2018/10/06

وجه نوبل المُشرق



بقلم : ياسر حجاج

أيًا ما كان حجم التناقضات من حولنا، ومهما بدا الظلمُ مسيطرًا، والحاجة تعلو فوق كل اعتبار، فإن هذا لا يمكن أن يحجبَ حقيقة مفادُها، أن على هذا الكوكب أناس، لا هم لهم سوى الاتساق مع أنفسهم ومع غيرهم، ولا رسالة لهم يهبونها جل اهتمامهم كالعدل، ولا هم لهم ولا شاغل كالإيثار .

كان خبرًا مُفرحًا لا شك لكل المعتدلين إنسانيًا والمنضبطين أخلاقيًا، أن تمنحَ الأكاديمية السويدية يوم الجمعة الموافق 2018/10/05، جائزة نوبل للسلام لعام 2018، إلى كل من الطبيب الكونجولي دينيس موكويجى، والناشطة العراقية الإيزيدية نادية مراد على جهودهما لإنهاء استخدام العنف الجنسي، كسلاح فى الحروب، والصراعات المسلحة .

لقد كان طبيب النساء والإنسان الرائع دينيس موكويجى (63 عامًا) متخصصًا في علاج النساء اللائي تعرضن للاغتصاب، جراء النزاعات القبلية المسلحة، فضلًا عن جهوده في إعادة تأهيلهن ودمجهن في محيطهن ومجتمعهن مرة أخرى، بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بهن . أما السيدة العظيمة (25 عامًا) نادية مراد فقد كانت ضحية لطاعون العصر، تنظيم داعش الإرهابي، الذي اجتاح قريتها وقتل جل أسرتها، واستعبدها وانتهك خصوصيتها الجنسية، في مشهد يندى له جبين حتى من لم تحدثه نفسه يومًا بفعل الخير، فعادت من كل ذلك كمبشرة وراعية ومنادية بحقوق المرأة والطفل حول العالم بأسره.

ها هي جائزة نوبل للسلام تُضيفُ لبنة أخرى إلى جدار الإنسانية، وتُعلي من قيمة الجهد الإنساني العام، المُجرد من الزيغ، والمُنفلت من كل هوى، وتُسلطُ الضوء على أناس من بيننا، ضربوا أروع الأمثال وأنزهها، على أن بهذه الحياة ما يستحقُ أن نناضل من أجله، ونجعل منه قضيتنا المركزية وغايتنا النهائية .

إن القيمة الحقيقية لهذه الجائزة في شقها الأدبي تحمل أخبار سارة بلا شك لأولئك الذين مازالوا يجاهدون جور السلطان، والتعصب المقيت، وعدم التسامح الذي أصبح فاشيًا حتى بين أوساط المُتعلمين. إن هذه الجائزة ستعطي دفعة معنوية معقولة أيضًا لثلة من المكافحين من أجل قضايا الأقليات، والمدافعين عن حقوق الإنسان بوجه عام، كما أنها وبشكل ما ستضع الطغاة والمجرمين والمستبدين في كل مكان، تحت عدسة الرصد والمتابعة، تمهيدًا ليوم يكون فيه الحساب، جزاءً وفاقًا !

2018/09/18

ثمارُ العلم !



بقلم : ياسر حجاج
ما أطيب العِلم .. فهو عالمٌ مُترعٌ بالواقعية الشديدة، والموضوعية الأشد، القائم على الرصد والملاحظة والإستنتاج، ثم التجريب، فصواب أو خطأ، فلا مجال للإحباط هنا، بل معاودة نظر وتدقيق وأناة، مقدمة ونتيجة، سبب ومُسبب،علة ومعلول، ماذا نريد أكثر!

في نقاش مع أحد أبنائي، إسترعى إنتباهي حماسته الشديدة للمقولة الدائرة في الأوساط العلمية، من حيث أن العلم - على خلاف الدين مثلًا - ليس في حاجة إلي أتباع لينتشر وتطبق شهرته الأفاق ، فالدين أي دين، ما كان ليستمر إلا من خلال أتباع ومريدين ودراويش أحيانًا، أما العلم فهو على خلاف ذلك بالمرة، هو حقيقة قائمة بذاتها، أحببنا ذلك أم لم نحب، فمنطقه قاهر، وقواعده حاسمة، وهو بهذه المثابة ليس في حاجة إلى مساندتنا أو تعاطفنا لينتشر أو تكون له الغلبة، كما أنه لن يتأثر لا بكرهنا أو ضغائننا، فالعلم ليس في حاجة إلى جماهير.

العلم من ناحية أخرى لا يعرف التمذهب أو الطائفية أو الإنحيازات الفكرية أو الإهتمامات الشخصية، خذ مثلًا التجربة البسيطة التي كانوا يعلموننا إياها في حصة العلوم بالمرحلة الإبتدائية،والمؤسسة على قاعدة (أن الهواء يساعد على الإشتعال) حيث نذكر أن مدرس العلوم كان يقوم بإيقاد شمعة، فتظل على حال إتقادها، إلا أن يقوم لاحقًا بوضع قدحًا فارغًا من فوقها فتنطفىء، فتتعزز القاعدة في يقيننا، بعد أن رأينا تطبيقًا حيًا وأمينًا على صدقها، فهذه التجربة - على بساطتها - إن أجريناها في منازل الملاحدة أو دور عبادة المؤمنين، في الشرق أو الغرب، حال سرورنا أو تعاستنا، فإنها ستعمل بكل تأكيد، وتعطينا ذات النتائج، بلا زيادة أو نقصان.

 إن طاولات البحث والمختبرات تضم كل الأطياف والملل والنِحل من الباحثين، لا يجمع بينهم سوى تلك الأكواد الأخلاقية العلمية العامة، كأمانة البحث، ودقة العرض، والتشارك المعرفي الأمين، والإستخلاصات المجردة من الهوى، ثم من بعد ذلك التحوط في عرض النتائج، ولأن العلماء أناسٌ يتسمون بالتواضع، فهم يقدمون إلينا نتائج جهدهم، ثم لا يلبثوا أن يقولوا لنا : ليس هذا كل شيء. ذلك أن العلم تيار جارٍ لم يعرف يومًا القداسة، ولا الحقائق المطلقة، ولا الأفكار الغيبية.

كان من الطبيعي جدًا أن لا يكون من بين الرسل والأنبياء علماء خبروا التجارب أو النظر في العلوم، فبيئة الدين ليست كبيئة العلم، فالدين بحسبانه رسالة روحية، فإن صداه يظل يتردد ما بين الشعور والوجدان فحسب، وهو من بعد ذلك لا يجد له من مستودع ولا مقام، إلا في قلوب المؤمنين به، وهذا حيز من المستحيل أن يتعامل معه العلم، أو أن يبسط عليه نفوذه بحال من الأحوال. وعليه فإن محاولة البعض الربط الدائم ما بين الدين والعلم، أو تديين العلم بصورة ما، هي محاولة بائسة لا تتسم بأي قدر من الحكمة، لأنها محصلتها النهائية، قد تقود إلى إزدراء الدين الموسوم على الدوام بالقداسة والثبات ، أو التقليل من شأن العلم ذاته الذي هو في حالة فوران دائم، لا نكاد نقف له على نهاية.

2018/09/06

أن تكونَ مسيحيًا !

بقلم : ياسر حجاج

 قبل النوم تتقرحُ النفس بكل الأسئلة الوجودية والمستحيلة والساذجة أيضًا، بدءًا من لحظة الإنفجار العظيم، مرورًا بأسباب عدم إنتشار إسم (سعاد) كثيرًا بين الإناث، ومبررات عزوفي عن شرب الحليب منذ حقبة الرضاعة، وصولًا إلى حجم سفينة نوح، وإنتهاءً بدواعي غضب البعض، لكون بعضهم الآخر أراد أن يصلي ! .

في معرض تبيانها لوقوع ُظلم عليها، كانت الوالدة "رحمها الله" كثيرًا ما تقول (مسلمةٌ قد وَقَعَت أخيرًا بين أيدي اليهود!) لِمَ اليهودُ تحديدًا ؟ لم أكن في الحقيقة أعرف. غير أنني الآن كبرتُ بما فيه الكفاية، لأدرك على وجه اليقين - وإن يكن بشكل مقابل - كيف هو الشعور الحقيقي لمسيحي ساقته الأقدار، للوقوع بين أيدي بعض المسلمين.

مازال النومُ يراودني وأراوده، لكنني وإياه لم نصل بعد إلى نقطة إتفاق أهجع بعدها قرين العين، فقد أشار عليَّ شيطانُ النعاس المحتال، أن أتقمص دور رجل مسيحي ولو لبضع دقائق، فأتجول في الشوارع وأرتاد المنتديات وأمشي في الأسواق، والحقيقة أني قد سايرته لبعض الوقت ، لكن الأمر كان أكبر من طاقتي وإحتمالي على الإستمرار في لعب هذا الدور المخيف ، فقد رأيت نفسي كطائر وديع يعيش في حديقة ديناصورات، أو كقارب صغير لا يجد أي مرفأ آمن، بينما تتقاذفه الرياح في وسط بحر لُجي متلاطم الأمواج.

حاولتُ أن أجترَ الذكريات، عُدت إلى الوراء كثيرًا، حيث منزل (عمو نقولا) الذي تعالى صوت زوجته (أبله سميرة) في الصباح الباكر - بينما كنتُ في ضيافتهما - على إثر شجار عابر مع جارة مسلمة لها، وإذا بها تقول بأنفاس باكية يعتصرها الأسى (لِمَ يفعلون بي ذلك، هل لأنني مسيحية.(! 

لم يكن الوعي يومها مكتملًا أيضًا، لأقف على حقيقة شعورِ أن يكون أحدهم مسيحيًا ! ولكن وجدتُ شيئًا من الإجابة على وجه زوجها الذي أطرق إلى الأرض، فيما كان أولادُها ينظرون في اللا شيء !


كبرتُ ومازلت أكبر، وعلى الأرجح أني سأظل أكبر، لأقف أكثر وأكثر على كنه وحقيقة أن يكون المرء مسيحيًا، في وطن يكره الحياة ويزدري البهجة ويعادي التنوع، ويقتات على الجزية. وطنٌ يدفع الجميع إلى الموت عن هذا العالم أو فيه، فلا شيء يهم الآن، طالما بقينا نردد كل كلمات المواساة الحمقاء، ونلوك الباهت من عبارات التعاطف البائسة ! كل ما أرجوه أن لا تتأخر الأقدارُ في الدفع بنا إلى فاترينات العرض بمتاحف التاريخ الطبيعي !

2018/09/03

هذه الدنيا !

الشاعر النمساوي
راينر ماريا ريلكه
1875-1926

الأعمال الفنية تنبعُ دائما من أناسٍ واجهوا
الخطر، ووصلوا إلى النهاية القصوى للتجربة

بقلم : ياسر حجاج
لعلي لا أجدَ إستهلالًا أفضل من هذه المقولة الساحرة لما أودُ عرضه هنا، فعطاء الإنسان على هذه الأرض غير محدود، وإنفعاله بمحيطه يبلغُ أحيانًا حد الذروة، بل ولربما جاوز حتى - في لحظات إستثنائية جدًا - خطوط النهايات، لكل ما هو معلوم من عوالم الجمال والدهشة والتأمل. 

قبل الإسترسال، أودُ الإشارة إلى أن الخطرَ الذي قصده الشاعر النمساوي، لا يعني بالطبع ذاك الشعور الكلاسيكي الذي يدهمُ أحدنا فيُسلِمَه إلى أودية تُنبتُ خوفًا وهلعًا ورهبة، بل أن الخطر الذي يعنيه، ليس سوى الحالة النفسية العميقة التي تتلبس روح الفنان أو المبدع، وهو عاكف على النظر والتأمل في كل ما يشغله، سواءٌ في حيزه الضيق أو في محيطه الإنساني العام، فإن جاوز نظره وتأمله الحد الذي يمكن لوجدانه أن يحتمله، لم يعد يجد من بدٍ سوى أن يطرحه إلى فضاءٍ أكثر رحابة، عبر عملية إبداعية تجد طريقها من المكنون الخاص للفنان أو المبدع، إلى حيث مكنونات الناس ونفوسهم، ليشاركوه - ولو من بعيد - قدرًا من مخاض التجربة ، ذلك أن الأعمال الإبداعية في النهاية ليست سوى رغيف مُقتسم بين صاحب تجربة متأمل، ومتلقٍ يحدوه الأمل في إشباع من نوعٍ ما.

لوحة الخروج من القطيع

الأعمال الإبداعية على مختلف صنوفها هي رصيد مُضاف ولا شك إلى الضمير والوعي الإنساني ، ويقع في القلب منها ما جادت به قرائح المبدعين، من رسومات وجداريات وتماثيل، تلك الأعمال التي ما كانت يومًا مجرد صروح صامتة في صفحة الزمن، بل أنها كانت على الدوام تنبض بالحياة على نحو جاوز حتى حدود الصخب والخيال.

واحدة من أكثر اللوحات مدعاة للدهشة والتأمل هي لوحة (الخروج من القطيع) للفنان البولندي/ توماس كوبيرا. فهذه اللوحة تختزلُ بصورةٍ مذهلة كل الحكايا، القديم منها والجديد. ولعلها ستروق كثيرًا لكل من رام أن يظلَ عقله مستقلًا بعيدًا عن أجواء المصادرة والإستلاب والمجاذبات، ولكل من أراد الإستئناس بالزاوية التي مازالت تُضيء في وجدانه، ولكل من إستعظم أن يكون خياله مجرد مسرح بائس يتراقص عليه المهرجون، ولكل من عرف لنفسه قدرها، فأبى أن تضيع منه في زحام الجماهير. 
توماس كوبيرا

الخروج من القطيع ليس مجرد لوحة زيتية باهرة مُنتصبة في بهو فسيح، بل هي رسالة رمزية إلى أبعد الحدود، وتنطوي على ما لا حصر له من التأملات الجديرة بالتتبع والعكوف، وعليه فإنه يلزم كل أحد منا أن يعمل من أجلها بطريقته، هذا إن أراد أن يرى الدنيا بعينيه هو، لا بعيون الآخريين، ويصيخُ لها السمع بأذانه هو، لا بأذان الآخريين، وأن يسير إليها ومعها بخطاه هو، وليس متتبعًا لأثار خطي الأقدمين.

من اللافت هنا أيضًا أن توماس كوبيرا كان واضحًا إلى أبلغ الحدود، وهو يقول لك من خلال لوحته المُلهمة، أن خروجك من القطيع لن يكون سهلًا بحال، وأنك بلا شك ستدفع ثمن هذه المغامرة المنطوية على خطر عظيم، كما سبق وأن دفع ثمنها قبلك كثيرون، ممن رأوا أن السباحة ضد التيار، أفضل ألف مرة من الإنجراف في تيارٍ آسن عميم . أخيرًا فإن لوحة الخروج من القطيع تُعلي من قيمة وشأن أن يكون لأحدنا شخصيته المتميزة، التي تنزعُ عن عقلية نقدية مستقلة، ومتمتعة بقدر كبير جدًا من الموضوعية والحياد، فهي لوحة الإنسان كما ينبغي أن يكون.

2018/08/20

الفتنة !

بقلم : ياسر حجاج
ويحها  !
لم تنم قط إبنة اللعينة
إنها الفتنة الكبرى التي بدأت منذ مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وحتى مقتل الحسين بن علي سبط الرسول الأكرم، بل أن هناك من يعتبر أن شرارة الفتنة قد إندلعت منذ مقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، لكن القدر المُتيقن منه، أن هذه الفتنة، أذاقت - من حر نارها - جمهرة كبيرةً من المسلمين، على مساحة جغرافية هائلة لعدة عقود، إنطلاقًا من مدينة رسول الله، مرورًا بالشام والعراق ونحوهما .

لم تكن المقتلة العظيمة للإمام الحسين وصحبه وجمع من بيت النبوة - على ثرى كربلاء - خاتمة الفتنة ، فلم يعد السيف أبدًا إلى غُمده، بل ظل مُشرعًا يتلألأ بريقه الدامي على رقاب العباد، في غالب أقطار العرب والمسلمين، وهم يضربون أخماسهم في أسداسهم عن المصير الذي ينتظرهم، بعد أن تحولت الخلافة الراشدة إلى مُلكًا عضوضًا، يستأهل أن نبذل من أجل توسد مسنده، الأنفس البريئة والأرواح المطمئنة، فما أهون الدم على طُلاب السلطة الذين يراودهم حُلم أن يكونوا - بزعمهم - خلفاء لله على أرضه ، وظله الممدود على عباده !

هذا سِفر قيم جدًا إذ يغطي الأحداث الجسام التي عاينتها الأمة، وقت أن كان الدين لله غضًا طريًا، وهو مؤلف من جزئين، الأول (عثمان) والثاني (علي وبنوه) ، وربما لو إمتد العمر بطه حسين، لكان أخرج لنا أجزاءً عديدة متتابعة، عن الفتنة التي حركتها رياح الطمع فألقت بشررها على كل قطر من أقطارنا تقريبًا، بعد أن تقاطعت فيها السياسة بالدين، والدنيا بالآخرة، والشدة باللين.

هذا الكتاب يلزم أن تقرأه - إن لم تكن فعلت- بروح محايدة ونفس وضيئة، ذلك أنك إذا قرأته وفي مخيالك مُسبقًا بعض الأفكار النمطية، تجاه الكاتب ذاته، أو موضوع الكتاب، فإنك على الأرجح لن تنال منه فائدة ولن تستلهم منه عبرة، وإن كنت أرى مع ذلك أن هذه مسألة شاقة على الكثيرين منا، فكل ما اتصل بمعتقد للناس أو مذهب لهم، فهم من وراءه بقضهم وقضيضهم، تدفعهم أحيانًا حمية الغيرة في غير موضعها، فتخرجهم من هدأة النفس، إلى نير التحزب والعصبية، بيد أني أذكر نفسي وإياهم، أن الفضيلة الكبرى ليست سوى الإشارة بإصبع الحق، أيًا ما كان الوجه الذي سيُصيب.

ختامًا .. فإن هذا السفر ليس الغاية من عرضه، أن تحاكم فريقًا على حساب فريق أو تتشيع لفئة على حساب أخرى، بل أن الغرض وكما قال المؤلف ذاته في مُفتتح كتابه نصًا ( إنما أحاول أن ابين لنفسي، وأبين للناس، الظروف التي دفعت أولئك وهؤلاء إلى الفتنة، وما استتبعت من الخصومة العنيفة التي فرقتهم، ومازالت تفرقهم إلى الآن، وستظل تفرقهم في أغلب الظن إلى آخر الدهر  .

مُستطرف ومُستظرف .


بقلم : ياسر حجاج
لا علم لي بعدد المرات التي قرأتُ فيها هذا الكتاب، للعلامة المصري شهاب الدين الأبشيهي ، فهو على الدوام رفيق أسفاري، ونديمي في حلي وترحالي، أسميه (دستور الأدب) لو قايضت كل ما أملك من كتب به، لرأيتني رابحًا غير خاسر، وغانمًا غير غارم .

ولأن أعمارُنا جدُ قصيرة، ودبيبنا على الأرض سيظل محدودًا، وسعينا فيها سيبقى محصورًأ، فلربما ود أحدُنا أن تتاح له فرصة أكبر، لمزيد من المعايشات والمعاينات والصولات والجولات، لكن هيهات هيهات، فقد إنقضت حقبة الأعمار المديدة، وإنفلتت دون رجعة، أزمنة الأبدان الشديدة، من هنا تأتي أهمية القراءة وتحصيل العلم، والوقوف على الأخبار، فذلك كله لا شك من شأنه أن يعطينا أعمارًا فوق أعمارنا، بالنظر إلى ما يجرى تشييده من صروح ، ومراكمته وتحصيله من فنون.

لقد حثنا الله في غير موضع على التدبر والنظر، وإجالة الخاطر والبصر، فنُضيف إلى معين خبراتنا عيونًا دافقة ، وأظن أن هذا الكتاب نقطة جيدة جدًا للإنطلاق. ولكي أكون دقيقًا أكثر، فإنه ليس بكتاب بالمعنى التقليدي، بل موسوعة باذخة تقع في مجلدين، تربو على الثمانين بابًا، فيها خبر من غبر، ونفائس الشعر والأدب، بها أخبار الحمقى والصعاليك والحكماء الذين يزخر بهم كل جيل

ستعرف عن قرب، كيف تفرقُ بين الفصاحة والبلاغة، ستحاط علمًا بالتأكيد بنوادر النحاة والقضاة والمُتقعرين، ستصادف في طريقك أبو نواس فيسكب لك من خمريات شعره الشيء الكثير، ستعاين قصور الخلفاء والأمراء، ولربما أجَلتَ النظر من وراء ستار، إلى مخادع الجواري والحريم.

سيحملك هذا الكتاب فوق بساطه الساحر، فترى الدنيا كما لم ترها من قبل، فيافيها وحواضرها، عيونها وبساتينها، الأحلام التي فُسرت، والآمال التي كُسرَت ، أما إن كنت من أرباب المؤانسات، فإنك سعيد الحظ بكل يقين، إذ ستجد من يُرَوِحُ عنك ويُوادعُك ويُعلمُك كيف يكون السهر والسمر

في الختام أقول ، أن حيازة هذا السِفر، ستمنحك وأنت في قعر بيتك، عمر نوح، وسياحة سليمان، فماذا تريدُ أكثر !

القبيلة الدولة !

بقلم : ياسر حجاج

صدر هذا الكتاب قبل ربع قرن تقريبًا في حوالي 400 صفحة من القطع المتوسط ، وهو كتاب في التاريخ يتناول فترة مثيرة لطالما تمنيت أن أقرأ عنها روايات غير رسمية، بخلاف تلك التي يتصدى لها غالبًا، جمع من المشايخ والباحثين ، ممن يبسطون البحث بطريقة كلاسيكية خبرية، أقرب ما تكون إلى عازفي الرباب منهم إلى الباحثين المدققين ، فالكتاب كما رأيته ليس كتابًا في السير أو المغازي أو التراجم ، بل هو كتاب منهجي، إرتبطت فيه النتائج بالمقدمات ، والمسببات بالأسباب .

يكفي أن تقرأ ما خطه المؤلف بذاته في صدر كتابه، لتعرف ما هو الطريق الذي أنت مُقدم على السير فيه ، إذ يُهديه مؤلفه إلى الذين يؤرقهم الشوق إلى قراءة التاريخ العربي والإسلامي وهو مكتوب كتابة موضوعية، بعيدة عن الحواجب التي تحجب العقل، مثل العواطف الفجة والأساطير، كما يُهديه إلى الأكاديميين الذين ينادون بضرورة إعادة كتابة التاريخ العربي والإسلامي، ولكنهم لا يفعلون، إما حرصًا على مكاسبهم، وإما تحرزًا من المتاعب التي سوف تلاحقهم، لو اقدموا على ذلك .

الكتاب يتناول قريش القبيلة ، ثم قريش الدولة، بكل ما تحملة الكلمة من معنى، من خلال المقدمات الذاتية لهذه القبيلة عبر مؤسسها الأول (قصي بن كلاب) مرورًا بالمقدمات الدينية التي صاحبت وجود أتباع الديانتين (اليهودية والمسيحية) فضلًا عن المقدمات السياسية، بالنظر إلى القوى الإقليمية المحيطة (كفارس وبيزنطة وأنصار المدينة) علاوة بالطبع على المقدمات الإجتماعية والإقتصادية والثقافية .

سيلمس القارىء هنا كيف أن القريشيين دون سواهم من القبائل الأخرى، كانوا هم أصحاب الريادة والرئاسة، حيث لم يكن من المقبول أن يتقدم عليهم أحد، مهما كان سهمه في جاهلية أو إسلام، بل أن واحدًا من أكابر الصحابة وهو عبد الله بن مسعود، خضع لنوعٍ من التقريع ، بواسطة عمر بن الخطاب عندما سمعه الأخير يتلو قوله تعالى (عتى حين) أي (حتى حين) من سورة الصافات ، فكتب إليه عمر يُنكرعليه ذلك، ومُذكرًا إياه بأن القرآن لم ينزل بلغة هزيل (وهي قبيلة عبد الله بن مسعود) وأرشده إلى أن يُقرىء الناس بلغة قريش !

سيظل هذا الكتاب عالقًا في ذاكرتي طويلًا، فهو لم يصحبني في رحلته رغمًا عني ، بل على العكس تمامًا ، كان يسيرُ بي سيرَ الحاذق الماهر، فلا يجاوز بي نهرًا، ولا يقطعُ بيَ واديًا، إلا عن طيب خاطر مني، وهذا خلقٌ قلما تجده في سفر من الأسفار، وأنصحُ أصدقائي الأعزاءأن يخوضوا غمار مطالعة هذا العمل الكبير، لأنه ليس متاحًا كثيرًا في الأسواق، أن تجد عملًا يجمع بين المصداقية والجرأة والتوثيق !

الدمع وحده لا يكفي !

بقلم : ياسر حجاج
كان ذلك قبل أكثر من ثلاثين سنة تقريبًا ، أتذكرُ تمامًا الآن هذه الزاوية التي كنتُ أجلسُ فيها. كان الليل قد أرخى سدوله ، وأوى الجميعُ إلى مخادعهم ، إلا مني ، فأنا على الدوام كائنٌ ليلي بإمتياز . أنهيتُ الصفحة الأخيرة من الرواية ، وألقيت نظرة مُودعة على غلافها،غ ثم طويتها ووضعتها جانبًا . وعلى حين غرة طفرت عينايَ بالدمع وسُمع لأنفاسي نشيج ، لم أحاول أن أرد الدمع المُنسكب ، فقد إنشغلتُ عنه بقلبي الذي كان في وجيبٍ هادر.

أدركتُ وقتها، أن الناس قد تموت في الحرب بلا سبب ، بلا قضية ، بلا هدف ، عاينتُ عن قرب كيف أن الإنسان قد يتحول في لحظات إلى مجرد عتاد بارد، ضمن مجهود حربي عبثي وظالم، رأيت أن الإنسان كان مجرد رقم قي قائمة المُرسلين إلى جبهة القتال ، ثم رأيته عائدًا أو ما تبقى من إلى الديار، من أجل مراسم دفن بلا عزاء .

إريك ماريا ريمارك
1970-1898
تفرستُ كثيرًا في وجوه الجنود ، والصُفرة التي علت محياهم ، بعد أن فقدوا القدرة على الكلام أو كادوا ، كانت العيون زائغة ، فالأفق ضاق كما لم يضق من قبل ، والأمل كان شعورًا ترفيًا بعيد المنال ، وكان حلم العودة إلى الديار ألمع من سراب . مازالت أسمع هدير المدافع ، والإنفجارات التي تعقب إطلاق الدانات ، والأنفاس المرتعبة التي تلهث بلا توقف . شاهدت الدماء التي إختلطت بالرمال والأجساد المشطورة والمبتورة والشائهة . غير أن أكثر ما آلمني في هذه الرواية ، أن البعض ممن رحلوا، لم تُتح لهم حتى فرصة للصراخ !! 

2018/07/13

والتانجو إذا حكى !



بقلم : ياسر حجاج


ما وددتُ يومًا أن أكون شاهدًا على عراكٍ إلا هذه المرة
يا إلهي !! كيف تمكنتُ من المحافظة على رباطة جأشي حتى النهاية !!
إشتباك بين متناظرين ، ساحته يحدُها الجمال من كل الجهات
مع وعدٍ منهما بأن تبلغَ الدهشةُ منتهاها ، وينل العُجب غايته

الشيلو والجيتار ، رسولا الجمال ، ومبعوثا الدلال
يتسع الأفقُ ، وتخبو الأضواء ، ويعمل السلم الموسيقى كما لم يعمل من قبل
لا يوجد هنا وقت مُستقطع أو جلسات إستراحة ، ولا حتى هدنة لإلتقاط الأنفاس
طوبى لأصحاب الرهافة ، وذوي العقول المُذهبة
والأنفس التواقة لمعاينة حبس الأنفاس حتى اللقطة الأخيرة
رأيتُ كيف تنساب الروح وتتخدر الأطراف
حتى إذا جاء مشهد الختام ، وددتُ أن لو بقيتُ الستائر دون سُدول 
ولمَ لا ؟ أليست هذه هي المباراة التي يفوز فيها الجميع ؟

2018/07/12

كرواتيا .. أي حلم !!


بقلم : ياسر حجاج
يبدو أن محركات البحث على الإنترنت قد عملت بأقصى طاقتها ، لتلبية طلبات المستخدمين الباحثين عن ماهية تلك الدولة البازغة ، التي يحتل إسمها الآن صدارة نشرات الأخبار والمواقع العالمية ، بعد الأداء المبهر لفريقها الوطني لكرة القدم في مونديال روسيا 2018 .


قد تتفاجىء أنه لا توجد معلومات إستثنائية أو خاصة عن هذه الدولة ، تُبرر كل هذا الإهتمام الإعلامي غير المسبوق ، وذاك الإحتفاء الشعبي الحار في أرجاء المعمورة ، وهذا على أي حال دأب الناس في كل مكان ، إذ ينظرون بكثير من الإكبار والإحترام لأولئك البسطاء ( دولًا وأفرادًا ) وهم يرونهم يشقون طريقهم صوب الشمس ، متجاوزين الكبار في تحدٍ ينتزع الآهات ، رغم جبروت كل الأيقونات العتيقة ، كالإسم والتاريخ والجغرافيا والإقتصاد .

لقد بلغ الإنسان منا شأوًا عظيمًا جدًا ، إذ تغيرت - على نحو جادٍ - نظرته للحياة ولكل أنماطها الكلاسيكية المعتادة ، فما عاد يركنُ إلى العزف القديم ، على أوتار حضارة منصرمة ، أو مجد إمبراطوري بالٍ ، وما عادت تغير قناعاته كل المزركشات المعاصرة بتراكيبها المبهرة .
نعم بات الإنسان أكثر وعيًا من ذي قبل ، وصار - رغم كل الصعوبات التي يحيا في ظلها - يُبدي الدعم اللازم للبسطاء ، ويرجو - من صميم روحه - أن تُصادف ثلة المهمشن حظوظًا أفضل من ذي قبل ، والحقيقة أن كل تعاطف نالته هذه الدولة من مشجعي كرة القدم حول العالم ، لهو دليل لا يُستهان به ، أن الإنسان رغم كل شيء ، تحيطه المشاعر النبيلة ، ولا تعوزه سوى الأمثلة الصادقة والجادة ، لتتدفق هذه المشاعر إلى مسارها الذي تستحقه .

أتت رئيس هذه الدولة ، السيدة / كوليندا كيتاروفيتش ، لتضيف للمشهد بعض من السحر والدلال ، من خلال دعمها اللا محدود للاعبي بلدها ، غير آبهة بقواعد البروتوكول الباردة ، فكان حضورها الحار وإطلالتها البديعة ، محل إعجاب الجميع شرقًا وغربًا .
كل التحية لهذه الدولة وحكومتها ورياضييها ، وكل التحية للبسطاء في هذا العالم ، الذي رأوا في هذا النموذج الجدير بالإحتذاء ، ما يؤكد ما وقر في ضميرهم ، من أنه لن يصح في النهاية سوى الصحيح .
ولا يفوتنا في هذا المقام ، أن نقدم خالص التعازي لأحلامنا وطموحاتنا وآمالنا ، التي رجوناها لبلادنا وأنفسنا وأهلينا وأولادنا وأحفادنا ، بعد أن قتلتها - عن عمدٍ - جوقة الحمقى التي تعزف الآن في أوطاننا ، معزوفة الختام لبلدان ، كان مُقدر لها النهوض ، فإذا بها الآن ، تصارع من أجل البقاء !!

2018/04/12

خُلُق القراءة !


بقلم : ياسر حجاج

من المرجح جدًا أن تكون القراءة ، قد أضافت إلى بُنيانك المعرفي ، قدرًا من السموق ، وشيئًا من الرسوخ ، ومن الوارد أنك قد بتَ الآن أكثر قدرة على الإنخراط في مناقشة المزيد من القضايا والأراء المختلفة ، مستعينًا في ذلك بالمخزون الذي ظللتَ عليه عاكفًا طوال سنين ، ترقب إرتفاع منسوبه ،  وتختبر جودة محتواه ، ومن المؤكد أنك قد وصلت الآن إلى شفا المرحلة التي تستطيع عندها المجاهرة بأرائك ، والدفاع عن كل ما تعتقد أنه الأقرب إلى  الحق ، والأدنى من الصواب ، مع القدرة على التعبير بصورة لا يخالطها وهنٌ أو ضعف ، قد ينال من مصداقية ما تقول ، أو يخدش سلامة المنطق الذي تستند إليه .

حسنًا .. لابد أيضًا وأنك طالعت بشئ من الرضا الممزوج بالبهجة أرفف مكتبتك ، ومررت بأصابعك الحانية على مغلفاتها الخارجية المُتربة غالبًا ، وكأنك تتذكر - وقد علت وجهك إبتسامة - في أي مناسبة إشتريتَ هذا الكتاب ، ومن أين دارٍ إقتنيتَ هذه الرواية ، وعلى من قرأتَ تلك النصوص التراثية العتيقة ، وفي أذن من سكبتَ روائع ذلك الديوان ، ولعل من حسن طالعك ، أن تكون قد وُفقت - في مرحلة ما - إلى خوض غمار الكتابة في مفكرة شخصية ، أو دفتر ذكريات .

كل ذلك حسنٌ جدًا ، لكنه يعد لا شئ ، نعم لا شئ ، إن لم تُحدث فيك القراءة ، الأثر المأمول ، والهدف النبيل ، والذي بدونهما تصبح الكتب أكوام حجارة ، وتغدو دواوين الشعر حفنة يابسة أو زرع هشيم ، فالغاية النهائية من القراءة ، ليست المتعة الذهنية وحدها ، ولا هي جمع شتات المعارف والعلوم فحسب ، ولا هي مجرد تحصين العقل أمام غوائل الجهل ، فالأثر والهدف ، ليسا في الحقيقة ، سوى أن تبلغ المرحلة التي يمكن تسميتها تجاوزًا أو حتى تسامحًا (بالطُهر المعرفي) ، الذي أراه لا يتحقق في قارئ ما ، ما لم يكن مستعدًا لمناقشة كل أرائه بقلب مفتوح ، وان يكون لديه ما يكفي من شجاعة ، تؤهله الإعلان عن إنصياعه لرأي مختلف إذا تبينت جدارته ، أو الإصطفاف وراء نظر مغاير ، كان خليق به أن يتقدم الصفوف .

إن أطيب ثمار القراءة ، أن تتمتع بروح نزيهة ، وموضوعية خالصة ، تترفعُ بها عن كل إنحياز سلبي أو تعصب مقيت ، بل وأن تضرب صفحًا عن كل ما تبنيت من أراء أو مواقف في السابق ، إن تطلب الأمرُ ذلك ، لتعاود البناء مرة أخرى ، وفق معايير جديدة ، دون أن ينال ذلك من كبريائك ، أو يوهن من عزمك ، بل العكس تمامًا ، فكل محاولة منك لإعادة تقييم مفاهيمك ، هي رصيد مُضاف إلى حساب ثقافتك ووعيك وإنسانيتك ، فالقراءة عملية ديناميكية مستمرة ، لا تكاد تهدأ ولا تعرف الركون ، وهي في النهاية أنبل ما يمكن أن يمارسه إنسان ، فيكفي أن تعرف هنا ، أن أصحاب الضمائر الحية ، كثيرًا ما يقرأون ! 


2018/03/16

مقدمات الكتب ..فن وذوق !

بقلم : ياسر حجاج

تروقُ لي الكثير من مقدمات الكُتب الأجنبية ، لاسيما عندما تُختتم هذه المقدمات ، بتوجيه المؤلف الشكر إلى بعض الأسماء والجهات ، التي يرى أنها قد أسهمت إسهامًا إيجابيًا ، ليظهر كتابٌه بين أيدي القراء ، فبجانب دار النشر بالطبع ، هنالك سلسلة أخرى غالبًا ما يجري الإشارة إليها ، بحسبانها الجنود المجهولة ، الذين لا يعرفهم القراء ، كمحرري النصوص والمدققين اللغويين ، والسكرتارية الخاصة ، فضلًا عن زوجة المؤلف وأولاده وأصدقائه ، وربما مدبرة منزله ، وذلك لما لهذا القطاع من فضل الإعداد والمساندة ، علاوة على الجهد الإنساني الرائع ، الذي يتمثل في ممارسة الدفع المعنوي لشخص الكاتب ، وبث روح المثابرة والإصرار في نفسه ، وحثه على المواصلة ، إذا ما تعثرت خطواته على الطريق .

مازلت أذكر أني قرأت قبل فترة ليست بالبعيدة كتابًا صغيرًا ، يقل عن 150 صفحة بقليل ، ومع ذلك فإني وجدتُ المؤلف - على صغر كتابه - قد وجه الشكر لأكثر من 50 شخصية (طبيعية وإعتبارية) ، لا على سبيل الإجمال ، بل على سبيل التحديد ، منوهًا - بشئ من التفصيل - إلى الجهد الذي ساهم به كل منهم ليظهر كتابه في الأسواق ، ولقد شعرتُ وقتها بكثير من الإحترام لشخص هذا الكاتب ، لقاء ما أبداه من نبل وتقدير تجاه الأطقم المساعدة له ، لاسيما عندما نوه أن كتابه ما كان ليظهر بصورته الراهنة ، بدون مساعدة وملاحظات وتوصيات أهل الخبرة من أصدقائه .
قد لا يعتبر أحدهم هذا الأمر ذو أهمية كبيرة ، وربما فضل أن يتجه مباشرة صوب موضوع الكتاب ، ولكن الحقيقة ، أن هذا الأمر ينطوي على قدر كبير من الأهمية ، لاسيما بالنسبة للقراء المحترفين ، الذين ينظرون إلى الكتاب غالبًا نظرة بها قدر من الشمولية ، فذلك النوع من المقدمات ، يجعل القارئ يبدأ رحلة القراءة بنفس طيبة مطمئنة ، وصفو خالٍ من كل كدر ، مع شعور مفعمٌ بالدفء والمحبة تجاه الكاتب ، صحيح أن المحصلة النهائية لموضوع الكتاب ، قد لا تنال الإعجاب الذي كنت تنتظره ، ولكنك على أية حال ، لم تخرج أبدًا صفر اليدين ، فإنك لا شك قد تعلمت درسًا بليغًا بنذرٍ قليلٍ من المال ، مفاده أن شكر الناس وإن قل جهدهم أو عطاءهم ، من شأنه أن يبني جسورًا من الثقة والمحبة والحميمية ، لن تتمكن غالبًا من شراء أي منها ، لأنها غير متاحة بالأسواق . !

2016/03/24

أين أنت يا ريما !!



بقلم : ياسر حجاج
غطاء رأس منحسرٌ قليلاً عن مقدم شعر الرأس ، عينان دامعتان ضارعتان ، تستمطران أملاً أو رجاءاً ، جفنان يبتهلان في خشوع ، وعلى أهدابهما نضجت بذور اللوعة والشكوى ، وجه مُترع بالألم والحيرة ، لكن بالتأكيد لا تنقصه البراءة ، وكأني به أتي للحياة ليجسد دور الفطرة في أبسط صورها ، وأدق معانيها . لو قال لي أحدهم أن هذه صورة مُتخيلة لزوجة نبي لصدقته ! .
ها أنا من جديد ، أدفع ثمن التوقف أمام التصاميم الخاصة بأغلفة بعض الكتب ، فما أن يشعر البائعون بإطالة نظري أمام غلاف ما ، حتى يقدموا لي - من فورهم - الخدمة التي لم أطلبها ، والمشورة التي لم أنتظرها ، هذه المرة أتي الصوت من خلفي :-
- سيدي هذه رواية ممتازة ، وظني أنك لن تندم إذا قررت أن تشتريها ! 

لم ابذل أي مجهود بالطبع لأدرك أن الصوت المُترع بالجدية - الذي أتى لتوه من وراء كتفي - هو صوت أنثى ، وأنها على الأرجح بائعة المكتبة ، أفي ذلك شك ! إستدرت لأتحقق من مطابقة الصوت مع الصورة التي رسمتها على عجل ، فلم أجد أحداً قبالي ، وأدركت أنه يتعين علىَّ أن أنزل بمستوي بصري من القامة الأفقية المستقيمة لطول يناهز الـ190 سم إلى ما دون ذلك ولو قليلا ، لأتحقق من مصدر الصوت ! نعم .. الآن وجدتها ، إنها أنثى ، ألم أقل ذلك ؟ شقراء مكتنزة ، متوسطة القامة ، نظارة طبية سميكة ، لباس ذو حشمة ، جديرٌ بمن لامست خط النهاية للعقد الثالث من عمرها ، وما أن إنتهيتُ من عملية (المسح الضوئي) للبائعة ، حتى بادرتها قائلاَ :-
- حسناً .. غير أنني لم أسمع أبداً عن هذه الرواية ، كما أن إسم الكاتبة أيضاً ، لم يسبق وأن وقعت عليه عيناي من قبل !!

بدا أن محاولتي الساذجة للإفلات من شراء الرواية (المجهولة) ستُمنى بالفشل ، بعد أن أبدت البائعة إستغرابها من جهلي بإسم الكاتبة ، أو حتى بالراوية التي تكاد تنفذ طبعتها السابعة والعشرون ، والتي بين يديَّ الآن إحدى نسخها بالطبع ! عدتُ وطالعتُ غلاف الرواية ، ورأيت فيه شيئاً يستحق التأمل من جديد ، ثم جاء العنوان المثير ( في قلبي أنثى عبرية ) لأبدأ من بعده في تحسس حافظة نقودي ، فقد عزمت أخيراً على شراء الرواية لكاتبتها التونسية د. خولة حمدى .


الكاتبة التونسية
د. خولة حمدي
تعاقب عليًّ الليل والنهار ثمانون مرة بالتمام والكمال ، قبل أن اخوض الغمار ، وتواتيني الشجاعة لمجاوزة حدود الغلاف ، والنظر إلى ما وراءه من سطور ، فماذا وجدت ؟ تقول الكاتبة " هذه الرواية مستوحاة من قصة حقيقية ، خطوطها العريضة تنتمي إلى الواقع ، وشخصياتها الرئيسية كانت / مازالت أنفاسها تتردد على الأرض ، لكنها (أي الرواية) لا تخلو من مسحة خيال مقصودة " .
كان هذا التنويه ضرورياً من الكاتبة ، ويبدو لي أنه ينطوي على إحترام منها للقراء ، وإن كان سيُحدثُ بعض الإرتباك لدى عدد منهم ، فقد يصعب عليهم التمييز أو التفرقة ما بين الواقعي والخيالي في أحداث الرواية ، وإن كان هذا جزء من متعة القراءة والإثارة المنتظرة منها ، والحقيقة أن الرواية قد حفلت بالكثير منها ، على الرغم من أنها لم تكن من ذاك النوع المفعم بالنثر المتوهج ، إلا أن النسق الذي كُتبت به كان سهلاً ، عفوياً ، مباشراً ، وصادقاً .

في تقديري فإن الفكرة الرئيسية التي تقوم عليها الرواية بصفحاتها الـ386 ، هي المعتقد الديني ، وما له من تأثير مباشر في بناء العلاقات الإجتماعية لكل منا ، ولكونه أيضاً المرجع الأهم عند الحاجة إلى تقييم أي من هذه العلاقات ، أو حتى عند النظر في إستمرارها من عدمه ، هذا فضلاً عن إلقاء الضوء ولو من بعيد على الثقافة الحاكمة للعقلية العربية ، ومدى نضجها أو صلابتها ، لدى التعامل مع أطراف أخرى لا تشاركها ذات الدين أو المعتقد ، بدا ذلك واضحاً من خلال شخصيات الرواية الرئيسية والثانوية ، الذين توزعت معتقداتهم ما بين (اليهودية والمسيحية والإسلام) ، ولعبوا أدوارهم على مساحة جغرافية محددة (جزيرة جربة التونسية - الجنوب اللبناني) .

أهدت المؤلفةُ هذا العمل لثلاثة من شخوص روايتها ( ريما ، ندى ، أحمد ) ، أما ريما .. فصبية تونسية ، مسلمة ويتيمة ، شاءت أقدارها أن يكفُلها يهودي ، ويتعهد تربيتها في منزله ، وذلك بعد وفاة أمها ، عاملها كأب حقيقي ، بل كانت في كثير من الأحيان أقرب إليه حتى من أبنته وإبنه ، إذ كان يشعر بحبها ومودتها له ، وكيف لا وهو (بابا يعقوب) كما كانت تناديه دائماً ، فقد كان يذهب بها حتى إلى المسجد وينتظرها خارجه ، ريثما تنتهي من دروسها الدينية . تطورت الأحداث بسرعة ، حيث ضاقت زوجة يعقوب يهودية الديانة بريما ، وخشيت من تدينها المتنامى ، وما قد يترتب على ذلك من تأثير على المسار العقدي لإبنها وإبنتها ، ولم يجد يعقوب حلاً ، وحفاظاً على منزله من التداعي ، إلا أن يرسل ريما لأخته المقيمة في لبنان للإقامة عندها ، بمرور الوقت قامت الأخت بإستنقاذ الصبية من بين براثن زوجها الذي كان يؤذيها ويضربها ويهينها ، فأودعتها بدورها عند صديقة يهودية لها كضيفة لبعض الوقت . تمر الأيام ، فتستذلها ربة المنزل الجديدة ، وتكلفها ما لا تطيق من أعمال ، نظير المأوى والطعام ، والصبية ثابتة وصابرة ، تمنى النفس بعودة قريبة إلى مرتع صباها في تونس وبابا يعقوب ، غير أنها لم تكن تعلم أننا أحياناً ندفع أثمان بلا جريرة ، فقضت الفتاة لاحقاً في غارة إسرائيلية على الجنوب اللبناني ، بينما كانت ذاهبة لقضاء حوائج منزل سيدتها ، ماتت ريما غريبة ووحيدة ! .

عند ذلك القدر توقفت عن القراءة ، ونحيتُ الرواية جانباً لبعض الوقت ، فقد إضطربت أنفاسي حقاً ، ودمعت عيناي ، إلى حد النشيج المكتوم ، لم أكن أظن أنني سأكون قادراً على إكمال القراءة بدون ريما ، وجدتني أكتب على الجزء الفارغ من الصفحة رقم 162 التي شهدت وداعها ... أين أنت يا ريما !

أكملت الرواية لاحقاً في خمس جلسات مطولة ، حيث عاينت المزيد من الأحداث والمواقف الإنسانية اللافتة ، والتغيرات الدرامية ، وكذا النهايات السعيدة من خلال الشخصيتين الرئيسيتين ( ندى الشابة اليهودية التي أسلمت والتي باتت شبه داعية ، والتي تزوجت لاحقاً من أحمد ، ذاك المسلم اللبناني المقاوم ، العائدة له ذاكرته بعد غياب ) . والرواية على العموم مفعمة بالأحداث ، وستتباين ردود أفعالنا تجاهها بالنظر إلى الثقافة الشخصية لكل منا ، بقي التنبيه إلى نقطة جوهرية ، وهي التذكير بأن النص ملكٌ لكاتبه ، والتأويل ملكٌ لقارئه ، أما بالنسبة لي ، وبعد قراءة هذه الرواية ، فإنني مازلت أهتف صدقاً .. أين أنت يا ريما ! .

الرواية : في قلبي أنثى عبرية
الكاتبـة : د.خولة حمدي
الناشـر : كيان للنشر والتوزيع - القاهرة

أرشيف المدونة

زوار المدونة

أون لاين


web stats
Powered By Blogger

مرات مشاهدة الصفحة