامة مواقفهم ، ورفعاً لحرجي وحرجك فقد قررت - بينما أُسطر لكِ ردي - أن أتحلل من روب المحاماة الذي يُثقل كاهلي ، بل وألقيه طائعاً على أعتاب صاحبة العتاب .

إن العتب بين الأخلاء لخليق حقاً بالثناء الحسن ، طالما كان في موضعه وأوانه ، فإن لم يُصب موضعاً ولا أواناً  ، غدا كسهم طائش أصاب ظبياً يسرح هائماً في الفلوات ، لم يجترح ذنباً سوى أنه آثر التواري عن الأنظار لحكمة رأها .
عزيزتي .. كان خير لك - ربما - لو لوذتي بالصمت الجميل ، من أن تتورطي في هكذا تهم وتلميحات ، أما وقد إنطلق سهمُك من رميته ، وبات تجنب رده مستحيلاً أو يكاد ، فقد رأيت بعد ما عاينت موضع الطعن وأثر الإصابة أن أذيقكِ طعم ما قلتِِ وتقولين ، وأرد عليك القول ، ليس قولاً واحداً ، بل إثنين وربما أزيد ، لكنني أحجمت عن ذلك في اللحظة الأخيرة ، نزولاً على رغبة الذكريات قريبة العهد ، واللحظات صافية الود ، فرصيدكِ عندي يسمح بالتجاوز عن تفلت عبارة منك هنا ، وخشونة - غير مبررة - في كلمة هناك .

على كل حال ، فقد أتتني رسالتكِ في عطلة نهاية الأسبوع الماضي ، وكان لديَ - بالتأكيد - ما يكفي من وقت لطرح أسئلتي المرحة التي لا أجوبة حاسمة عليها ، فهذا دأبي على أي حال في هكذا عطلات ، حيث يروق لي العبث الصوفي الجميل لاسيما في أمسيات الشتاء ، وهو أمر - على ما أظن - بات معلوم لديك بالضرورة منذ سنين .

إن رسالتك لي والمعنونة (رسالة من فينوس) أثارت لدي الأسئلة بقدر لم تُثره حتى رغبتي في الرد والتعقيب عليها ، ودعيني أسألك هنا يا عزيزتي ، لما حقاً كانت رسالتك ؟ أتحاولين نفض الغبار العالق بنوافذ الأيام الخالية ؟ ومالِ أراكِ لا تملين من الطرق على أبواب الذكريات لتُشرع من جديد ؟ ولما تتأبين الآن على قواعد الفيزياء فتصرين على معاودة السطوع وقت المغيب ؟ بل لما يا عزيزتي تنسابين عبر أستار الزمن لتتركي لي رسالة غامضة من كلمتين فوق فراش ديسمبر البارد تقولين فيها ( نحن هنا ) ؟ .


فلأي شئ حقاً كانت رسالتك ؟ أجيبيني ، هل تريدين سماع المزيد عن مجد الرومان وتماثيلهم العارية ؟ أم إستثارك الشوق لحكايا التين الذي حلا فتشقق ؟ أم مازال لديكِ ذاك الهوى لسماع رؤية جديدة عن تلك التي ( حسبته لجة فكشفت عن ساقيها ) ، وأختها الصداحة بصوت الجسد ( هيت لك ) ؟ أم تراكِ تحسبينني مازلت أعاود ترديد ترنيمتك الأثيرة ( اليوم خمر ونساء وغداً نقتل أتباع محمد ) ؟ .

بدا لي أن رسالتكِ كان تحمل دعوة لمشاركتكِ في شئ من هذا وربما أكثر ، وما أود التأكيد عليه هنا - إن صدق ظني - أن هذه دعوة مردودة على صاحبتها ، فهي بادية التأخير عن مواعيدها المفترضة كثيراً ، فقد تجاوزتُ يا عزيزتي حفلات سُمار الليالي ، والأنخاب الدائرة على شرف المحبين ، وما عاد ليَّ جلد على الإسترسال الطويل في وصف مجد الرومان .

عزيزتي فينوس .. إن نيرون الذي تنشدين عودته ليملأ الأرض ناراً - بعد أن خبت لعقود - لم يعد قادراً حتى على إشعال عود ثقاب ، وحسبه - إن شئت - فنجان قهوة الصباح يُشارككِ فيه عن بعدٍ يفصل ما بين قارتين ، فإن تكاثر من حولكِ الجليد ، وبردت الدماء في العروق ، فتذكري ما كنت أقوله لك على الدوام من أن الدفء لا يرتبط أبداً بسطوع الشموس قدر إرتباطه بساعات الغروب .  

2014/12/18

رسالة من فينوس .



عزيزي / .......
تحية وسلاماً ،،

لعلك تفاجئت الآن عندما رأيت رسالتي ضمن بريدك الإلكتروني صباح اليوم ، نعم إنها انا ، اعلم تماماً كيف هي ردة فعلك الآن ، إعتدلت في مقعدك ، وضبطت نظارتك ، وأسندت وجنتك فوق راحتك ، وترددت في فتح الرسالة للحظات ، ثم أراك وقد جمعت شتات نفسك ، وتنهدت كما تعودت دائماً أن تفعل ، ثم إتخذت قرارك الشجاع بخوض تجربة القراءة لمن إعتقدت دوماً أنها فينوس عصرك وأيام دهرك ، فينوس كما أسميتها أنت ، فينوس كما رأيتها أنت ، لكن يبدو يا عزيزي أن ربة الحب والجمال لم تعد تشكل لديك ذاك الشغف الروماني الذي كان .

عزيزي .. إن إندثار الحضارات ، وإندحار الإمبراطوريات ، لا يعني بحال من الأحوال مصادرة لحظات الألق والبزوغ ، ولا أيام المجد والنبوغ ، وإذا كان نجم القياصرة قد ولى ، فأرجوك أن لا تستحضر دور بروتوس من جديد .
ما بالك جفوت اللحظات ، وضربت صفحاً عن الأيام ، لا أريد هنا أن انعش ذاكرة أعلم تماماً كما هي قوية ، ولآ أريد ان أرسم لوحات للفت إنتباه فنان عاق إلى تاريخ الخطوط والألوان ، لا يا عزيزي .. إنما أكتب لأؤكد لك أن أعمدة النار حول مدرج الكولوسيوم مازالت مشتعلة ، ومازالت تلاطم - رغم السنين - كل محاولات الخمود ، أو حتى دفعها للإكتفاء بلحظات الدفء العابرة من أنصاف الموهوبين ، وذلك كله لم يكن إلا إنتظارعودةً مأمولة لنيرون .

أكتب لك في شهر ديسمبر ، شهرك الأثير ، أو كما تسميه أنت شهر الميلاد والوحشة ، أتذكر ما كنت تقوله دوماً لي من أن السير تحت المطر بلا مظلة هو غاية شاعرية الإنسان ، فهل يا تُرى أما زال لك منها نصيب ؟ أم تراك في رحلة الجحود قد تنكبت الطريق ، وتهت في دروب منطق الملائمة ، ودواعي الموائمة ؟ .

عزيزي .. هل تفاجئت مما كتبت ؟
ما دفعني إلى ما قلت لم يكن سوى حثك على الوفاء الجميل للماضي ولو قليلاً ، وما غرني في ذلك سوى علمي بأنك كثيراً ما كنت تهوي الصعلكة في أزقة ما كان ، ودوماً ما كنت تحب التسكع في ردهات الأبيض والأسود .
ليت شعري .. لكم وددت أن أفرغ من كتابة قصة أبيت أنت أن تكتبها ، بل وأمسكت عن الخوض في تفاصيلها ، وكففت قلمك عن البوح بأي من أسرارها ، وإكتفيت كعادتك بإختبار قدرة حواسك على التذكر ، وكأنك تقول لي : ها أنا اتذكر !! هذا إذن هو كل ما تستطيع فعله لي ، فقط أن تتذكر ! .

سأذكرك أنا بقصة قديمة ، يوم أن إنفرطت المسبحة من يديك ، وتدحرجت حباتها في أرجاء الأمكنة والشقوق ، وبعد جهد جهيد لم تقدرعلى جمعها كلها ، فظل بعضها عصي على الظهور أمام عينيك ، وبمنأى عن أطراف أناملك ، وفشلت بالتالي عملية نظم المسبحة من جديد ، وإعادة سيرتها الأولى .
أتذكر أنك شعرت ببعض الضيق المكتوم ، ولكنك لم تيأس من إعادة المحاولة مرة بعد مرة ، صحيح لم تكن النتيجة مختلفة إلا من حبات عرق نازفة من جبينك ، إلا أنك نظرت إلى حبات المسبحة التي أفلحت في جمعها ، ثم أنك تأملتها ملياً ، وأدرتها في راحة يدك ، وتوجهت إليها بلسان السائل المتشكك :-

- أتصلحين بنقصانك الماثل في تشكيل بداية جديدة ومختلفة  ؟
عند هذه اللحظة بادرتك باسمة :-
- يا هذا .. لما تسقط الأشياء دائماً من بين يديك ؟ .
جاءني الجواب سريعاً :-
- مللاً !!
هذا هو إذن ... الملل ! هل كفتك إشارتي  ؟

عزيزي .. لقد قلبت أمرك على كل الوجوه ، فما أفلحت في الوقوف على موضع يقنعني بإرتحالك ، ولا سبب يشي بإعراضك ، ومع ذلك فإنني أعدك بأنني لن أكون حبة ضائعة أخرى من حبات مسبحتك ، ولن يكون حظي من الأمر النسيان ، ولا قصاصة مهملة في كتاب عتيق ، لا .. سأظل وفية لإرتشاف قهوة الصباح ، ومعاودة السهر في الشرفات حتى ينبلج النهار ، وضيف شرفي الدائم لن يكون سوي قميصك الذي أهملت ، وقنينة عطرك التي تركت ، فأنا لم أكن يوماً ملولة ، لا ولن أكون .
في النهاية .. ما أطلبه منك ليس سوى الرجاء بأن لا تهمل رسالتي ، ولأ تهدر مقالتي  ، وتحلى بشجاعة الرد والإنصاف ، ولا يكون حظك من دراسة القانون أن تعكف فحسب على خط أسباب براءتك أو تسطير مبررات عقابي ، مع رجائي أن لا أكون قضيتك الأولى الخاسرة .

2014/12/16

صفقوا للشمس !


كريستيان فريدريش هِيبل
شاعر وكاتب مسرحي ألماني

( الجمهور هو ذلك الذي يصفق للألعاب النارية
ولا يصفق لشروق الشمس )


عزيزي .. عزيزتي

مقولتنا اليوم بديعة حقاً لكونها تتعلق بقسمة منطقية وواعية بين نوعين من الناس ، سمى صاحبنا أحدهما بـ (الجمهور) ، بينما أمسك عن وصف النوع الثاني منهم ، لا  لشئ - ربما - إلا لوضوح الدلالة .

بالطبع لا يقصد الشاعر والكاتب الكبير قصر المعنى المراد من مقولته على حالة من ينشغل ببهجة الألعاب النارية ، ويغفل عن البهجة الأسمى المتمثلة في شروق شمس دنيانا ، ذلك أن هذه المقولة – يالتأكيد - تتعدى حدود الكلمات التي تضمنتها ، وتُجاوز بمراحل الواقعة التي ضرب لها الشاعر مثلا ، إنما هي إشارة بليغة ، ولفتة رائعة لكل أحد رضي بالأدني دون الأقصى ، وتشاغل بنشوة اللحظة عن المتعة المستدامة .

لطالما حثنا الخالق سبحانه على النظر والتدبر ، وإجالة الخاطر ، وإنزال الأمور منازلها التي تستحق وتستأهل ، كما ان التجارب الحياتية - على تنوعها - تعطي فرصاً حقيقية لإعادة التفكير وترتيب المهام ، وكلما كان نظرك ووعيك - في نفسك وفيمن حولك - متسقاً مع الغايات الكبرى والأهداف البعيدة ، كلما كنت قريباً جداً من الولوج إلى مواطن السعة والجمال ، وهذا الأمر قطعاً لا يتأتى لأحدنا بمجرد قراءته لمقال أو حتى كتاب ، إنما الأمر في الواقع هو مران مستمر ، ودأب متواصل لا يتوقف ، ومع بلوغك مرحلة متقدمة في هذا المضمار ، فإنك غالباً لن تتوقف حتى تضع يدك على مباهج المرحلة التي تليها ، وهكذا حتى تهدأ روحك وتصفو نفسك ، وتصبح متسقاً كامل الإتساق مع عالمك ، وكل من حولك أيضاً .

إن المتتبع لمواطن الإبداع والجد في هذه الحياة سيجد بسهولة أن الباعث الحقيقي وراء ذلك لم يكن سوى أن أناساً كثيرون لم يكتفوا بالتصفيق للألعاب النارية ، بينما يمموا وجهوهم قِبل السماء ليصفقوا للشمس حال بزوغها . بكل ما يحمله هذا المعنى من دلالات ليس أقلها تمردهم على القوالب والمسلمات الباردة ، ومناهضتهم لفكرة التموضع الممل حول الأشياء ، ومكافحة الرتابة الجالبة للأسقام .
 إن الدعوة إلى التصفيق للشمس ، ليست دعوة بلاغية خطتها يد شاعر أريب ، بقدر ما هي دعوة لإستنهاض النفوس وحثها على الإرتقاء إلى معالي المشاعر ، وعظائم الأمور .

 وأرجوا ألا يُفهم من السياق المتقدم أنه يحط من قيمة أو قدر أي أحد ممن لا يشاركني الفهم على نحو ما سلف ، فالناس دائماً سيظلون متفاوتين في المشاعر والأفهام ، فسيكون هناك دوماً من ينشغل بنظافة حذاءه ، بينما سينكبُ آخرون على العناية بنضارة وجوههم .

2014/12/14

الكُـتاب.. يعانون أيضاً !

بقلم : ياسر حجاج

الكتابة معاناة .. هكذا يُحب الكُتاب على مختلف مشاربهم أن تُوصف دوماً الحالة الخاصة التي يكتبون في ظلالها ، فيعتبرون - وهم مُحقون - أن الكتابة عملاً شاقاً ذهنياً ، ومن ثم بدنياً ، ذلك الكتابة الجادة - وهي هنا ما أعني - أشبه بإنسلال جزء من روح الكاتب إلى حيث منابت الفكرة التي إعتملت في نفسه ، فترى روحه تخالط فكرته ، كحنطة مُزجت بماء ،  ثم قَدر أنها - بعد إختمارها - لجديرة بأن تخرج إلى النور في شكل كلمات وسطور ، ثم في مرحلة أخرى ، رأى انه من المناسب أن لو خرج بها على القراء ، فيطرح تجربته عليهم ، ويشاطرهم الرأي ، وأحياناً المشورة ، لذلك فإنه لا يخالجني شك في أن ما نقرأه وينال إستحساننا ليس سوى روح تتحدث أخذت - لإعتبارات الملائمة - شكل نصوص .

إن المعاناة الحقيقية ، لا تكون إلا عن سبق عناية بالفكرة التي هي في النهاية ليست سوى المادة الخام الأولية لمشاريع الكتابة بوجه عام ، فليست كل فكرة صالحة بذاتها أن تكون مشروعاً ملائماً للكتابة ، بل ليس كل مشروع كتابة صالحاً بذاته أن يكون مؤهلاً للنشر في وقت معين ، ولعل هذا يبرر أن كثير من المفكرين والكتاب والشعراء حول العالم قد بارحوا الدنيا ومازالت أدراج مكاتبهم مثقلة بروايات وأشعار ومقالات وأعمال لم تجد طريقها إلى النور ، إما لأنه لم يُقدر لهم الإنتهاء من إنجازها ، أو لعلهم أنجزوها بالفعل ، غير أنهم رأوا - بعد التدبر - أن أوان نشرها لم يحن بعد وفق التقديرات الموضوعية التي لدى كل واحد منهم .

ولأن الكتابة معاناة ، حقيقة لا مجازاً ، تجد الجادون من الكُتاب يعكفون على ما يكتبون عكوف نحات غير متعجل ولا متهور ، فترى أحدهم يتخير الصور والدلالات أولاً ، ثم ينظر إلى وجه الجمال فيها ، فإن فرغ ، وضع القالب المناسب لها ، ثم يًسكب عليها - من بعد ذلك - ما أُختزل في ذاكرته من جمال الصنعة ودقة الحرفة ، ما يؤدي في النهاية إلى الغاية الختامية من الكتابة ألا وهي شيوع الدهشة .

 من هنا تأتي أهمية التقدير اللازم من القارئ الواعي للكاتب المجد ، هذا التقدير لا ينصرف إلى مجرد الإكتفاء بشراء كتاب له - على أهمية ذلك - ولكنه - وقبل ذلك - هو الإحساس بمعاناته فعلاً ، ومشاركته وجدانياً فيما كتب ، ذلك ان المنتج النهائي بين يدي القارئ مهما غلا ثمنه ، لا يساوى إلا نُذر قليل من حالة فريدة وثرية إنتابت روح أحدهم فرأى أن يُشاركك فيها ، وناهيكم عن دور النشر ، فأن إرتفاع مبيعات الكتب ستسر الكاتب ، وربما رأها مؤشراً على جودة منتجه ، لكن الجاد منهم فحسب من سيُعنى أكثر بوصول رسائله إلى حيث أراد .

***

على الضفة الأخرى تجد صنف آخر من الكُتاب لا ينتمي إلى عالم الكتابة إلا من خلال حيازته لبطاقة عضوية في ( نقابة ) أو (إتحاد) ، بين أحدهم والمعاناة كما بين أوسلو شمالاً ، وكيب تاون جنوباً ، لا أفكار أخذت حظها من النضوج ، ولا منطق يٌحكم به الأمور ، ولا حتى وسائل تعبير مناسبة لا تصدم القراء ، هؤلاء قد نجحوا في قلب التركيبة الكيميائية للكتابة ، فجعلوا المعاناة من حظ القارئ لا من نصيب الكاتب ، أحياناً أقرأ لبعضهم وأجد نفسي - بعد القراءة - متعللاً بالأماني ، أن لو يا حبذا لو وُضعت - حينها - فوق أجهزة التنفس الصناعي .

2014/12/11

عام آخر قد مر !!



لطالما كرهت الأرقام ، ولطالما رأيتها رموز مغرورة وباردة في آن ، مستعلية ومستعصية ، وإلا فلما تحولنا إلى رقم في خانة حساب ، أو بيان في دفتر أحوال .

هاهي حبة أخرى من حبات العمر قد إنفرطت ، ولكنها قبل الرحيل والإنطمار في زوايا الظلمة قد أحدثت تغييراً حسابياً لازماً في خانات الأيام والأشهر والسنين . ذلك التغيير الذي يهم أناس كثر أنا لست واحداً منهم بالتأكيد .

أما عن شأن ما كان ، فقـد كان !
فمن تراه يهتم بتجربة التـيه ؟
أمن تراه إسترق السمع لأحاديث المرايا المريرة ؟
أمن تراه إلتفت لواقع التقلب على وجوه الأشياء ؟
أمن تراه بادر بنفض الغبار عن قصاصة صغيرة صفراء ؟
أمن تراه كان شاهد عيان على حقب التقعر والتحدب والإستـواء ؟
هيهات !!

وأما الآن ..
فطريق الحرير توقف لغايات ضبط الجودة .
وأسبلة الروح سًدت في وجه من شعر باليُـتم في الخمسين .
وأما الآمال الكبار ، فمعلقة لحين تأكيدها من مصادر مستقلة .

وأما ما عساه يكون ..
فليس سوى ما رجوته أن يكون
فإن كان .. فليكن
وإن لم يكن .. فما كان له أن يكون

يا لطول عمر الإنسان !!

2014/12/10

أوقفوا النزيف أولاً !

T Jefferson by Charles Willson Peale 1791 2.jpg
توماس جفرسون
الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية

إذا نشب الحريق في بيتنا فعلينا محاولة إطفائه دون
السؤال عما إذا كان نشب من الداخل أو من الخارج

عزيزي .. عزيزتي

هذه المقولة - على لطافتها - تحث وبجدية على وجوب ترتيب الأولويات في حياتنا ، سواء على المستوى الشخصي أو المجتمعي ، بل وحتى في إطار العلاقات بين الأفراد .
إن معظم الإرتباك الحادث داخلنا ومن حولنا ، إنما مرجعه أن شخصاً ما ، وإن شئتم فجهة ما ، قد إنشغلت دون داعٍ حقيقي - لازم -  بالتفاصيل الدنيا دون إلتفات إلى القصوى منها ، والتي يلزم أن يتوجه لها - في لحظة معينة - جل الإهتمام والعناية أولاً ، ثم يأتي من بعد ذلك البحث في الملابسات والأسباب وطرق العلاج ، إن المعالجة السريعة للتداعيات التي تنشأ عن واقعة أو حدث ما يخفف وبشكل إيجابي معقول من الأثار المترتبة عليه ، بل أنه يقوم بحصارها في أضيق نطاق ممكن فلا تمتد هذه الأثار إلى حدود يصعب - ربما - التحكم بها .

إن ترتيب الأولويات في حياتنا لا ينبغي أن يكون قاصراً أبداً على جليل الأحداث ، أو كبير الملمات ، وإنما يتعين أن يكون شاملاً وعاماً وفي كافة المناحي حتى يغدو أسلوباً للتفكير قبل أن يكون منهجاً للعمل ، وإذا كان العقل سابق على الحركة ، فلا يتعين أن يكون رد الفعل سابق على التدبر ، وهذا أمر في غاية الأهمية .

من ناحية أخرى ، فإن هذه المقولة قد يراها البعض نظرية جداً ، بل ومترفة جداً ، ولعلها - في ظنهم - تتجاهل صدمة الحدث ، ومفاجأة الواقع ، ولكن فلنتذكر جيداً أن كل عمل جاد وحقيقي في هذه الحياة قُدر له أن يبقى ، ويغدو مثلاً لسواه من الأعمال ، لم يكن في البدء سوى نظريُ جداً ، ولعله كان مترفاً جداً أيضاً .

فلنخض التجربة ، ولا نصادر على المطلوب ، فدعونا نجرب ( فقه الأولويات ) هذا على صغير الأحداث التي تمر بنا يومياً ، وأن نتعهد أنفسنا بهذا التجريب حتى نغدو - مع مرور الوقت - ذوي ثقافة متجذرة مبنية على قاعدة ( وقف النزيف أولاً ) ، متمنياً بالطبع ألا تمتحن الأقدارُ أحداً منا ، فيفاجئ بسقوط رجل من برج شاهق عند موضع قدميه ، فينشغل عن طلب الإسعاف ، بالنظر إلى أعلى لحساب مستوى الإرتفاع الذي سقط منه صاحبنا .

2014/12/08

د. ياسر ثابت .. ذلك الأنيق .



بقلم : ياسر حجاج
غالباً ما ُيفرق علماء اللغة العربية ما بين الفصاحة والبلاغة ، ولا يجعلون منهما شيئاً واحداً ، فيطلقون الفصاحة على اللفظ ، بينما يخصون البلاغة بالمعنى ، فيقولون هذا لفظ فصيح ، وذاك معنىً بليغ وليس العكس .
 فإذا كنت من ذلك الصنف الذي تستهويه الكلمات في مبانيها ومعانيها (فصاحة وبلاغة) ، فأعتقد أنه سيكون من المناسب جداً لك أن تقفز خطوة أخرى إلى الإمام ، وتقف على منطقة قديمة جديدة في عوالم اللغة يكاد لا يلتفت إليها أحد إلا فيما قل أو ندر ، وأقصد بها أناقة اللغة لفظاً ومعنى ، لن أتولى هذه المهمة بنفسي - فأنا دون ذلك - وإنما سأدلك على من يصطحبك في نزهة عبر متجره الأنيق ، فيدلك بدوره على آخر خطوط الموضة ، ويعرض عليك تشكيلة واسعة موضوعة بإنتظام فوق أرفف الحكايا والتاريخ والسياسة والأدب والفن بل والرياضة أيضاً .. ذلك هو الخمسيني الشاب د. ياسر ثابت .

صنف قليل من الناس - هو واحد منهم -  يصعب عليك إحاطته ضمن إطار تقليدي محدد ، أو وضعه في قالب جامد مُجهل ، وذلك بالنظر إلى الملكات الشخصية ، والصفات الذاتية التي يتمتع بها ، هو لا يتأبى على الأطر ولا على القوالب ، بل ان الأخيرة هي من تعجز عن إستيعابه ولملمته ، يبدو وكأنه شجرة سامقة تلاطم الهواء حيناً وتداعبه أحياناً ، وتجاوز بكبرياء حدود الأسوار المحيطة ، فتراها تُلقى بظلها وثمرها على المارة ، وترسم لحظات من السكينة والجمال في أعين الناظرين ، وأحياناً تغدو وكراً هنياً للمحبين الذين سأموا نظرات ذلكم النفر من الفضوليين ، بدا لي الرجل أيضاً وكأنه جدول ماء فاض فجاوز حدود ضفتيه، فانساب يسقى الزروع ، ويروي المتعطشين ممن إمتدت أياديهم إليه بكؤوس خاوية فيعودون بغير ذاك الوجه الذي ذهبوا به وقد إبتلت عروقهم ، وهو في النهاية من يمنحك فرصة فريدة بأن تقف على شاطئه وتقترب ، ثم تنظر إلى صفحته الجارية فترى فيها وجهك وقد إستحال أجمل وأرق .

على ناصية متجره يعج الرواد ويتهافت المعجبون ، وهو بأدبه الجم وتهذيبه - الزائد عن الحد أحياناً - لا يرد طلباً ولا ينهر سائلاً ، ويؤكد لك ولغيرك أن متجره ما كان ليكون إلا لرغبته في أن يتقاسم مع الجميع ألوان المحبة والجمال التي تجمع بين التراكيب المرصعة ، والتلوينات المبتكرة ، فضلاً عن أحدث أنظمة الإضاءة التي من شأنها توسيع حدقتك ، فتقع عيناك إثر ذلك على مواضع ما كنت لتتخيل أن يهتم بها أحد ، فاهتمامه بالتفاصيل الصغيرة أمر مثير للدهشة ، بل وإستثنائي تماماً .

للرجل مع الكلمة شأن ، وأي شأن ! تأتيه ممازحة ببراءة ـ فيأبى إلا التحرش بها ، فتراه يجردها ، ويعود فينضجها ، ثم يكسوها ، فإن طابت رمى بها على وجوه المحبين والمتابعين ، فتقع في أفضل محلة من نفوسهم ، ومطارح أفئدتهم ، ولكي أكون أميناً أود التنبيه على أنني لم أقرأ له للآن كتاباً ، وإنما كونت هذه الإنطباعات من إشارات ومقاطع معقولة من كتب ومقالات سابقة له ، فضلاً عن المتابعة اليومية تقريباً لما يجود به على صفحته على الفيس بوك .

قبل أن تتسرع ، لزم تنبيهك بأن ويكيبيديا لن تسعفك في التعرف عليه ، حيث يصعب تصنيفه بشكل محدد ودقيق ، فلا تدع التخمينات تلعب برأسك وتساءل نفسك عن كنه الرجل ودخيلة أمره ، فأنا شخصياً – على كثرة متابعتي له - لا أعرف ! كل ما أعرفه عنه أنه إنسان حقيقي ... هكذا ببساطة ؟ نعم هكذا ببساطة. 

إطلبوا صداقة هذا الرجل .
https://www.facebook.com/yasser.thabet

2014/08/06

دوائر



بقلم : ياسر حجاج
في إطار الشعور بالسعة والضيق ، فإنك لن تعرف أفضل من الدائرة معنىً رمزياً للتعبير ، حيث تتسع هذه الدائرة أو تضيق بمقدار الرحابة التي تشعر بها ، أو الملل الذي ينال منك ، بمقدار الأمل الذي يراودك ، وبمستوى الإحباط الذي يتحرش بك ، وبهذا المعنى فإن حياتك هي عبارة عن سلسلة من الدوائر اللا نهائية ، قد تقترب منك وقد تتباعد ، ولكنها موجودة حولك على أي حال ، وكلما كانت لديك المقدرة على الحفاظ أو الإبقاء على هذه الدوائر متجاورة ، وغير متلاصقة كلما كانت قدرتك على فهمها وإدراكها أكبر.

 
إن أخطر ما في الدوائر هي المرحلة التي تبدأ فيها بالتشكل أو الإندماج بعضها مع بعض ، لتصيغ لك في النهاية – ورغماً عنك - ربما شكلاً دائرياً آخر يخرج عن حدود الفهم والتصور أحياناً ، فتبدو معها وكأنك قد أُجبرت على الدخول في متاهة عرفت بوابة الإنطلاق إليها ، غير أنك بأي حال تجهل باب الخروج منها ، وإذا تعقدت الأمور أكثر معك ، فإعلم أنك على وشك الدخول في مغامرة جديدة ، قوامها كرات من الخيوط المتقاطعة والمتشابكة ، لا تكاد تصل إلى أول خيط هنا ، حتى تأخذك بداية خيط جديد هناك ، وفي إطار هذه السباحة غير المحببة – إن جاز التعبير – ستتشابه لديك نقطة الإنطلاق ونقطة الوصول ، ويصبح الحل والإرتحال بمعنىً واحداً ، ذلك أن الدوائر ليست لها نقطة بدء وأخرى للإنتهاء ، فكل نقطة على مدارها المتسع أو الضيق ، تصلح بذاتها أن تكون مقدمة ، كما يصح أن تكون ختام .

هب انك إنطلقت من النقطة (أ) بسيارتك راغباً في الوصول إلى النقطة (ب) ، وبعد مدة من المسير قلت او كثرت ، وقليل أو كثير من الصبر أو الكدر ، توقفت بك السيارة حيث أردت ، فتتفاجئ أنك ما برحت أبداً النقطة (أ) ، وأنك وصلت من حيث إنطلقت ، لا شك أن ذلك سيكون محبطاً جداً بالنسبة لك ، من هنا تأتي أهمية التغلب على الشعور بالدوار والإرتباك ، بإدخال عناصر أكثر تحديداً داخل الدوائر المحيطة بك ، وذلك بأن تعمد إلى رسم حدود مستقيمة ومتوازية وأخرى متقاطعة ، وإن شئت فمتعرجة ، تمثل في إعتقادك المسارات التي تود العيش وفق أسسها بحسبانها الحدود الأكثر توافقاً مع شخصيتك وطريقة تفكيرك ، وأهدافك التي تود تحقيقها في هذه الحياة ،.

لا علم لدي بمقدار النجاح الذي سوف تحققه في هذا المضمار ، لكن بالتأكيد فإنك ستنجح بالفعل في التغلب - بشكل أو بآخر - على إشكالية الدوران اللا متناهي بإستحداث نقاط إنتظار وتوقف ، واخرى للتامل والتفكير ، وثالثة لمعاودة المسير والإنطلاق ، وأياً ما كانت حظوظ النجاح ودرجات التوفيق التي سوف تحققها ، فإن اللافت أنك - على الأقل -  لم تستسلم لفكرة الدائرة في حياتك ، مهما بدت لك متسعة ورحبة ورغدة .


إذن .. لا تجعل الدوائر المحيطة بك تتداخل قدر الإمكان ، وحافظ على مسافة معقولة فيما بينها ، فلا تطغي إحداها على الأخريات ، ولا حتى أن تستغرق واحدة منها الأخرى ، وفي إطار الدائرة الأكثر إستحواذاً على نفسك وقلبك ، إرسم داخلها ما شئت من خطوط وأشكال وألوان ، وإترك لمخيلتك العنان ، ولكن إبدأ في العمل ، ولتعلم أن المائدة حتى ما عادت مستديرة  .

2014/08/02

صديق العمر !!


من يكتب التاريخ ؟
التاريخ هو أكثر العلوم الإنسانية التي ينبغي التعاطي معها بحذر بالغ ، بالنظر إلى النتائج التي يمكن إستخلاصها منه ، الآن وفي المستقبل ، وفي تقديري أن الكثير من المشكلات التي تواجه الأمم والمجتمعات لا تكمن في عجزها عن إستخلاص العبرة أو العظة ، بقدر كونه عجز عن قراءة الحدث التاريخي كما وقع فعلاً ، لا كما تم تصويره أو إبرازه ، فكلما كان تاريخ الشعوب واضحاً وصادقاً رغم المرارات التي تكتنفه أحياناً ، كلما كان ذلك عاملاً مساعداً وبشدة في ضبط إيقاع هذه الشعوب في سنيها الحالية والمستقبلية ، وكلماً كان هذا التاريخ مرتبكاً أو شائهاً ، كلما تنكبت هذه الشعوب الطريق لإنقطاع حبلها السري الذي يربطها بماضيها .

فقليلة هي الواقعات التاريخية المُجمع على صدقيتها ، وعلمية توثيقها ، ونزاهة رواتها ، وأمانة عرضها ، لذا أتعامل مع الأحداث التاريخية قديمها وحديثها بمنطق المستدرك المحتاط ، ( هذا .. والله أعلم ) ، ففي حقل الظنون من العسير جداً إستنبات زهرة يقين واحدة .

عودة إلى سؤالنا .. من يكتب التاريخ ؟
على وجه القطع واليقين ، لا توجد إجابة واحدة عن هذا السؤال اللعوب ، وأرجوك أن لا تصدق أن التاريخ يكتبه المنتصرون وحدهم ، فالمنهزمون أيضاً يكتبون ، ويبدو لي أنهم في حاجة لتبرير الهزيمة بقدر وجهد أكبر بكثير من محاولة المنتصرين التأريخ لأسباب نصرهم أو نجاحهم ، فالنصر لحظة برق لامعة ، بينما الهزيمة ليل طويل من العار .

يكتب التاريخ فيمن يكتبه أجهزة المخابرات ، والجهات الرقابية ، والجواسيس ، والعملاء  ، ومؤرخون أكاديميون ، وأفاكون ، وأناس طيبون ، وظرفاء أخرون ، جلهم ينهل من ذات المعين تقريباً ، وإن يكن بزوايا مختلفة ، قصاصة خبرية من هنا ، ورق صفراء ذابلة من دفتر تحقيق هناك ، رأي من هذا الجانب ، إستقصاء من جانب آخر ، وما على ماكينة الطباعة سوى جمع كل هذا الشتات ضمن مغلف أنيق ، وصور ذات دلالة ليكون بين يديك كتاب للتاريخ , صحيح أن للتاريخ مناهج علمية في كتابته ، غير أن هذا لا يعني أنك سوف تقرأ بالضرورة كتاباً رصيناً موثقاً محايداً وموضوعياً ، إن المناهج العلمية لن يكون لها أي قيمة تُذكر أمام لعبة السياسة ، وأهواء من يكتبون .

والحقيقة في كل ذلك ؟
لا إجابة واحدة أيضاً عن هذا السؤال ، فهل تقصد الحقيقة التي تراها أنت ، أم الحقيقة التي يراها غيرك ، أم الحقيقة كما وقعت فعلاً ؟ بل أنه في إطار الحقيقة التي وقعت فعلاً فهناك ألف حقيقة وحقيقة ، الأسباب والدواعي ، الظروف والملابسات ، التأثيرات والنتائج ، المبررات والموائمات ، وفي سياق كل تفريعة ستجد ألف تفريعة وتفريعة ، وستغرق كمتابع أو قارئ – إن لم تكن واعياً - في هوى نفسك الذي يدفعك إلى تبني وجهة النظر التي تنتظم توجهاتك أو أراءك ، دون بذل أي جهد حقيقي لمحاولة الوقوف على الحقيقة مجردة كما هي ، وبمرور الوقت يتحول الأمر برمته إلى مجموعة من الرؤى والإجتهادات ظنية الثبوت ، ظنية الدلالة ،ومن بعد ذلك فأنت مطالب بأن تصدق أن هذا هو التاريخ ! .

*****
تابعت مسلسل صديق العمر الذي يحكي قصة العلاقة التي جمعت بين الراحلين الرئيس جمال عبد الناصر ووزير دفاعه المشير عبد الحكيم عامر  ، وما كان صبري على متابعة المسلسل طوال حلقاته الثلاثون إلا محاولة الوقوف على حقيقة وظروف وفاة المشير عامر التي لم يجرِ التطرق لها إلا في الحلقة الأخيرة من المسلسل بمشهد وحيد وصامت وإن كان لا يخلو من دلالة ، فلم يقل المسلسل كيف كانت نهاية المشير الأليمة ( قتلاً أم إنتحاراً ؟ ) ، وظلت الإجابة كما كانت دائماً حائرة بين مذكرات رجال المرحلة آنذاك وبين تقارير الطب الشرعي والتحقيقات  ، مع إدعاءات وتشنجات من بعض أفراد أسرتي الراحلين ، فهل هكذا يُكتب التاريخ في بلادنا التي يراد لها النهوض والنمو ، وهي مازالت عاجزة عن البوح بحقيقة قارب عمرها نصف قرن من الزمان ؟ إن كثيراً ممن يتصدون لكتابة التاريخ ليسوا سوى شهود زور أو شياطين خرساء ، كان ذلك فيما مضى ، وهو كذلك الآن .

                                                                      *****
نظرت مرة إلى أرفف مكتبتي المزدانة بكثير من الكتب التاريخية والتراثية وقلت في نفسي بعد تنهيدة إقتضتها ظروف الحال ( يا لغرفتي المتخمة بالكذب ! ) ، غير أنني لم أجرؤ ولو مرة واحدة على محاولة التخلص منها ، ذلك أنني مازلت أحتفظ بود قديم لزمن لقاءنا الأول الذي يعود في جزء منه إلى أكثر من ثلاثة عقود ، عجيب حقاً أمر الوفاء عتدما ينحصر في الذكرى وليس في شئ سواه  ، إن التاريخ الوحيد الذي أصدقه هو تلك السطور التي أخطها بيدي والتي يحتويها دفتر يومياتي ، وأجمل ما فيها أن أحداً لن يهتم بقراءتها .

2013/05/12

سهرة إغتيال الرئيس



في منتصف ثمانينات القرن الماضي دعاني زميل لي بحقوق القاهرة لحضور بروفة حفل غنائي بمسرح الجامعة بمناسبة قرب الإحتفال بمناسبة وطنية ، ولما شعر هذا الزميل بعدم حماسي لتلبية الدعوة كما كان يتوقع ، بادرني قائلاً وبمرح لا يخلو من دلالة :-

- أضمن لك أنك لن تندم أبداً على الحضور ، إنه صنف من الأغاني الوطنية والحماسية الذي يُولد لديك شعوراً وجدانياً بالرغبة في قتل رئيس الجمهورية .
جاوبته وإبتسامة تملؤ وجهي :-
- إن كان هذا .. فلا بأس .
*****
بعد قليل فكرت فيما قاله زميلي ، وتساءلت لما خصني بهذه الملاحظة ؟ هل الأمر في النهاية لا يعدو كونه تحفيزاً لطيفاً لي لقبول دعوته ؟ الحقيقة .. لم تكن لدي آنذاك أية مشاريع لقتل رئيس الجمهورية ولا قتل غيره من أحاد الناس ، ذلك أنني أمارس الإغتيال بطريقة ناعمة لا تجعلني واقعاً تحت طائلة القانون .

أذكر أني حضرت جانباً من هذه البروفات بحضورعدد من الطلبة والطالبات ، وبدأت الفعاليات وسط عزف الآلات الموسيقية المتنوعة ، وبمرور الوقت ، إرتفع منسوب الحماس لدى الجميع تزامناً مع ضجيج الآلات النحاسية والتي تمنحك شعوراً فورياً يكاد يلامس الحقيقة بأنك بالفعل في أتون معركة تاريخية حقيقية وليس في مجرد بروفة موسيقية ، كانت القاعة تهتز تقريباً من فرط الموسيقى وإنفعالات الحضور .

 رويداً رويداً علت الحمرة الوجوه وإختلطت بحبات العرق النازف من الجباه ، وبدأت السواعد تعلو في الهواء ، والأقدام تدك الأرض بشكل متزامن ومنسجم مع وتيرة الألحان ، وتعالت الأصوات التي تهتف بالوطن والتاريخ والجغرافيا أحياناً ، وخيل لي أن هذا النوع من الموسيقى يسد مسامات الجبن ، ويولد نوعاً من الخلايا العصبية الجديدة التي لم تتعود بعد على الخنوع والإستسلام ، وكأنها تستنهض فينا رواكد الشرف المرؤة ، فتمنحنا شعوراً مندفعاً وأحياناً متهوراً إلى تغيير كل الأنماط المحبطة من حولنا ولو بشكل حاد أحياناً .

بارحت البروفة الموسيقية وأنا غارق في مقعدي ، وغبت طواعية عن المشهد لبعض الوقت ، وتذكرت أن الحروب قديماً كانت صفوف المقاتلين فيها تتقدمها حملة الأعلام والطبول وأحياناً الشعراء ، وذلك لإلهاب حماس الجنود ، وبث الرعب ربما في صفوف الأعداء ، وفي وسط هذا الصخب تذكرت مقولة صديقي ، خاطبت نفسي قائلاً :-

أن هذه النوع من الحفلات أو الفعاليات ليس كفيلاً بدفعك إلى قتل رئيس الجمهورية فحسب ، بل ربما إلى حرق نصف بلد إن أردت .

 خرجت من بروفة الحقل وقد تلبست بجريمة الشروع في عمل ثوري متهور ، مضت ساعات بعدها أو إن شئت فأيام وتحللت رويداً رويداً من آثار الجريمة وألقيت من على كاهلي كل عبء ناء به ، وإخترت العودة إلى وسائلي الخاصة في الإغتيال ( الصمت - الإنزواء - الإحتقار ) ، لا تتضمن التشريعات الحديثة فيما أعلم أي نصوص عقابية على هكذا وسائل .

*****
كادت أن تمضي أعوام ثلاثون على هذه الواقعة ، ولم يكن يدور بخلدي على الإطلاق أنه سيأتي اليوم الذي سأتذكرها فيه بكل تفاصيلها ، فما الذي حرك الذاكرة إلى الإرتداد إلى الوراء كثيراً هكذا ؟  لا يتعلق الأمر في الواقع ببروفة موسيقية جديدة حضرتها ، ولا صادفت صديقاً مرحاً يفسر لي الفوائد ولا العوائد من حضور هكذا حفلات ، بل هو ربما قدر كبير من خيبة الأمل في أن الوطن الآن يسيطر عليه مجموعة من التافهين والأفاكين الذين يدفعونه إلى المجهول  دفعاً ، ويدفعون معه أمثالي إلى إعادة النظر في وسائلهم الناعمة ، والإنتقال ربما إلى مرحلة معاودة حضور حفلات صاخبة جديدة .. لعل وعسى .

2012/11/27

فخامة الرئيس .. عفواً لقد نفذ رصيدك


طائر النهضة الحزين

إذا كانت لديك رخصة لقيادة سيارة ، فهذا لا يعني على الإطلاق أنك ستكون قادراَ على قيادتها بشكل آمن ومثالي ، ذلك ان حملك هذه الرخصة لا يعدو كونه قرينة بسيطة أو مؤشر معقول على إمكانيتك في القيام بذلك ، وكون منزلك العامر يحتوي على عدد من الكتب والمراجع أو حتى الصحف ، فإن ذلك أيضاً لا ينبئ بالضرورة على أنك ستعي ما تقرأ ، وإنما هو بداية معقولة لتشكيل أولي ومبدئي لملكاتك الذهنية ، وقد ينتهي هذا التشكيل بأن تصبح كائناً عاقلاً ومتزناً وذا رأي معقول في كل ما يدور حولك ، وقد ينتهي بك الأمر إلى ما دون ذلك ، فتعمد إلى وضع كتبك ومراجعك في مكتبة على الحائط المقابل لمدخل غرفة الصالون لتقع عليها عيون الزائرين والضيوف فيحسبوك ذاك الرجل شديد الإطلاع ، غزير الثقافة ، وانت تعلم أنك لست كذلك .

*****


هذه مقدمة بسيطة لما اود أن أقوله وأتوجه به للرئيس المصري د./ محمد مرسي على خلفية الإعلان الدستوري الشاذ الذي أصدره ومنح نفسه من خلاله صلاحيات تقوم على قاعدة ( لا أُسئل عمل أفعل والجميع يسئلون ) .

عزيزي فخامة الرئيس .. لقد حصلت على رخصة لقيادة مركبة الوطن عقب إنتخابات رئاسية تقول جماعتك ( المحظورة ) انها جاءت نزيهة ، ومن وقت حصولك على هذه الرخصة ظننت أنت أنها رخصة لقيادة سيارة خاصة ، تقودها بالكيفية التي تراها أنت وجماعتك ، دون أدنى مراعاة لقواعد السير أو الإنتباه إلى إشارات المرور ،  بل ودون أدنى فهم أن القيادة وإن كانت حقاً مشروعاً في ذاته ، فإن هذا الحق ليس منفلتاً من كل قيد ، ولا طليقاً من كل فهم ، فأراك تنطلق بهذه المركبة بسرعتها القصوى في مواضع الزحام والتكدس ، وتُبطئ من سرعتها إلى حد الملل في وقت كان يُنتظر منك فيه الإسراع والإنطلاق ، ناهيك عن جهلك المفرط في كيفية التعامل مع المنعطفات والمنحدرات والنتؤات التي تحفل بها الجغرافيا السياسية المصرية فيما بعد ثورة يناير 2011 .

عزيزي .. أنت تعلم وأنا أيضاً ، أنك لم تكن الإختيار الأول لجماعتك ، ولم تكن فارسها المنتظر ، وأن الأقدار وحدها هي من ساقتك ورمت بك على وجه هذا الشعب الكبير الذي لم يمنحك ثقة كبيرة ولا مطلقة ، بل ثقة محدودة أدخلتك بالكاد من باب ضيق وقصير إلى قصر الحكم ، وبدلاً من أن تحاول أن تغير من الصورة المتجذرة في نفوس الناس حيال جماعتك ومشروعها القائم على إحتقار الدولة الوطنية سعياً وراء هلاوس الخلافة وخرافات التمكين ، رأيتك تؤكد للناس ما كان محل يقينهم بالفعل ، بل وأضفت لهم أسباباً جديدة ومتجددة أنهم بالفعل كانوا على حق في تخوفهم من صعود امثالك إلى حيث دفة الحكم بالبلاد .

عزيزي .. لا يكاد يمضي أسبوع حتى يتأكد لي أن الرخصة التي بحوزتك قد تم منحك إياها من الباب الخلفي لجهة الإصدار أو الترخيص ، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة ليس أقلها رغبتك المحمومة والمتوحشة في فض بكارة دولة القانون من أساسها ، ليحل محلها قانون دولة المرشد وولي النعم ، وتشريعات أرباب المعاشات بمجلس شورى جماعتك ، فضلاً عما نال الصحافة المكتوبة على أيدي صبية مكتب الإرشاد المزروعين بمجلس الشورى ( المأمول حله بإذن الله ) وذلك من حيث التغييرات في المناصب الصحفية بهدف إستبعاد او إقصاء بعض الأقلام التى لا تدور في فلك جماعتك ، هذا فضلاً عن تخبطك وعشوائيتك في معالجة قضايا الوطن والمواطنين ، ودعني أسألك هنا .. ماذا تفعل بطاقم مستشاريك ومساعديك ؟ هل تستشيرهم بالفعل ؟ أم أنك تراهم مناسبين أكثر لتزيين الأسوار الخارجية لقصر الإتحادية ؟ أو ربما مهيئون أكثر من غيرهم للعب دور قطع الأثاث المتحركة ببهو القصر ؟

يا عزيزي .. إن حكومتك ( المهشمة المقندلة ) التي فشلت حتى في إقرار نظام لإغلاق المحلات التجارية مساءاً لا يمكن التعويل عليها للنهوض ببلد بحجم مصر ، فأرجوك يا سيادة الرئيس أن تبادر بتسليم رخصة قيادتك إلى الجهة التي أصدرتها لك ، قبل أن يتم سحبها منك لمخالفتك قواعد السير الآمن في المحروسة .. بالمناسبة يا ريس قبل ما أمشي .. أخبار العملية ( نسر ) التي تقودها بنفسك في سيناء إيه ؟ عندك خبر ؟ .

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة